بدأنا مع "سلاح حزب الله وجبهة الجنوب
(1)" وعرّجنا على "مضاعفات خارطة الطريق في فلسطين
(2)"، ثم "حديث مع المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله
(3)". وتلته حلقتان عن الوضع الداخلي في العراق
(4)
و (5)، ثم "الموقع الإقليمي لإيران ودول الخليج العربي
(6)" وعدنا إلى لبنان من مدخل البحث الداخلي عن "موقع الطائفة وثنائية كل من أمل وحزب الله
(7)". وتناولنا الآلية التي تطوّر بمقتضاها "دور الطائفة في الكيان
(8)". تطرقنا إلى "جذور العلاقة العاملية بالنجف وحصاد قوافل العلماء
(9)". ونتابع اليوم العلم الشرعي الجعفري بين النجف والحوزات المحلية

أربعون الإمام
الحسين في كربلاء - 2003 |
شابهت العلاقة التي ربطت بين الطائفة الشيعية مع النجف العلاقة التي جمعت الموارنة مع روما. مع فارق اساسي يتمثل بهيكلية الكنيسة الكاثوليكية التي تبدأ بالبابا، يليه البطاركة، المطارنة المحليين و... ليس لدى الشيعة مثل هذه التراتبية المؤسساتية. لكن النجف لعبت دورها العلمي، كما لعبته جامعة اللاتران. السنة الذين ارتبطوا بالأزهر وأوفدوا طلابهم الى جامعته، لم يظلوا عند الشكل التقليدي لعلاقة مع مركز ديني علمي، لا سيما بعد الاصلاح الذي عرفه الأزهر في مناهجه الدراسية، وجعل جامعته واحدة من أهم الجامعات المصرية المفتوحة على هيكلية اكاديمية ودراسات في شتى المجالات. النجف ظلت فريدة في بابها، اي انها لم تتمأسس (لم تتحول الى مؤسسة) بالمعنى الحديث للكلمة مثل الجامعات الاخرى العريقة.
تدفق الافواج من طلاب العلم عليها لم ينقطع على مدى قرون متلاحقة. لكن الطائفة الشيعية في لبنان لم تمتلك المدارس الدينية الوسيطة. خلاف ما هم عليه الموارنة والسنة. والمدارس الوسيطة هي التي ترسل بالطلاب الى دراسات فقهية أعلى، كأنها مرحلة ثانوية تمهد لمرحلة جامعية. هذا جانب من الموضوع، والجانب الآخر يتمثل بالقمع الذي تعرضت له النجف على يد نظام صدام حسين وأدى الى اعادة الطلاب اللبنانيين ولما يكملوا بعد دراساتهم العليا..
في غضون الاعوام السابقة، وتحديدا منذ عقد ونصف العقد اخذت تتأسس “الحوزات العلمية” المحلية. شخصيات دينية وقوى سياسية تولت المبادرة. كانت النجف شبه موصدة الابواب امام اكمال الدراسة. تتيح الدراسة في هذه المعاهد تخريج رجال دين محليين للقرى والاحياء. لكن مستوى المتخرجين لا يصل الى لعب دور قضائي او افتائي او اجتهادي بطبيعة الحال. التحول الذي حدث رافقه التوجه نحو قم في ايران نتيجة وضع النجف.
هذا التطور الذي ادى الى نشر “الحوزات العلمية” في الضاحية والجنوب والبقاع ما هو سببه الاساس هل تحول الجماعة الشيعية الى طائفة سياسية خلاف ما كانت عليه سابقا، كما يقول د. أحمد بيضون. ام لأن الحاجة باتت ضاغطة لتخريج اعداد كثيفة من رجال الدين لتلبية حاجات القرى والبلدات والاحياء، ناهيك بالانتشار الشيعي في المغتربات، خصوصا وان السبل تقطعت للوصول الى النجف كما يذكر العلامة السيد محمد حسن الأمين. هل عوضت هذه الحوزات غياب وتغييب النجف؟. لكن الأهم من ذلك كيف يدرسون في النجف وكيف يدرسون في الحوزات المحلية. ما هو مستوى الخريج وما هو مستقبله بعد هذه الرحلة العلمية التي قد تطول وتقصر في شعاب الفقه الجعفري والعلوم الشرعية والاجتهاد وما اليهما.
هذه الاسئلة تطرح نفسها بالحاح، وتفرض الدخول الى النجف والحوزة مع طلابهما، وقبلا تبيان مرحلة البديل عن النجف التي تولتها قم في ايران.

السيد علي
الأمين |
يجزم المفتي السيد علي الامين ان العلاقة التاريخية بين جبل عامل والعراق من خلال النجف هي اكثر رسوخا وثباتا من العلاقة مع قم. والمرجعية كانت عبر عصور عديدة تتمركز في النجف، التي كانت محط الانظار والطامحين للعلوم والمعارف الدينية حتى من الموجودين في مدينة قم المقدسة خصوصا وفي ايران عموما. لذا يأمل المفتي الامين ان تستعيد النجف دورها العلمي اذا وجدت الظروف الملائمة في ظل المستجدات التي حصلت على الساحة العراقية.
ويشير المفتي الامين الى ان ضعف التواصل مع جامعة النجف الأشرف في ظل العهد السابق، لم يؤد الى انقطاع كامل للعلاقة على المستوى الشعبي حيث كان الكثير من المسلمين الشيعة في جبل عامل يذهبون الى زيارة العتبات المقدسة في العراق. ومن المتوقع ان تستمر هذه العلاقة “وان يبقى التواصل مع العراق لأنه مهوى افئدتنا وبلد العلم والعلماء”.
تعيد الباحثة انعام قدوح السبب في الاندفاع الى النجف عن التوجه الى قم، الى اسباب اضافية عن تلك التي ذكرها المفتي الامين. تقول قدوح: خلال عهد الشاه كانت ايران دولة علمانية، ولم تقم علاقات بينها وبين شيعة لبنان. بالطبع كان هناك من يزر قم ومشهد و... لكن التوجه الطبيعي كان نحو النجف، خصوصا للدراسة، اذ ان كل علماء ايران سبق ودرسوا ودرَّسوا في النجف وليس في مكان آخر. لكن ضعف التوجه نحو النجف حدث في اعقاب اغتيال الشهيد محمد باقر الصدر في العام 1979 مما ادى الى توقف الرحلات العلمية. مما دفع بالطلاب الى قصد الحوزة في قم. في هذه الفترة لم يكن هناك بروز لحزب الله. الامين العام الحالي حسن نصر الله اقام مرحلة وجيزة في قم. هكذا بتنا نشهد توجها نحو قم، الا ان العدد لم يزد عن ربع عدد الذين كانوا يتوجهون الى النجف. ولعل اول من نظم الهجرات العلمية الى قم كان الشيخ جعفر مرتضى من عيتا.
الخلاصة التي توصلت اليها قدوح يؤكد عليها د. ابراهيم بيضون عندما يقول: العلاقة مع ايران كانت موجودة وان في نطاق ضيق. القليلون كانوا يذهبون الى قم للدراسة. اما العلاقة عبر الزيارة الى مقام الرضا في مشهد والى قم فكانت وما تزال عادية. اذن يفرق بيضون بين التوجه الى العلم والزيارة الى الاماكن المقدسة. ويخص الاولى بالنجف ويوسع نطاق الثانية الى العراق وايران معا. ينفي السيد عبد الحسين صادق ان يكون اي مكان آخر يعوض عن النجف. يصف التوجه نحو قم ومشهد انه كانت نتيجة الضغط والقمع الذي تعرضت له النجف. ويضيف: “باعتباري من المنتمين الى النجف كمركز علمي ولها في وجداني الكثير من الذكريات والحنين الطاغي فكريا وقلبيا. اقول ان نكهتها لا يمكن تعويضها في مكان آخر. وبهذا الرأي ألتقي مع كل من درس او كان على تماس مع النجف ويعرف علماءها وأدباءها.. لا استطيع ان اقول ان قم عوضت عن النجف.. لا يعوض النجف الا النجف.. واعتقد ان هذه الحاضرة الشامخة ستعود الى دورها الريادي بعد عملية الاضعاف والتهميش التي تعرضت لها”.
العلامة محمد حسن الأمين يضع مدينة قم في الموقع الثاني بعد النجف بالنسبة لرواد العلوم الشرعية، ولكنه يلحظ فارقا كبيرا في المستوى والاتساع، بحيث ان الطلاب الايرانيين كانوا انفسهم يفضلون طلب العلم في النجف الأشرف عن قم. من الطبيعي انه عندما تتوقف النجف ان يتحول الاتجاه نحو مدينة قم لطلب العالم. ولا شك ان قيام الثورة الاسلامية الايرانية إبان ازمة النجف الاشرف ساهم مساهمة كبيرة في التوجه الى قم.
بدوره ينفي المفتي الامين ضرورة دراسة الفارسية في حال التوجه الى قم. اذ ان اكثر المرجعيات يجيدون العربية. اما في حال كان المرجع لا يجيد العربية، فهناك ضرورة لاجادة الفارسية، علما ان لا فارق جوهريا بين التعليميين لجهة المضمون.
الدراسة: السطوح والخارج
يطلق البعض على النجف والدراسة فيها اسم الجامعة، ويرفض آخرون هذا التحديد او التشبيه مكتفين بالقول “الدراسة في النجف” دون اي ملامح اكاديمية. اذن نحن هنا امام ما يشبه الاختلاف في تنسيب الدراسة الى مستوى شائع اليوم. علما ان لمؤسسة التعليم العالي، خصوصا الجامعة شروطا متعارفا عليه عن المعهد العالي او الكلية. لكن النجف كما هو واضح تفيض عن هذه التسميات، بل ويمكن القول ان نظام الدراسة فيها متداخل بين عدة انظمة بعضها وجد له مكان في المؤسسات الاكاديمية وبعضها الآخر فريد بابه.
لدى الاطلاع على سيرة احد كبار العلماء الشيعة نجد ثبتا بالمواد التي درسها وأسماء العلماء والمرجعيات والمجتهدين الذين درس عليهم والاجازات التي حصل منهم عليها وحدود هذه الاجازات و... الكثير من التفاصيل. سابقا كانت الاجازة تتضمن ليس اسماء الاساتذة الذين درس عليهم، بل اسماء مشايخهم وأساتذتهم، مما يعني ان مانح الاجازة تواصل مع حلقات علماء سابقين عبر اساتذته الذين تتلمذوا على ايديهم. وهكذا تتواصل سلاسل العلماء دونما انقطاع.

السيد محمد حسن
الأمين |
يقول العلامة محمد حسن الامين “بالفعل تعتبر جامعة النجف الاشرف صيغة فريدة من نوعها لجهة نظام الدراسة والاقامة بالنسبة لطلابها. فهي مثلا لا تتبع نظاما محددا يشبه أنظمة الجامعات الحديثة والطالب فيها لا يجد مكان منظما ومعدا لتأمين متطلباته وحاجاته، فهو يتولى شؤونه بنفسه بدرجة كبيرة بما فيها موارده المالية الضرورية للعيش. وفي النجف تتوفر مجموعة كبيرة من المدارس التي هي عبارة عن مباني يستفيد منها الطالب في السكن فقط، فيما عملية الدروس تعتمد ايضا على جهد الطالب بالدرجة الاساسية وعلى اختياره لحلقات الدرس والاساتذة الذين يبدأ بالتعرف عليهم عندما يصل الى النجف. يمكن للطالب مثلا ان ينتمي الى حلقة تتألف من بضعة اشخاص يوازونه في المستوى الدراسي، فيختارون لهم استاذا لدراسة مادة محددة، وربما تكون الحلقة مؤلفة من طالبين فقط، واحيانا يكون الطالب وحيدا لدى استاذه. وهذا فيما يسمونه دراسة “السطوح”، اي الدراسات الاولية التي تؤهل للالتحاق بالدراسات العليا، والتي تتم بالانتماء الى حلقة واسعة يقوم على التدريس فيها احد الفقهاء الكبار، وغالبا ما يكون هذا الفقيه مرجعا دينيا كبيرا، وتسمى هذه المرحلة بدروس الخارج، اي التي تؤهل الطالب للاجتهاد”.
يتابع العلامة الامين قائلا: “من المعروف انه في النجف ليس هناك مرجعية واحدة، بل عدة مرجعيات يختار الطالب منها مرجع التقليد وفق ملاحظته وتتبعه للمستوى العلمي بين عدد من المراجع، فاذا اقتنع بتميز احد هؤلاء علما ودينا وسلوكا فانه يختاره مرجعا للتقليد من بين سواه”.
ما ذكره العلامة الأمين يتطلب الدخول معه في المواد التي يدرسها الطالب سواء في مرحلتي “السطوح” او “الخارج”. يقول الأمين: الدراسة في مرحلة السطوح تفترض إنجاز
مجموعة من العلوم تبدأ بالنحو والصرف، ثم دراسة المنطق الارسطي والمعاني والبيان (البلاغة). ومع هذه البداية تبدأ الدراسات التي تتعلق بالأصول الفقهية والفقه والحديث والتفسير، وتأخذ هذه الدراسة بالتدرج من مستوى أدنى الى مستوى أعلى وصولا الى أمهات المكتب المؤلفة في هذه العلوم، وخصوصا في علمي الفقه وأصوله. فإذا أكمل الطالب هذه المرحلة وهي مرحلة طويلة وتمتد الى ما بين 5 7 سنوات يلتحق بعدها في ما يسمى بدرس الخارج، أي درس الأبحاث الفقهية والأصولية الحرة، ويمارس خلالها عنصر الاجتهاد من خلال عرض الآراء والاتجاهات في المسائل والتمييز بينها واختيار الرأي الأوجه منها، مما يدفع الطالب للبحث والتنقيب واختيار الرأي، أي يصبح الطالب عندها تبعا للاصطلاح الحوزوي “مراهقا” لمرحلة الاجتهاد، التي عندما ينجزها يصبح مجتهدا له رأيه المستقل، ولا يعود بحاجة الى التقليد، بل عليه حينها أن يمتنع عن التقليد وأن يستنبط هو بنفسه الأحكام الفقهية”.
يقدر مفتي البقاع الشيخ خليل شقير مدة الدراسة للوصول الى رتبة الاجتهاد بما لا يقل عن خمسة عشر سنة، وعليه فان الطلاب الذين يتابعون دراساتهم في النجف يحتاجون ما بين 9 سنوات وخمسة عشر سنة حتى يعودوا الى لبنان.
الحسينية الأولى
قبل أن ندخل في تبيان ما تقدمه الحوزات المحلية، لا بد من الاشارة الى أن وجود الحسينية هي المرحلة التي فتحت على تأسيس الحوزات، بالطبع ظاهرة الحسينية ودورها تحتاج الى دراسة مستقلة، سواء على الصعيد المذهبي بالنسبة للفقه الجعفري او على مستوى المناسبات العامة والخاصة. لكن هنا ما يتوجب قوله. المعروف أنه خلال العهد العثماني وقبله كان بناء الحسينية محظورا. كان يكتفى بالجامع. ومهمة الجامع هي الصلاة اليومية وخطبة الجمعة. اما الحسينية كمكان لممارسة الاجتماع الشيعي فقد كان ممنوعا، خصوصا وان تقاليد عاشوراء لم تكن قد استقرت على ما هي عليه. وقد بدت في ثلاثينات القرن الماضي وعلى أيدي بعض الايرانيين الذين جاءوا الى النبطية. والنبطية كما هي معلوم ما تزال تحافظ على هذا التقليد، مع كل ما يرافقه من تلطيم وضرب بالسيوف، رغم الفتاوى المضادة.

الشيخ عبدالحسين
صادق |
المهم أن لا حي او قرية شيعية إلا وبات لها حسينية تقيم فيها احتفالات دينية ومناسبات اجتماعية. هذا المسار استغرق الوصول إليه قرابة القرن من الزمن، أي منذ أوائل القرن الماضي وحتى نهايته. فالحسينية الأولى التي أقيمت في لبنان هي التي أقامها الشيخ عبد الحسين صادق في النبطية في العام 1909 او العام 1910. يقول حفيده السيد عبد الحسين صادق أمام النبطية الحالي هي أول حسينية ليس في لبنان بل في بلاد الشام أيضا.
يضيف صادق: بعد عودة الجد من النجف، كان مثله مثل سواه متأثرا بأجوائها وبالدور الذي تلعبه الحسينية، لا سيما في مناسبة عاشوراء، وما تشهده من مجالس دينية وأدبية، وكان شاعرا كبيرا له قصائد كثيرة، وقد تعود المجالس ودورها الاجتماعي والأدبي. وعندما رجع كان يدعو رجال الدين والعلم ويلقي قصائده أمامهم. كان له أخوال وضعهم المادي جيد ولديهم أملاك، فجمع منهم بعض الأموال التي كانت بمثابة النواة، ثم وسع الدائرة نحو المحسنين حتى أمكن قيامها.
المؤرخ حسن الأمين والشيخ شمس الدين أشارا في كتبهما الى أهمية هذه النقلة على صعيد الاجتماع الشيعي، إذ بات هناك مكان عام تمارس فيه شعائر عاشوراء، التي كانت قبلا وخلال سنوات القمع تمارس في البيوت وعلى نحو سري. الآن يقول صادق: باتت هناك مؤسسة تفاعلت معها النبطية، ثم لم يلبث أن اتسع نطاقا ليشمل جبل عامل بأسره، ومنه امتد الى بعلبك الهرمل والبقاع الغربي وبعض قرى جبيل.
يؤكد صادق أن دور حسينية النبطية أم حسينيات بلاد الشام تعدى دورها الديني التقليدي اي تنظيم الاحتفالات لمناسبة مولد الرسول، الأئمة المعصومين، كربلاء و.. الى الدور الثقافي الادبي، فمن على منبرها تبارى كبار الشعراء. وهكذا كانت تتجاوز المناسبات الدينية والاجتماعية كالمآتم الى الجانب الأدبي . وفي هذه الحسينية كان يقام مجلس دائم لاستقبال الاسئلة التي كان يتولى الرد عليها باعتباره من المجتهدين وصاحب المخزون العلمي باعتراف أساتذته وطبقة مرموقة من العلماء. يذكر صادق أن الكثير من العلماء كانوا يزورونه منهم الشيخ سليمان وأحمد ضاهر. وكان للأخير الذي كان ضليعا باللغة العربية صالون أدبي وفكري يؤمه طبقة من اللغويين. يضيف صادق الدور الثقافي للحسينية الى الدور الذي لعبته الكتاتيب قبل شيوع المدرسة الحديثة سواء كانت خاصة او حكومية. ويتوقف عند دور المدرسة الحميدية التي انشئت أواخر القرن التاسع عشر وضمت نخبة من الاساتذة العلماء، وكانت توائم بين العلم والفقه وخرجت مجموعة من الأسماء التي لعبت دورا بازرا في النهضة.
“الحوزات المحلية”
انتشرت “الحوزات العلمية” في غضون العقدين الماضيين، ليس فقط بهدف تعويض انقطاع الرحلة الدراسية الى النجف، بل لأسباب تندرج في باب بناء المؤسسات الفكرية الثقافية للطائفة. ومثل هذا ليس غريبا في البنية اللبنانية التي تمتلك كل طائفة فيها عالمها الخاص. لكن الحوزات العلمية تنشأ وتضمحل تباعا، لذلك من الصعب رصد عددها بدقة وإن كان المتفق عليه أنها تتجاوز العشرين حوزة. خصوصا وان ولا وجود لجهة واحدة مسؤولة عن المشروع، بل تعددية على هذا الصعيد.. في المناطق الطرفية تفتح الحوزة لبعض الوقت ثم لا تلبث ان تقفل. مثلا افتتحت حوزة في سحمر لكنها ما لبثت ان أغلقت وكذلك في الهرمل. في الضاحية الجنوبية لبيروت والمدن الأساسية عناصر البقاء أكثر توفرا من سواها، مما يعني الاستمرار. لكن ما يمكن ملاحظته بسهولة هو غياب التنسيق او التخطيط للمشروع مسبقا. مثلا في بعلبك هناك الآن ثلاث حوزات كما يقول مفتي البقاع الشيخ خليل شقير. سابقا لم يكن هناك من شروط للدخول الى الحوزة. أي أن الحوزة كانت بحاجة الى طلاب فاستقبلت الوافدين اليها، أما الآن فهي تشترط أن يكون حائزأ على شهادة البكالوريا. يتحدث هنا المفتي شقير عن “حوزة الإمام الحسين بن علي” بطبيعة الحال. وهذه تؤهل كما يقول لحضور الدراسات العليا لدى المراجع، أي انها تنجز مرحلتي المقدمات والسطوح. والدراسة في الحوزة تحتاج الى ما لا يقل عن تسع سنوات بعد شهادة البكالوريا. أما المواد التي يدرسها الطالب فهي النحو والصرف والمنطق الأرسطي والفقه بمستوياته المختلفة والاصول (الفقه) بمراحله المتعددة حتى العالي منها، وقد يضاف الى هذه المواد دروس في تفسير القرآن والاخلاقيات والاجتماعيات.
لكن هذه الشهادة التي يحصل عليها الطالب غير معترف بها في النجف، أي ان الحائز على شهادة الحوزة يبدأ في النجف من البداية بصرف النظر عن دراسته في الحوزة. أما اللغة الاجنبية فهي اختيارية.
نظام التدريس في الحوزة يقارب نظام التدريس في النجف، إذ يمكن للطالب أن ينتقل من أستاذ الى آخر، إذا لم يعجبه الأستاذ. لا أحد يستطيع إلزام الطالب، وكل ما يحصل عليه هو بمثابة دروس خاصة. فمثلا إذا أراد الطالب أن يدرس الاسفار للملا صدرا يمكنه أن يفعل، كما يمكن ان يدرس سواه. في الفترة الأخيرة اعتمدت الامتحانات في الحوزات وهو أمر لم يكن سائدا من قبل، لكن في النهايات يحتاج الطالب الى شهادة الاجتهاد من المرجع المعترف به في العالم.
الأستاذ والطالب

الشيخ خليل شقير |
ويضيف المفتي شقير: الاستاذ في الحوزة لا يتقاضى أي أجر. هذا ما يحدث في النجف وكذلك في لبنان. تأتي الاخماس والزكاة الى المرجع وهو يتولى توزيعها على الاساتذة والطلاب. خلال وجودي في النجف كنت أحصل على ما يحصل عليه أستاذي تماما. وطبعا المبلغ ضئيل. أما عندما يتخرج الطالب ويصبح شيخا فان أهل البلد يساعدونه عبر الحقوق الشرعية او من خلال أجر مقرر. والشيخ لا يتقاضى أجرا من المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى. مؤخرا انشئت هيئة تحمل إسم هيئة التبليغ الديني كان ذلك خلال حياة الإمام محمد مهدي شمس الدين، وكانت تدفع للشيخ 250 ألف ل.
يشرف المفتي شقير على حوزة الحسين بن علي في بعلبك، وهذه الحوزة تضم الآن عشرين طالبا. قبلا كانت تضم 45 طالبا. تخرج قسم منهم، وعملوا دعاة او كتابا. ويعتمد الطلبة على المساعدات التي تردهم من المراجع “بالأساس يؤمنون مصادر عيشهم من الاخماس والزكاة. تأتينا بعض الاموال فنقسمها بينهم، أما تكاليف المدرسة فنحصل عليها من بعض المحسنين”. إذن تعتمد الحوزة على ما يرد إليها، بمعنى أن ليس هناك من موازنة ثابتة لا للإنفاق على الطلاب ولا على الأساتذة ولا على الصيانة والتجهيزات.. لذلك يحدث دوما ان تقفل أبوابها. مثلا حوزة الحسين بن علي التي يديرها المفتي شقير انتقلت من مبناها الى منزله بعد أن تعذر عليه تأمين نفقاتها.

الإمام شمس
الدين |
أكثر من ذلك، يبدو دور المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في مجال الحوزات محدود الفاعلية والتأثير. علما ان الشيخ شمس الدين كان قد بادر وانما بصفة شخصية الى إنشاء حوزة تحت إسم الشهيد الأول. المجلس كمجلس لم يتدخل في الموضوع. وإن كان له الحق في الرقابة على مشيخة فلان او علان، لكنه لم يستطع حتى أن يمارس مهمة التنسيق بين الحوزات، بسبب التهميش الذي يعانيه جراء التنازع بين كل من حركة أمل وحزب الله. ربما لهذا السبب توجه شمس الدين نحو بناء الجامعة الاسلامية وخصص واحدة من كلياتها لدراسة الفقه ضمن منهاج أكاديمي. يؤكد ذلك المفتي شقير. والمعروف ان المجلس من دون رئيس منذ تعيين الإمام الصدر، فالإمام شمس الدين ظل حتى وفاته يحمل صفة نائب رئيس المجلس وكذلك المفتي الجعفري الممتاز الشيخ عبد الأمير قبلان اليوم. إذن بين “أمل” و”حزب الله” يعاني المجلس من شلل ينعكس على المؤسسات التعليمية الدينية بطبيعة الحال. يجزم المفتي شقير أن المجلس سيبقى من دون رئيس لأن الظروف الراهنة لا تساعد على تطبيق النظام المعمول به والذي يمكننا من انتخاب رئيس. هناك ما يشبه الحلقة المفرغة إذن جراء الصراع الذي لا يخرج الى العلن إلا فيما ندر، فيما الحوزات تتباين مستوى قدرات وخدمات للطلاب. بعضها يملك أقساما داخلية للطلاب وبعضها لا. ولأن الشهادة التي تمنحها الحوزات غير معترف بها في لبنان، لا يجد الخريجون أمامهم سوى المحاكم الشرعية او دوائر الافتاء ومجالات الدعوة ونشر الاسلام في دول الاغتراب.. إذن القلة القليلة هي التي تؤهلها دراستها للقيام بأدوار قضائية او إفتائية، فيما الأكثرية تتجه نحو القرى والبلدات لتأمين دورها فيها.
تبقى كلمة لا بد من قولها على لسان د. أحمد بيضون. كل ما ذكرناه عن دور النجف والحوزات راهنا، يرتبط بوضع الطائفة الشيعية بطبيعة الحال. قبلا لم يكن هناك اعتراف رسمي، وعندما حدث ذلك خلال الانتداب تم إنشاء هيئات تولى أمرها العلماء، وهذه كانت خطوة أساسية في تحول الطائفة الى طائفة. وتقاسم شيعة بعلبك والجنوب الدرجات، وصارت هناك محاكم محلية وأخرى في العاصمة. للمرة الاولى تقوم مؤسسات مشتركة بين هاتين الجماعتين.. منذ ذلك التاريخ الذي يتحدث عنه بيضون سارت مياه كثيرة في النهر، بعض تجلياتها ما تناولناه على صعيد الحوزات تكريسا لتلك النقلة، معطوفة على تطورات اقتصادية واجتماعية وسياسية محلية واقليمية مؤاتية.
الحوزات
تنتشر الحوزات في معظم المناطق اللبنانية الشيعية، ويذكر ان عددها يربو عن العشرين بعضها هي:
حوزة المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله ولها ست فروع في مختلف المناطق.
حوزة الرسول الاكرم الشيخ علي مرزائي.
حوزة النجف الاشرف الشيخ مفيد الفقيه.
حوزة السيد جعفر مرتضى
حوزة الشهيد الاول الشيخ عبد الامير شمس الدين.
حوزة الامام المنتظر الشيخ محمد يزبك.
حوزة الامام الحسن المجتبى الشيخ مهدي اليحفوفي.
حوزة البياض الشيخ ابراهيم آل سليمان.
حوزة الشهيد الثاني السيد نسيم عطوي.
حوزة اهل البيت السيد عبد الحسين صادق.
حوزة الحسين بن علي مفتي البقاع الشيخ خليل شقير.
ويعتبر الشيخ ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في العام 449ه منشئ الموقع الحوزوي في النجف، ففي اعقاب هدم منزله وإحراق مكتبته في بغداد رحل مع من تبقى من طلاب العلم والعلماء الى النجف وأسس جامعة حول ضريح الامام علي وعلى مقربة من وادي السلام احد اكبر المقابر في العالم الاسلامي وعلى امتداد اكثر من عشرة قرون خرجت هذه الحوزة عشرات ألوف العلماء وتمركزت فيها المرجعية الشيعية الجعفرية.
الشهيد الأول: محمد بن مكي الجزيني
يعتبر محمد بن مكي الجزيني 720 أو 729 784ه/ 1320 أو 1328 1382م هو الشهيد الأول. ولد في جزين لوالد عالم، وكان جده ايضا عالما ثقة. توجه وهو في العقد الثالث من عمره الى الحله في العراق، وكانت حينها اهم مركز علمي للشيعة، وبذلك يكون من اوائل الذين ارسوا تقليد الرحلة العلمية في جبل عامل. في الحله حصل على اجازات من اشهر شيوخها. وهناك في بعض المصادر اشارات الى احتمال قيامه بنشاط سياسي من خلال علاقة ربطت بينه وبين كل من: ابن المؤيد الخراساني وعلي بن المؤيد العلوي الذي اصبح ملكا على خراسان، وكان هذا الاخير شيعيا اماميا.
انتقل الشهيد الاول الى بغداد عام 758ه/ 1356م وحصل على اجازة من علمائها، ثم توجه الى دمشق، القاهرة، مكة، المدينة وفلسطين وقرأ على اربعين شيخا من شيوخ السنة وعاد منها الى مسقط رأسه بعد ان اصبح “أفقه جميع فقهاء الآفاق”. قبل ولادته كان المماليك قد انهوا طرد الصليبيين من البلاد الشامية، وبعدها جردوا الحملات على الشيعة وكان اولاها عام 692ه/ 1292م وقد ارتكب الجيش المملوكي من الفظاعات ما ادانه السلطان المملوكي الناصر بن محمد بن قلاوون، فكتب اليه ابن تيميه الذي كان المحرض يبرر ويعتذر.. وكان قسم من شيعة كسروان قد لجأوا الى بعض المناطق الجنوبية ولا سيما جزين، التي باتت مركزا علميا شيعيا. ويقال ان اول من قصد الحله من ابنائها كان ابن جزين اسماعيل العودي.
مع عودة الشهيد الاول الى جزين اصبحت مقصد طلاب العلم، مما ادى الى نهضة فكرية ثقافية. ينسب الى الجزيني بعض الفتاوى التي تصب في ولاية الفقيه، وقد يكون حصل على الخطوط العامة لفتاواه هذه من بعض مشايخه. كان من المآخذ عليه وأدى الى محاكمته في دمشق والتي انتهت بإعدامه حكمه بلزوم دفع الاخماس الى الفقيه الجامع لشرائط الفتوى، ووصفه بأنه نائب الامام. ونشر وكلاءه في المنطقة الشيعية يحصلون على هذه الفرائض. وهكذا أقام نظاما ضرائبيا بموازاة النظام الرسمي، وكانت لديه ادارة محلية مستقلة عن الادارة المركزية.
كانت بداية محاكمته بعد محضر نظمه له القاضي تقي الدين الخيامي ورفعه الى قاضي صيدا. حبس اولا سنة كاملة. وخلال المحاكمة التي تبعت ذلك تهرب قضاة المذاهب من ادانته وهدر دمه مما استدعى استبدالهم.. وبعدها حكم القاضي المالكي بكفره وإراقة دمه، حتى وان تاب. لكنه جعل حكمه مقيدا بشرطين احدهما الا يكون مسبوقا بحكم باسلامه والثاني ان ينفذ بقية القضاة حكمه، مما يعني محاولة لتوزيع المسؤولية على قضاة المذاهب الباقية وهذا ما حدث. فأخرج الى تحت قلعة دمشق وضربت عنقه. وكانت التهم الموجهة له هي: الرفض، سب الصحابة، انحلال العقيدة، اعتقاد مذهب النصيرية واستحلال الخمر الصرف.