|
في العام 1982 اجتاحت اسرائيل لبنان لتتخلص من وجود منظمة التحرير الفلسطينية على حدودها الشمالية. وبعدما حققت هدفها وزهت بانتصارها واحتلالها العاصمة اللبنانية بيروت، سرعان ما وجدت نفسها في مستنقع المقاومة اللبنانية الوطنية والاسلامية والتي لم تحسب لها حسابا مسبقا ما أدى لأن يخسر رئيس وزراء اسرائيل الاسبق مناحيم بيغن مستقبله السياسي اولا ونفسه لاحقا. ولتجد اسرائيل نفسها مضطرة الى تنفيذ انسحابات متعددة توجت بعد ثمانية عشر عاما من الاستنزاف في حرب عصابات بانسحاب سريع وبصورة مهينة من دون اي مكاسب سياسية او أمنية.
وبعد اشهر قليلة من الانسحاب الاسرائيلي الذليل الذي فتح عيون الشعوب العربية على صورة جديدة غير مألوفة في الصراع العربي الاسرائيلي انفجرت الانتفاضة في فلسطين مجددا وسرعان ما تحولت الى مقاومة عسكرية شرسة وأشد ايلاما للعمق الاسرائيلي الذي فقد أمنه بالكامل.
وتبدو الصورة اليوم وكأن السيناريو نفسه يتكرر مع الولايات المتحدة الاميركية في العراق.
فقد اجتاحت اميركا العراق تحت عنوان التخلص من نظام صدام حسين وترسانته المزعومة من اسلحة الدمار الشامل. وبعدما حققت هدفها سريعا بإسقاط النظام وانتشى صقور البيت الابيض بالنصر المظفر، انطلقت اعمال المقاومة العراقية بسرعة وقوة اكبر مما كان متوقعا، بل انه لم يكن في حساب الاميركيين ان مقاومة عراقية ستتشكل ضدهم بعد الانتصار على طريقة المقاومة لاسلامية في لبنان ومقاومة حركات “فتح” و”حماس” و”الجهاد الاسلامي” في فلسطين.
وبدل ان ينشغل العالم بالسؤال الذي انشغل به بعد الاحتلال الاميركي لافغانستان: من هو الهدف التالي؟ تنشغل اميركا بنفسها لحماية قواتها من الغرق في مستنقع آخذ في التشكل سريعا في العراق. وينشغل حليفها الاول وشريكها بالاحتلال رئيس وزراء بريطانيا بمحاولة إنقاذ مستقبله السياسي ومستقبل حزب العمال في بريطانيا. وينشغل العالم بالوقوف متفرجا على ما جنته على نفسها ارادة التفرد والاستعلاء الاميركية وتجاهلها للمجتمع الدولي.
شظايا المقاومة العراقية
اذا كان انتصار المقاومة في لبنان قد أدى الى انفجار مقاومة مسلحة في فلسطين. واذا كان احتلال اميركا للعراق قد أدى الى محاصرة المقاومة في لبنان وفلسطين والحد من قدرة المناورة لديهما، فإلى ما سيؤدي الانطلاق القوي للمقاومة في العراق؟
لقد كان استنزاف اسرائيل في جنوب لبنان يتمثل بخسارتها ما بين 20 30 جنديا سنويا نتيجة عمليات المقاومة. اما في العراق فقد خسرت القوات الاميركية حوالى 25 جنديا خلال شهرين من اعلان انتهاء الحرب. اي ان المقاومة العراقية تمكنت بسبب انتشار القوات الاميركية في المدن وكثرة تعداد جنودها من ان تقتل في شهرين ما كانت المقاومة الاسلامية تقتله من الاسرائيليين في سنة. وهذا ما يشير الى حجم الورطة التي وقعت بها الولايات المتحدة الاميركية.
من الواضح ان شظايا المقاومة العراقية بدأت تصيب مقتلا من الاميركيين والبريطانيين ليس في بغداد وحولها فحسب وانما في واشنطن ولندن ايضا. ومن الواضح ان هذه الشظايا ستسهم، في حال تكثفها، في تخفيف حجم التضييق العربي والتربص الاميركي الذي تتعرض له قوى المقاومة في فلسطين ولبنان وتعطيها بالتالي القدرة على استعادة المبادرة التي فقدتها بعد الاحتلال الاميركي للعراق. وهناك احتمال ضئيل بأن يحدث العكس اي ان يزداد التضييق على قوى المقاومة في لبنان وفلسطين مع ازدياد ضربات المقاومة في العراق.
هدنة فلسطين
لقد مورست ضغوط كبيرة عربيا ودوليا على حركتي “حماس” و”الجهاد الاسلامي” وحركة “فتح” لاعلان الهدنة التي بدا أن لا مفر امام الفصائل من القبول بها في ظل هاجس التناحر الفلسطيني الداخلي وفي ظل رفع الغطاء العربي عن المقاومة في قمة شرم الشيخ الاميركية العربية. وفي ظل الحياد السلبي لسوريا وإيران اللتين أعلنتا احترامهما لخيار الشعب الفلسطيني مع انهما تعرفان ان خريطة الطريق خيار اميركي يفرض فرضا على الفلسطينيين.
إلا ان هذه الهدنة التي يضغط الاميركيون لتحويلها الى هدنة دائمة بالإلحاح على تفكيك البنية التحتية لفصائل المقاومة الفلسطينية وفرض تطبيق خريطة الطريق ليتسنى لهم التفرغ لمعالجة وضع العراق المتفاقم. هذه الهدنة لن تؤدي الى نهاية الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية. فقد سبق لحزب الله ان دخل في تفاهم مع قوات الاحتلال الاسرائيلي وبرعاية اميركية فرنسية بعد عدوان نيسان 1996 وانطلقت يومها الكثير من التحليلات والمواقف التي تؤكد نهاية المقاومة وتوقف عملياتها وسقوط سلاح الكاتيوشا من يدها، لكن الاحداث جاءت لتثبت العكس. وهذا ما يتوقع حدوثه في فلسطين، اذ ستثبت عدوانية شارون من ناحية والزخم المعنوي الذي ستولده في المنطقة عمليات المقاومة العراقية ضد الاحتلال الاميركي بأن زمن المقاومة لم ينته. وإنما هو على ابواب مرحلة جديدة بعدما انضم الشعب العراقي او قسم منه على الأقل الى لائحة الشعوب العربية المقاومة بعد فلسطين ولبنان. وان كان مرجحا لزخم المقاومة ان ينتقل جغرافيا من لبنان وفلسطين الى العراق.
لذا، يبدو الشارع العربي اليوم الذي أزعجه تقييد حركة حزب الله في محاولته دعم المقاومة في فلسطين وأزعجه اكثر تقييد حركة المقاومة في فلسطين وفرض الهدنة عليها، يبدو مسرورا بأخبار المقاومة العراقية المتصاعدة والمتسارعة، وهو ما قد يخفف من الشعور بالاحباط الذي ساد هذا الشارع بعد السقوط المفاجئ لبغداد.
ولئن كانت الولايات المتحدة الاميركية تمارس لمصلحة اسرائيل الضغوط والتهديدات ضد لبنان وسوريا وإيران والسلطة الفلسطينية ليقوموا بضبط قوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية والحد من حركتها. فمن سيتولى اليوم الضغط لمصلحة الولايات المتحدة الاميركية ومن هي الجهات التي يمكن الضغط عليها؟ في وقت تبدو مقاومة العراقيين من دون مرجعية واضحة يمكن التوجه اليها بالتهديد والوعيد. وربما كان هذا اكبر عناصر قوتها.
نقاط ضعف المقاومة العراقية
لكن المقاومة العراقية تعاني من نقاط ضعف كثيرة قد تشكل مقتلا لها او عاملا حاسما في محاصرتها ومنع استمرار تعاظمها. ومن ابرز نقاط الضعف:
- اقتصار المقاومة العراقية على الطائفة السنية التي لا تشكل اكثرية في العراق وتنحصر في وسطه. اذ ينشغل الاكراد بتثبيت دعائم حكمهم الذاتي الذي توسعت حدوده بعد الاحتلال. وأعلن الشيعة بمختلف تياراتهم المستقلة او المحسوبة على ايران رفضهم حاليا لخيار المقاومة المسلحة. وهو ما أشارت اليه تصريحات رئيس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق السيد محمد باقر الحكيم وتيار السيد مقتدى الصدر والمرجع الديني الاعلى في النجف آية الله السيستاني وكذلك حزب الدعوة. وما حصل من عمليات في الجنوب العراقي ضد البريطانيين لا يعدو كونه ردا غاضبا على استفزاز قوات الاحتلال والتعرض للنساء الذي لا يتحمله العراقيون بمختلف فئاتهم ويموتون دونه.
- عدم وضوح الافق الداخلي للوضع في العراق في ظل عدم وجود تفاهم عراقي على مستقبل العراق ما بعد الاحتلال والشكوك في قدرة العراقيين، طوائف وأحزابا وأعراقا على التفاهم دون رعاية ما.
- اتهام المقاومة العراقية بأنها من بقايا النظام العراقي وهو ما يجعل الكثير من العراقيين برفضونها اكثر من رفضهم للاحتلال الاميركي خصوصا بعدما كشفت المقابر الجماعية حجم المجازر التي ارتكبها النظام ضد العراقيين. بل ان شبهة انتماء المقاومة العراقية لبقايا النظام ستجعل عددا كبيرا من ابناء الشعب العراقي مستعدين لقتالها خشية ان تقوى شوكتها ويعود شبح صدام حسين الذي ما زال كثير من العراقيين لا يصدقون انهم تخلصوا منه.