|
من بداءة المسلّمات في التحري عن مسألة قراع المسيحية والصهيونية، القول بأن المسيحية هي دين النزوع الى المطلق، فيما الصهيونية تظل إيديولوجيا التمكث في أروقة النسبيات الآفلة. ومن ضرورات التمييز بين دين النزوع وإيديولوجيا التمكث الإلحاح على أن المسيحية، وشأنها في ذلك شأن سائر ضروب الأنظومات الدينية والمذاهب الفلسفية السامية المرتقى، يصح فيها الفصل بين صفاء الجوهر وممارسة التاريخ، أي بين بلورية المضامين الرفيعة التي تنطوي عليها في صلب دعوتها وقتام المسلك الذي تلجئها اليه ضرورات المسايرة التاريخية ومساومات الازمنة، فيما الصهيونية لا يصح فيها هذا الفصل النبيه لأن الفساد لصيق بجوهرها، وما التاريخ لها سوى انبساط لما يحتشد في هذا الجوهر من عناصر الحطّ والانحطاط والهدم والانهدام والحل والانحلال.
غرضي في هذه العجالة الالماع الى مواضع النقض الستة التي تجبه بها المسيحية أطروحات الصهيونية الثلاث في بناء هوية المملكة الصهيونية، عنيت بها أطروحات الارض والعرق والدين، وأطروحاتها الثلاث في استجلاء مقام هذه المملكة وتعيين موقعها ومهمتها في محفل الامم الاخرى، وهي الامم التي، بخلاف الاستيطان الصهيوني، تود ان تسكن الارض سكنى السعي الى الألفة والوئام والتواصي بالحق والخير والصلاح والجمال، وعنيت بها أطروحات الاصطفاء والاستعلاء والاكتمال الذاتي. ومما لا ريب فيه ان المسيحية، إذ تدرك أنها تنقض في الصهيونية هذه المواضع الستة في التأصيل الذاتي الفاسد، لا تني تعي ان إبطالها هذا هو في المقام الاول إبطال الجوهر المسيحي للانحراف الصهيوني قبل ان يكون إبطال المسعى التاريخي المسيحي الثابت لتجليات الصهيونية وإفرازاتها. ومعنى هذا التمييز الخطير ان المسيحية قد سبقت فتجلّت في جوهر دعوتها شهادة النقض الأبلغ لمثل هذا الخبث الصهيوني المستفحل.
في موضع النقض الاول، تُبطل المسيحية استئثار الصهيونية بمقولة الارض الطاهرة التي لا يسكنها سوى أهل الموعد والميثاق. فالمسيحية، وهي دين الحج الدائم والترحال المستمر، تستكره التبلد في الارض، عامرة كانت او خلاء. فالارض في عرف المسيحية هي أرحب من مقتطعات المساحين، إذ إنها موطن الفعل الإلهي الذي يصيب بنعمته كل عناصر الكون، وحسب المسيحيين ان الخواء يصبح أرض حين يستوطن الله فؤاد الانسان. وبما ان اليقين المسيحي الأصلب يملي على المسيحية أن تتحسس المقدسات في ود اللقاء الانساني الذي تعمره بركة الحضور الالهيّ، فإن الارض المقدسة تغدو في مدلولها الخلاصيّ المسيحيّ لا تطيق الانخراط في مواقع الارض البائدة. ومع ان ارض فلسطين وارض لبنان ابتهجتا بمعاينة كلمة الله ينثر فيهما جواهر الحق، فأني ما زلت متيقناً من ان منطق الملكوت في بشرى الانجيل ينزع القداسة عن زائلات التراب فيصطفي الانسان هيكل التجلي الإلهي.
وفي موضع النقض الثاني تُبطل المسيحية في الصهيونية مقولة الصفاء العرقيّ. فالمسيحية تعاين الكيان الانساني مفطوراً على العلاقة، أي على الترابط والتلاقي والتواصل والتشارك، فيما الصهيونية، إذ تنادي بالعرقية، تحبس الكيان الانساني، الفردي والجماعيّ، في دائرة العزلة والانطواء الذاتي. وليس من قبيل الصدف ان تتحسس المسيحية الألوهة في صورة الحراك العلائقيّ الداخلي والخارجي. ولذلك تعتقد المسيحية ان اللاهوت الثالوثيّ هو من أقدر الحقائق الدينية إبطالا للعرقية الصهيونية ولسواها من العرقيات لأنه يختبر في الله حيوية الذات الأقنومية وحيوية التدبير الخلاصيّ في الخروج الى الانسان. وليس من سبيل لاهوتي مسيحي الى اختبار الجوهر الالهيّ في غير صورة الحراك الاقنوميّ بين ما يدعوه المسيحيون اصطلاحاً الآب والابن والروح، وفي غير صورة الحراك الخلاصيّ في خروج هذه الحيوية الثالوثية الى التاريخ إكمالا لإنسانية الانسان في توقها الى عناق الحب الالهيّ. والمقصود في هذا كله ان الشركة الثالوثية تأصيل بين للشركة الانسانية التي تبطل مقولة الانطواء العرقي وتنشب طاقة الوصال في صميم الجوهر الانساني. وقد أغالي بعض المغالاة ان أردفت ان المسيحية يعوزها عوز الحتمية القاهرة ان ينكشف الله في وعي الانسان حركة خروج من الذات الى الآخر ومنفسح تفاعل بين الذات والآخر وحقل تبادل بين الذات والآخر. وحده هذا الحراك الإلهي الذاتي يجنب الانسان مخاطر التجمد في محبسة الواحدية الفردية والجماعية.
واما في موضع النقض الثالث، فإن المسيحية تلغي في الصهيونية اسئثارها بمقولة الدين مستنداً لتمجيد الهوية الذاتية، أي هوية المملكة الصهيونية. فاللاهوت المسيحي، في أمانته المتجددة لثورة المسيح، يستكره ان يختلط الدين المسيحي بمطامح السياسة فينقلب مدعاة لإثبات الذات. وإن لمن أشد المحن التي ابتليت بها الكنيسة المسيحية استجداء السياسة لأيد اللاهوتيات ونصرة الروحيات في تبرير الكثير من ممارسات التسلط التاريخية التي انحرف بها الكثير من المسيحيين عن صراط الاستقامة الانجيلية. ولا غرابة، من ثم، أن يملي الائتمام بسيرة السيد المسيح على الكيان المسيحي وعلى الفكر المسيحي وعلى المسلك المسيحي استخراج عنصر التجاوز الدائم واستلهامه عنصر الأساس في تصور جوهر الدين المسيحي. ومما لا ريب فيه ان عنصر التجاوز الدائم هذا يحمله اللاهوت المسيحي على معنى نضال الانعتاق من كل ما يربط التوق الدينيّ المسيحيّ بمطمح التثبت في الذات المسيحية. فالدين في المسيحية خروج وتجاوز ونكران، فيما الدين في الصهيونية ولوج الى الذات الجماعية وتعظيم لها واستغراق فيها.
هذا في ضروب النقض الثلاثة التي تبطل مزاعم الصهيونية في بناء هوية مملكتها الذاتية. وأما ضروب النقض الثلاثة الاخرى، فإنها تصيب الصهيونية في ترسم دعوتها والاستحصال على مقام لها في محفل الامم وميادين تلاقيها وتفاعلها. وفي سياق النقض الاول للصهيونية الساعية الى تبرير المطامح التي تنسبها هي الى طبيعة دعوتها الكونية، تبطل المسيحية في الصهيونية مقولة الاصطفاء وقد اختلطت فيها ابعاد شتى من ادعاء الاختيار الالهي واستمالة تواطؤ القدر واستنطاق مشيئة التاريخ. والحال ان المسيحية، في اقتدائها المبدع بنهج معلمها، أتت تصون الانسان من تجربة السقوط العظمى التي تدفع به الى تأويل الكشف الالهي تأويل الاستنزال القاهر لتدبير من الاختيار الالهي يضع بعض الناس في مقام الخطوة الأسمى. من بعد ما جاء السيد المسيح بطل الاصطفاء الالهي وفسدت وكالات الخلاص الحصرية وعقمت وساطات الاسترضاد الاقصائي، فغدا الانسان، لا الجماعة او الشريعة او الارث، هو موطن التجلي الالهي، هو مرتع الرفق الالهي، هو مستقبل الملكوت الآتي. من بعد ما جاء السيد المسيح سقطت كل الوان الاختيار الالهي لأن الله قد اختار في المسيح ان يحيا الانسان ابناً لله في كل حدب وصوب، وفي كل وضع وحال، وفي كل اعتناق وانتماء. هو الانسان أصبح مهوى الفؤاد الإلهي. وكل ما يناصر الانسان على اكتمال انسانيته يضحى موضوع الإيثار الالهيّ. في مقولة الاصطفاء اليهودي نزوع صهيوني الى التقوقع والانغلاق والتناسل النرجسي. وأما في تضاعيف الحقيقة المسيحية فإطلالة وانفتاح، واستعطاء واستدفاق، واستخصاب واتحاد، وامتزاج وانصهار.
واما النقض الثاني الذي تتوسل به المسيحية في مناهضتها للادعاء الصهيوني، فهو النقض الذي يبطل في الصهيونية نزوعها الى الاستعلاء والاستكبار والهيمنة. فالمسيحية ما فتئت تتعلم من السيد المسيح ان المساواة أصل الوجود، والحرية نعمة الحياة، والرفق ينبوع العيش. ومع ان التاريخ أرخى بظلاله القاتمة على شهادة الكنيسة والمسيحيين، فإن جوهر الحقيقة المسيحية يتجلى كله في هذا الثالوث اللطيف الذي أنشبه السيد المسيح فعل المثال المطلق في تضاعيف التاريخ البشري. ومما لا شك فيه ان مثل هذا الجوهر هو الخليق بإبطال ما يستوطن المشروع الصهيوني من مطامح القهر والاكراه والاقصاء والهيمنة. فالمسيحية كلها حركة إقبال الى الآخر على اختلافه، لأن روح المسيح هو الذي يجعل من غيرية الآخر سبيلا جديداً لمجيء الملكوت. وكلما استنهض هذا الروح المسيحية، أدرك المسيحيون ان الآخرين يرعاهم الله في حضن تدبيره المحب، سواء أأقبلوا جهاراً الى المسيح ام لم يقبلوا.
ولذلك يقوم الآخر في الوعي المسيحيّ في منزلة الكنز الأثمن، فيما ينقلب في المشروع الصهيوني اما عدواً ينبغي استئصاله، وإما منافسا يجب إلغاؤه، وإما خاضعا لزم الابقاء على خضوعه.
وفي النقض الثالث والأخير تبطل المسيحية في الصهيونية مبرر سعيها الى إكمال ذاتها في مبلغ قوامها التاريخيّ. فالمسيحية، على عظمة الدعوة التي انتدبت اليها، تظل توقن أنها مسيحية العبور والاجتياز والزوال، وأن كمالها في غير ذاتها، وغايتها في غير بناها، ومآلها في غير مؤسساتها. لا تروم المسيحية على الاطلاق ان تختزل فيها وفي انجازاتها غاية المسعى الانساني الأرحب ومسير التاريخ البشري الأشمل. المسيحية دين التمهيد، لا دين الاختتام، هي دين النضال، لا دين الظفر. وعلى قدر ما تخلي السبيل لروح الله ينغل في مطاوي الخليقة، يأتي الملكوت منها الى الانسان. وعلى حسب منطوق اللاهوت المسيحي الأقوم، لا يصح هذا التجرد الروحي في آخر الأزمنة وحسب، بل يشمل أيضا شهادة الكنيسة في معترك الزمن الراهن. ورأس الكلام في هذا كله ان المسيحية الحقة هي التي تشهد لسواها، وتعمل لسواها، وتبني لسواها. وكلما استوى الانسان قطب الاساس في شهادتها وعملها وبنائها، اشتدت أمانتها لروح المسيح الذي يدعو المسيحيين شهود المحبة خفراء الملكوت. وبخلاف هذا التجرد تسعى الصهيونية الى الفوز بأوسع قسط من الانجاز الذاتي المنظور في هياكل الاقتدار السياسي وبنى الغلبة الاقتصادية ومنتديات الهيمنة الفكرية ومحافل القيادة الكونية، وأقصى مراميها ان تسخر الكون كله لتثبيت ذاتيتها الجماعية المبتلية بأمراض الاصطفاء والاستعلاء والاستكبار. فلا تلبث المسيحية، في أداء شهادتها الحقة، ان تنسف الصهيونية فتدكها من أصلها دك الإفراغ النظريّ والابطال المبدئي.
ما برح أهل الصفاء يستقبحون انحراف الصهيونية ويستثقلون وطأة نيرها على عاتق الانسانية ويتكرهون كأسها المرة تغرفها من مستنقعات الشر الآسنة وتدور بها على الجماعات والحكومات فتخدر منهم الأعصاب وتسلخ من صميم قناعاتهم كل عزم على التقويم. صحيح ان الزمن، وهو مقبرة كل متجبر، لا يدوم على حال، غير ان خبث الشر الصهيوني أوشك ان يصارع الدهر ليسلبه طاقة الاجهاز عليه. فاذا كنت مسيحية الصفاء في الجوهر على هذا الاقتدار العظيم من النقض والابطال والنسف للصهيونية، فهل تقوى مسيحية الفعل التاريخي على مناهضة أعظم الشرور السياسية في مطل الألف الثالث؟