الشيعة في عين الإعصار الأميركي للمنطقة العربية والإسلامية (11)
الجامعة والمدارس “الشيعية” ومسيرة التطور التربوي الخاص

زهير هواري

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 14 تموز «يوليو» 2003

     بدأنا مع "سلاح حزب الله وجبهة الجنوب (1)" وعرّجنا على "مضاعفات خارطة الطريق في فلسطين (2)"، ثم "حديث مع المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله (3)". وتلته حلقتان عن الوضع الداخلي في العراق (4) و (5)، ثم "الموقع الإقليمي لإيران ودول الخليج العربي (6)" وعدنا إلى لبنان من مدخل البحث الداخلي عن "موقع الطائفة وثنائية كل من أمل وحزب الله (7)". وتناولنا الآلية التي تطوّر بمقتضاها "دور الطائفة في الكيان (8)". تطرقنا إلى "جذور العلاقة العاملية بالنجف وحصاد قوافل العلماء (9)"وعرجنا على "العلم الشرعي الجعفري بين النجف وقم والحوزات المحلية (10)". وفي هذه الحلقة نتطرق الى مسار التعليم “الشيعي” الخاص بين المدرسة الاهلية والرسمية ونمو المؤسسة
 


     
جمعية المبرات - مدرسة الإشراق بنت جبيل عيناتا
مدارس "المبرات" - مدرسة الإشراق (بنت جبيل-عيناتا)

     أسئلة كثيرة تتدافع لدى محاولة الحديث عن الوضع التعليمي للطائفة الشيعية. الأسئلة المتعددة، مصدرها أن الإحصاءات المتوفرة لا تقدم الكثير من الزاد. إذ لا يوجد ولو إحصاء واحد يتناول طائفة بعينها، لا على صعيد مراحل الروضة، الأساسي، ولا المتوسط والثانوي، ولا الجامعي. يستوي في ذلك التعليم الرسمي والخاص غير المجاني والمجاني. هذا جانب من المأزق. جوانب أخرى تتعلق بالتداخل الطائفي في عموم المحافظات اللبنانية، رغم وجود أكثرية طائفية في محافظة ما. هذه الأرجحية تؤخذ بالجملة ولا تستند إلى إحصائيات دقيقة. لكن لا يمكن الركون إليها كثيرا، كونها لا يمكن أن تعبر لدى الدخول في مجال التعليم، خصوصا ان ما يحدد المدرسة هو رغبة الأهل. صحيح أن هناك تناميا في المدرسة الخاصة التي تتوجه الى الطائفة، ولكن ماذا عن المدارس والجامعات “العلمانية” التي يقصدها من يشاء من الطلاب بناء على القدرة على الإيفاء بالمطلوب بالنسبة للبدل “العادل” والمستوى العلمي، خصوصا بالنسبة للغات الأجنبية. ثم إن هناك كتلة شيعية في بيروت يدرس أبناؤها في مدارس تتعدى الضاحية، وتبلغ الحازمية والحدث والطريق الجديدة ورمل الظريف وكليمنصو، ناهيك بالأشرفية وعين الرمانة.. عدا الجامعات. 

إذاً، من الاستحالة ضبط الوضع على الصعيدين المدرسي والجامعي.. من هنا صعوبة الوصول الى تحديدات دقيقة مدعمة إحصائيا، بناء على دراسات موثوقة وموثقة. لكن يمكن قول كلام إجمالي مفاده أنه منذ حوالى الثلاثة عقود شهدت الطائفة الشيعية نموا في كفاءاتها العلمية، مما يستحيل معه المقارنة بين ما كانت عليه وما صارت إليه. الألوف من حملة الشهادات العليا، ليس الألوف بل عشرات الألوف أيضا. أساتذة جامعيون في مختلف الاختصاصات بالألوف أيضا. مهندسون، أطباء، محامون، موظفو فئات أولى وثانية وثالثة و.. الحصيلة أن هناك “جيشا” من المؤهلين في مختلف المجالات. 

ومثل هذا الأمر ليس ابن ساعته بل له مقدمات تعود الى مرحلة الستينيات عندما شهد لبنان الطفرة الشهابية في التعليم الرسمي، إذ خلالها تم إيصال المدرسة الحكومية الى أقاصي الهرمل والقرى الحدودية في الجنوب مثلها تماما مثل عكار وراشيا الوادي و... هذا جانب بسيط أولي، لكنه ما كان له أن يتكامل ويبلغ أكله لولا أمران تضافرا معا هما: 

معادلة الشهادة الثانوية العامة المصرية والموحدة السورية مع شهادة البكالوريا اللبنانية القسم الثاني. إذ المعروف أن طلاب المدارس الرسمية عموما والأطراف خصوصا يعانون من ضعف في مستوى اللغات الأجنبية، والمقصود هنا الفرنسية والانكليزية، والأولى أكثر كونها اكثر انتشارا في التعليم الحكومي. كانت شهادة البكالوريا القسم الثاني بمثابة “غربال” حقيقي للطلاب، وحاجز أمام دخول الجامعة، سواء كانت رسمية أو خاصة. عندما فتح مجال “المعادلة” قفز الألوف من الطلاب فوق هذا الحاجز وتقدموا الى الامتحانات في سوريا ومصر وحصلوا على شهادتيهما مما فتح أمامهم آفاق الجامعات. هذا كان الأمر الأول. 

أما الأمر الثاني والذي لم يقل أهمية عن سابقه فتمثل في المنح التي قدمتها الدول الاشتراكية للتنظيمات السياسية في غضون سنوات الحرب الأهلية. وهكذا تمكن العديد من القوى اليسارية من إيفاد مئات إن لم نقل الألوف من الشبان الأكثر حاجة، ومن ضمنهم أو بمعظمهم من أبناء الطائفة الشيعية، الى جامعات “شرقية” لدراسة الطب والهندسة وطب الأسنان والإنسانيات والاقتصاد و... وهكذا كسر “احتكار” الكثير من التخصصات التي كانت محصورة بأبناء البورجوازية الأكثر تماسا مع الدول الفرنكوفونية والانغلوفونية. لا بد من أن نعطف هذا كله على ما ضخته الجامعة اللبنانية خلال العقود الماضية وكذلك الجامعات المحلية الخاصة قبل “عصور التفريخ” الأخيرة. هنا لا نناقش في المستوى، لأن المستويات متباينة بين خريجي الجامعة الواحدة مهما كان حرصها على المستوى المتقارب لخريجيها. هذا ما يؤكده د. منذر جابر. 

كل هذه عوامل تداخلت، وتفاعلت وأدت الى نتائج عميقة في بنية هذه الطائفة التي كانت أكثر تهميشا. أهمية التعليم هنا أنه طريق نحو الارتقاء الاجتماعي، يضاف الى طرق أخرى من أنواع الهجرة، العمل في التجارة، تدفق المال السياسي. ليس المقصود من هذه الإشارة أكثر من التنبيه، بينما المجال مخصص لموضوع التعليم وما أصبح عليه الآن لدى هذه الطائفة التي كانت تصنف في أسفل سلم الهرم على هذا الصعيد. 
 

ازدهار وضمور 

     منذ العام 1986 أخذت وتيرة تأسيس المدارس الخاصة تنتشر في كل من الجنوب والبقاع الشمالي (بعلبك الهرمل) والغربي. قبلها كانت مؤسسات تربوية قد انطلقت في الضاحية الجنوبية من بيروت والمدن الأساسية جنوبا خصوصا، وبدرجة أقل في البقاع. ثم ما لبثت الفروع أن انتشرت حتى بلغت مناطق كانت مصنفة حتى الأمس القريب خطوط تماس مع العدو الإسرائيلي قبل هزيمته وانسحابه من الجنوب في أيار العام 2000. 

هذا المؤشر يترافق مع تراجع في التعليم الرسمي، ليس لجهة عدد المدارس، بل على صعيد نسب الطلاب، علما بأن هناك صعوبة إن لم نقل استحالة في رصد عدد الطلاب وتوزيعهم تبعا للطوائف، إذ ان محافظة مثل الجنوب تضم في ما تضمه صيدا وجزين ومرجعيون وحاصبيا، بينما البقاع يشمل زحلة، ناهيك بالعديد من البلدات الكبرى. حتى في حال اعتماد الأقضية من الصعب الوصول الى نتائج حاسمة ومقنعة، علما بأن نسبة طلاب الجنوب 10,87% والنبطية 6,26% والبقاع 14,27% أي ما مجموعه الإجمالي 31,41% من تعداد طلاب لبنان. ومن المعلوم أن مراكز الثقل الفعلية لتعداد الطلاب يتركز في كل من محافظات جبل لبنان بما فيها الضواحي، الشمال وبيروت. لكن رغم ضبابية هذه النسب، يمكن بسهولة اكتشاف ارتفاع وتيرة أعداد طلاب كل من مؤسسات المبرات، أمل، مدارس المهدي والمصطفى و... في مناطق الضاحية والجنوب والبقاع. وهو ارتفاع لا يمكن مقارنته بما كانت عليه نسب طلاب العاملية ومؤسسات الإمام الصدر في كل من بيروت وصور خلال الستينيات. إذاً، هناك تحول نحو المدرسة الخاصة ذات التأسيس السياسي الطائفي، وهو أمر له دلالته على موقع كل من التعليمين الرسمي والخاص في المناطق المقصودة بالدرس. 

لكن لا بد من لحظ أن هناك مساراً معقداً للوصول إلى هذا الاستخلاص. إذ المعروف عن الجنوب أنه يمتلك تراثاً ثقافياً منذ القرن الثالث عشر الميلادي، بل قبله. ولعل مدارس جزين وميس الجبل والنبطية وبنت جبيل وشقرا والكوثرية و.. معروفة منذ القرن السابع الهجري وحتى القرن الثالث عشر، هذا إضافة الى التوجه نحو النجف والحلة في العراق لمتابعة الدراسة. أما المدرسة الحديثة فقد نشأت أواخر العهد العثماني، ولعل مدرسة النبطية بإدارة رضا الصلح والد رياض الصلح أشهر من أن يُتنكر لدورها. وهذه المدرسة أدارها لاحقاً المرحوم عبد اللطيف فياض بدءاً من العام 1925 وتعرف الآن بأم المدارس. صيدا كانت سابقة، وكذلك صور ومرجعيون.. وفي العهد الاستقلالي تكاثرت المدارس، وحصلت أغلبية القرى على مدارس ابتدائية، بينما انحصرت المدارس المتوسطة في مراكز الأقضية والبلدات. في تلك المرحلة، كما يذكر المفتش التربوي الأول السابق د. محمد كاظم مكي، كانت دُور المعلمين والمعلمات قد بدأت تخريج المعلمين، وتوسيع دورها فتعدت العاصمة إلى طرابلس وصيدا وزحلة والنبطية فاستفاد الجنوب وبعلبك من خريجيها. أما الثانويات الرسمية فلم تفتتح إلا منذ الستينيات، وكانت أولاها ثانوية صيدا الرسمية للبنين التي حملت اسم مديرها مصطفى الزعتري، ثم ما لبثت الثانويات والمتوسطات أن توسعت وبلغت ذروتها في العام 1975. 

ليس بعد الذروة سوى الانحدار، وهذا ما ترافق مع الحرب الأهلية، إذ إن المدرسة الرسمية فقدت في غضون سنوات الحرب عوامل دورها، سواء على صعيد الإدارة المركزية أو المحلية، ومع غياب الضبط والربط والانتظام أخذت تتحلل تباعا على امتداد عقد ونصف العقد، عندما عادت لتستأنف نشاطها مع مطلع التسعينيات، بعدما استعادت الدولة مركزيتها، إلا أن هذا ترافق مع أمرين كان لا بد من لحظهما. هذان الأمران هما التوسع في التعليم الخاص المؤسساتي الخاص وبعضه يمتلك جذراً سياسياً طائفياً كما أشرنا قبلاً، وثانياً استمرار مفاعيل نتائج العقد ونصف العقد واضحة على بنية التعليم الرسمي، مما أدى إلى ثباته على موقعه الدوني، بالقياس إلى التعليم الخاص الذي يبدأ من صيدا مع مؤسسة الحريري، ولا بد من أن نذكر أنه شمل الجنوب بأسره، إضافة إلى قرى جنوب البقاع الغربي الشيعية وصولاً إلى بعلبك الهرمل. 
 

أعطاب ومراحل 

     إذاً، انقلبت النادرة التي يذكرها أهل الجنوب عندما قصدوا أحد الزعماء ليطلبوا إليه العمل على تخصيصهم بمدرسة، فرد عليهم بأن لا داعي لذلك، لأن ابنه في المدرسة.. هذه النادرة انقلبت رأساً على عقب، لكن الانتشار الشيعي كما هو معلوم لا يتحدد بالجنوب وإن كان هناك معقله الرئيسي. إذ ان منطقة بعلبك الهرمل شهدت المسار نفسه الذي شهده الجنوب، من دون العمق التاريخي لجهة مدارس العهد العثماني. يمكن استثناء بعلبك، ومنها كمدينة كانت الخطوة الثانية نحو الهرمل فقط، وشيئاً فشيئاً ازداد حضور المدرسة الرسمية إلى الحد الذي ندر فيه وجود قرية من دون مدرسة حتى ولو كانت في أقاصي الجرود. ومثل ذلك عرفه البقاع الغربي بدءاً من مشغرة مروراً بسحمر و.. 

الدكتور محمد كاظم مكي
د. محمد كاظم مكي

هذا الانتشار لم يعن أن تكافؤ الفرص أو ديموقراطية التعليم قد تكرست. كانت المدرسة الرسمية تعاني من أعطاب جوهرية، لافتقادها الجهاز البشري “المحلي” المؤهل، لا سيما في المواد الأجنبية والعلمية. لكن هذا العطب كان بالإمكان علاجه في فترة ما قبل الحرب. إذ قامت الدولة بتزويدها بالمعلمين الكفوئين من المدن القريبة والبعيدة على حد سواء، كذلك قدمت لها التجهيزات وأحياناً استأجرت المباني، علماً بأن الكثير من المدارس الريفية كانت عبارة عن غرف متناثرة. يقول د. مكي إن أكثر المعلمين الذين كانوا يعملون في مناطق الجنوب وبعلبك الهرمل هم من خريجي دور المعلمين في زحلة وطرابلس وبيروت وصيدا. وكانوا بالمئات، وقد ساهموا مساهمة جدية في إطلاق هذه المدارس وقيامها بدورها، لكن عندما بدأت الحرب الأهلية اللبنانية عام 75 76 غادر هؤلاء مدارس القرى وحتى المدن وعادوا إلى مقار نشوئهم. هذا الفرز أدى إلى ضغط على المدرسة الرسمية التي تزايدت الحاجة إليها في ظل فقدان المقومات الاقتصادية الاجتماعية للكثير من الأسر. في مثل هذا المناخ ظلت المدرسة الرسمية قائمة على عدد محدود من أبناء المنطقة. وفي أعقاب تلك المرحلة بدأت عملية التعاقد مع المعلمين، ومعظمهم من غير المؤهلين تربوياً لمهمة التدريس. ومنذ ذلك التاريخ، أي منذ العام 77 1978 جرى تثبيت ثلاثة أفواج يتراوح عدد الفوج الواحد منهم ما بين أربعة وخمسة آلاف معلم، يؤكد ذلك مكي. أي أن هناك ما يتراوح بين 12 ألفاً و15 ألفاً تم تثبيتهم. كل هذا ولم نتحدث بعد عن الدفعة الأخيرة المعلقة المصير برغم صدور قانونين بشأنها. 

المدرسة الثانوية كانت أشفى حالاً من زميلتها الابتدائية. وهي كانت في المقدمة ومنافسة حقيقية للثانوية الخاصة. ولما كانت الثانويات الخاصة نادرة في عمق هذه المناطق (جنوباً وبقاعاً) وتحت وطأة وضع الحرب، فقد احتلت موقعها الأول من دون منازع، بما في ذلك في مواد اللغات والعلوم. إذ لم تعان هذه من قصور أساتذتها في هذه المواد نظراً للتأهيل الذي حصلوا عليه في كلية التربية. لكن هذه المدرسة التي اعتمدت أجيالاً من الأساتذة الكفوئين، سرعان ما أخذت تفقدهم، إما بداعي التقاعد أو بفعل الهجرة من البلاد أو الانتقال إلى المدرسة الخاصة التي قدمت إغراءات. 
 

الجامعات والأشلاء 

     صعوداً نحو التعليم الجامعي، تبدو الصورة أكثر اختلاطاً لجهة المؤسسة الجامعية الخاصة بالطائفة. الجامعة الإسلامية (في خلدة) في بيروت التي أنشأها نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، باعتبارها في صميم قانون إنشاء المجلس الشيعي الأعلى، لم تطرح نفسها على أنها جامعة الطائفة، وإن كانت ذات أرجحية طائفية. وقد عمدت إلى إدخال تخصصات مزدوجة العديد منها جديدة ومنها تقليدية.. لكنها ونظراً لتدفق ألوف الطلاب لم تستطع استيعاب أبناء الطائفة بطبيعة الحال. 

كان قد ترافق ذلك مع الهيمنة على الجامعة اللبنانية. وهي هيمنة بدأت في عصر “الانحطاط الميليشياوي” وحصل العشرات إن لم نقل المئات من عناصرها على شهادات شرعية “ولكن مزورة” من بعض الكليات. هنا حدث ما لم يكن في الحسبان على صعيد تأثيرات الهيمنة السياسية الأمنية. إذ خلافاً للمرحلة التي كان يحصل خلالها المتفوقون من طلاب اللبنانية على منح لإنجاز دراساتهم العليا والدكتوراه في الجامعات الفرنسية والبريطانية وغيرها، ممن كانوا يعودون أساتذة الى الكليات التي انطلقوا منها، بلغت الهيمنة السياسية والمحاصصة الطائفية ذروتها بإدخال أساتذة لا تاريخ أكاديميا لهم، مما أدى الى تفاعلات بالغة الخطورة على مستوى طلاب الجامعة، خصوصاً وقد ترافق ذلك مع “صفاء” في أوضاع الفروع بين الأولى والثانية، وتحكم بالقرارات الأكاديمية وتعيين المديرين والعمداء وترشيح الأساتذة وقبولهم بالتفرغ أو حتى في التعاقد. كل هذا قاد الى جعل الكليات عبارة عن “ملحقات” و”غيتوات” مفرزة لهذه الطائفة أو تلك. وبذلك فإن ما أكد عليه اتفاق الطائف لجهة تعزيز التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية تحول الى أكبر انتهاك عرفه التاريخ الأكاديمي لأعراف مؤسسات التعليم العالي الرسمي. 

ما سرى على الجامعة اللبنانية التي اعتبرت مجرد إدارة رسمية تشابه أي إدارة أخرى لم يسر على سواها من الجامعات الخاصة بطبيعة الحال. وهنا برزت عملية تمايز، كانت قائمة ولكنها باتت أشد وضوحاً في سنوات الحرب. بالطبع خلال المرحلة الأولى دخلت الى الجامعات الخاصة كتل طالبية، حافظت على تماسكها خلال سنوات الدراسة، لكنها لم تستطع يوما التأثير على القرار الأكاديمي، إذ ظلت خاضعة لأحكامه، خلاف ما حدث في الجامعة اللبنانية عندما أمكن السيطرة على القرار الاكاديمي من فوق ومن تحت. الآن عادت الأمور الى معادلاتها الطبيعية، في أن أبناء النخب الشيعية مثلهم مثل سواهم من أبناء النخب من سائر الطوائف يقصدون كلا من الجامعات الأميركية واللبنانية الأميركية واليسوعية والعربية. ومن لا ينتسب الى هذه الشريحة يتجه نحو كليات ومعاهد الجامعة اللبنانية، أما من يمثلون بقايا الشريحة الوسطى فلهم الاختيار بين الجامعة الإسلامية والجامعات الخاصة المنشأة بعد العام 1996 والتي تستوعب ما لا يزيد عن عشرة في المئة من طلاب التعليم العالي. 

لا يختصر هذا كله التعليم العالي لدى الطائفة الشيعية أو سواها، إذ هناك المئات من الطلاب يتجهون نحو الحصول على دراسات عليا في جامعات ومعاهد أجنبية تبعا لقدرات الأهل، خصوصا أولئك الذين يملكون جذوراً في عالم الاغتراب. إذ بديهي أن يحصل هؤلاء على تعليم عال في دول الإقامة أو الدول الغربية. وبالتالي فإن مقاربة طلاب التعليم العالي، لا بد من أن تأخذ ذلك بنظر الاعتبار. 

الحصيلة التي يمكن الخروج بها على صعيد مؤسسات التعليم العالي، أن الطائفة الشيعية لم تستطع أن تنشئ سوى جامعة واحدة تحتاج الى الكثير من العناية لمتابعة مسارها بعد رحيل مؤسسها، خلاف ما كان عليه الوضع في التعليم ما قبل الجامعي. أما ازاء الجامعة اللبنانية فقد مارست القوى السياسية النافذة في هذه الطائفة ما استطاعته، مثلها مثل سواها، بل أكثر من كل الآخرين، دورها السلبي كاملاً مما جعل من هذه المؤسسة الكبرى مجرد اشلاء ممزقة. حدث ذلك من خلال تغليب الولاء السياسي على المقاييس والمعايير الأكاديمية. 
 

تضخم ونزف 

     لا تقل المباني التي انجزها مجلس الجنوب عن مثيلاتها لدى الجمعيات الخيرية والاجتماعية، لكن المسألة هنا لا تتحدد بوضعية المباني التي شيدت في محافظة الجنوب أو البقاع الغربي الاجزاء الملحقة بعمل المجلس هنا لا نناقش في الكلفة والجدوى والحاجات. فقط نؤشر الى واقعة معروفة. الهوة التي تفصل التعليم الرسمي عن التعليم الخاص في الجنوب أو سواه واسعة ولا تردم بواسطة توفر البناء اللائق. انطلقت المدرسة الخاصة في المرحلة التي كانت فيها الرسمية عاجزة عن علاج مشكلاتها البنيوية التي افرزتها سنوات الحرب، وعملت على الانطلاق من مرحلة الحضانة، فاستقطبت تلاميذ كثيرين. المسار في المدرسة الرسمية جنوباً كان معاكسا تماماً. البناء الملائم جاهز، لكن الاقبال ظل محدوداً. هنا لا بد من البحث عن السبب الجوهري. هل هو الاندفاع نحو مدرسة الطائفة بصرف النظر عما تقدمه... ام هو وضع المدرسة الرسمية بما آلت اليه؟ 

يعتبر المفتش التربوي السابق د. مكي ان المشكلة لا تتحدد بالبناء، ولا بالتجهيرات المدرسية من طاولات وكراسي ومختبرات وكومبيوترات، بل بالجهاز التعليمي الذي بات يعتمد في الجزء الأساسي منه على المتعاقدين. خلاف الوضع الذي كان عليه قبل الحرب والذي كانت تتولاه كلية التربية للمرحلة الثانوية ودور المعلمين للمرحلتين الوسطى والابتدائية. يرى مكي ان مجلس النواب اضطر الى اصدار قانونين لاجراء مباريات لأكثر من سبعة آلاف متعاقد في المرحلة الابتدائية وأكثر من خمسة آلاف متعاقد في المرحلة الثانوية. وحتى الآن لم تجر المباراة الموعودة. 

يعتبر مكي “ان مشكلة المدرسة الرسمية ستقود اذا ظلت من دون علاج فعلي، الى زيادة نفوذ المدرسة الخاصة، أياً كانت الجهة التي تنشئها، حتى ولو كانت ملكية لافراد وليس لجمعيات خيرية أو اجتماعية. وتتباين هذه المشكلة بين المدينة والأرياف، ففي المدن الكبرى والداخلية تتوفر عناصر تربوية جيدة في المدرسة الرسمية، الا ان ما يحدث هو ان المناقلات التي تتم من الأرياف والمدن الصغرى نحو المدن الكبرى والتي لا تهدأ طوال العام الدراسي تجعل مدارس الأولى في حال من النزف الشديد. ففيما مدارس العاصمة والمدن الكبرى في حال تضخم، مما يؤدي الى عدد معلمين فائض عن الحاجة، مما يسمح للإدارة باختيار الأفضل، فيما طاقات الباقين تذهب هدراً، نجد مدارس الاطراف تتوسع في اعتماد التعاقد، مما يُبقي المدرسة والادارة التربوية أمام حكاية ابريق الزيت، التي بلغت ذروتها الآن بالحاجة الى 13 ألفاً من المتعاقدين في المرحلتين. الحل هو ان تتوقف المناقلات حتى يتحقق التوازن”. 

لا شك في ان المدرسة الرسمية تمتلك طاقات ثمينة وحقيقية، من دون أن تستطيع الافادة الكاملة منها. الأعطاب الداخلية في هيكلية التعليم هي بعض من ضخ الخارج اليها. السبب السياسي هو الأساس، التدخل في هذا المضمار لا حدود له، يبدأ من المراكز الحساسة ويصل الى أي مدير في مدرسة ما، ناهيك بالمناقلات، مما يؤدي الى مزيد من التعاقد، وذلك لخدمة “الاتباع” واستدرار الولاءات. ما يحكم على المستوى في المدرسة الرسمية ويتيح المجال أمام النمو المتسارع للمدرسة الخاصة هو وجود العدد الكبير من المتعاقدين في مدارس محافظات الجنوب والنبطية والبقاع ولا سيما الشمالي منه. أكثر من ذلك تدل سائر المؤشرات الى ان ارتفاع عدد المدارس الخاصة في هذه المناطق قد ترافق مع التوسع في اعداد المتعاقدين منذ العام 1977 وتباعاً، حتى بلغ ذروته في العقدين الأخيرين. أي ان المعادلة الواضحة هو انه كلما تردى وضع التعليم الحكومي، كلما زاد التوجه نحو القطاع الخاص. من تكون الجهة المنشئة للمدرسة. لا يعني ذلك ان هذه الأخيرة قد حلت المعضلة التاريخية للهوة التعليمية بين مدرستي المدينة والريف، بل ان هذه مستمرة وتتطلب توافر جهود تتعدى قدرات المدرسة بطبيعة الحال. 
 

وصايا مكي 

     لكن يبقى السؤال الفعلي هو كيف يمكن حل مشكلة التعاقد. وهل ما اشار اليه د. مكي لجهة وقف المناقلات لمدة خمس سنوات يكفي علاجاً للوضع؟ 

يجيب مكي عبر دراسة وضعها في الشهر الرابع من العام 2002 عندما كان يشغل موقعه. تحمل الدراسة عنواناً هو “تثبيت المدرسين والاساتذة المتعاقدين مدخل للاصلاح التربوي المرحلي أم خطوة تقليدية تتكرر؟”. تقترح الدراسة وقف التعاقد والمناقلات لسنة دراسية واحدة تمهيداً لاجراء احصاء تربوي في ظروف مدرسية مستقرة. إعادة فتح كلية التربية وتفريعها وقيامها بالاعداد وفق الحاجات السنوية. بت وضع دور المعلمين، اعادة النظر في توزيع الثانويات الرسمية على ضوء الحاجات الفعلية واعتماد معيار واحد لاستحداث الثانويات منعاً للهدر في الطاقات والامكانات. معالجة الفائض من المعلمين والاساتذة ووضع نظام لتوزيعهم. وضع نظام للمناقلات. عدم اجراء أي مناقلات إلا بموجب مرسوم معلل وضمن القضاء أو المحافظة أو منها الى أخرى. عدم جواز النقل لأكثر من ثلاث سنوات. الاقتصار على التعاقد الداخلي عند الضرورة. العودة الى مبدأ التكامل بين حاجات المدارس والثانويات. اجراء الدورات التأهيلية مع الاعداد في كلية التربية ودور المعلمين. وأخيراً اعتماد تقييم الاداء السنوي لأفراد الهيئة التعليمية بوضع نظام وآلية وبطاقة تقييم لكل من المديرين والنظار والمعلمين مع ما يترتب عليه لجهة الوضع الوظيفي لكل واحد من أفراد الهيئة التعليمية... 

هذه التوصيات التي يختتم بها مكي دراسة موثقة حول قضية المتعاقدين، لم تجد من يقرأها أو يتولى تطبيقها بطبيعة الحال. 

وختاماً لم نناقش في مسألة المدرسة الشيعية “التربية الوطنية”، والمقصود هنا ما يتجاوز الكتاب بطبيعة الحال. إذ وجدنا انه من الظلم والإجحاف محاسبة هذه المدرسة أو سواها، عما هو مفقود على صعيد السلطة السياسية واجهزتها ومؤسساتها ناهيك بالمجتمع المدني من احزاب ونقابات ومؤسسات أهلية. لذلك صرفنا النظر عن هذا الجانب، منطلقين من انه ما دام الجميع يتصرف على أساس “مؤسسته” الخاصة، فضلاً عن “حصته” في المؤسسة الرسمية العامة، فمن البديهي ان يندفع الشيعة كقوة سياسية اجتماعية في هذا المجال.. باعتبار ان الصراع لإصلاح المؤسسة العامة لا يمكن ان تخوضه طائفة بل قوة ضاغطة تمثل المساحة المشتركة بين اللبنانيين. لذلك يستمر تدهور المدرسة الرسمية وصعود المدرسة الخاصة، علما بأن هذا لا يسفر عن تطور نوعي في مضمار التعلم، باعتبار ان المدرسة الرسمية اللبنانية والخاصة المجانية والخاصة غير المجانية ما زالت بحاجة الى الكثير للوصول الى مجاراة التطور في هذا المجال. هنا نتحدث تحديداً عن المدرسة الشيعية التي تأخرت ليس أقل من قرنين عن مثيلاتها.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic