أبو زيد، مليخ.. والإنماء المتوازن

ناهد أبو زيد

جريدة النهار (لبنان)

الجمعة، 18 تموز «يوليو» 2003

الجنـرال أبي زيد

     تعود اليّ، هذه الايام، مشاهد من السنوات القاتمة ابان الاحتلال      هل يثبت أن جون ابو زيد أبي مليخ فعلا فيمنحها انماء تحرمها اياه الدولة؟ 

تعود اليّ، هذه الايام، مشاهد من السنوات القاتمة ابان الاحتلال الاسرائيلي، حين تطوّعنا، شبانا وشابات، فأقمنا مخيّمات صيفية لاطفال قرى وبلدات الشريط الحدودي، بعدما انشأنا جمعية مختصة لهذا الغرض، تدفعنا المساهمة ولو جزئيا في التخفيف من المعاناة على ابناء تلك الناحية. وامتد نشاطنا من الخيام ومرجعيون والقليعة ودير ميماس ومحيطها الى يارون وبنت جبيل حتى الناقورة مرورا بميس الجبل (او ما تبقى منها) وعين ابل ورميش ودبل والقوزح وعيترون وعلما الشعب. وتسميتي تلك المطارح لشكر ما بادلنا به اهلوها من حسن استقبال وطيب معشر ومشاركتنا حلو مباهجهم ومرارة آلامهم، مما خفف قسوة مهمتنا في تلك الظروف القاهرة. 


ذات يوم، اول عهدنا بالمنطقة، دعينا الى عرس في دبل، فاستقبلنا العروس على مشارف القرية، وشهدنا موكب العرس مقبلا برقصات السيف والترس على ايقاع التراويح والاهازيج. وحدها العروس لم تكن راجلة، فبدت وسط بحر الرؤوس والالوان كأنها نتوء مرجاني على صهوة جواد ينوء بالزينة اكثر مما يحمله البشري "الخفيف". ولفتتني روح الدعابة عند الاهالي الذين ابوا الا ان يطعّموا افراحهم بمسحة فولكلورية تعكس تمسكهم بالجذور: عروس تمتطي جوادا في زمن "الليموزين" والسيارات الفارهة. قلتها لصديق الى جانبي فخلته لم يسمع وسط ما حولنا من هرج ومرج، لكنه اجابني: "مكره أخوك لا بطل... وكيف تريدهم ان يأتوا بالسيارات على هذا الطريق الترابي نصف المرصوف وغير المعبّد، وهو صلتهم الوحيدة بالعالم؟". وروى لي حكاية هذا الطريق الذي يعود الفضل فيه الى الاخوين رحباني وفيروز (سفيرتنا الى النجوم، بل الى عقول الحكام وافئدتهم) حين غنّت "بدنا الطرقات نوصّلها صوب القوزح... "من مهرجان قبل الحرب، وكان حاضرا رئيس الجمهورية يومها شارل حلو، فاستفسر من جاره عن "قوزح" وعلم ان انها قرية حقيقية يسكنها ناس حقيقيون، وهي فعلا بدون طريق. فأمر الرئيس بشقّ الطريق اليها وتمّ ذلك فعلا، انما بشق الطريق لا تعبيده. 

تذكرت هذه السالفة وانا اقرأ تسابق وسائل الاعلام حول "الاصل اللبناني" للجنرال جون ابي زيد (قائد القيادة المركزية في القوات الاميركية) ودعوات اليه لزيارة لبنان، أرض اجداده، ووصل ما انقطع بين ارضه الام واسرة أبيه التي هاجرت ابان الحرب العالمية الاولى. 

ما علاقة هذه بتلك؟ انها اسطوانة "الانماء المتوازي والمتوازن" وهي كقصة ابريق الزيت. فكلما "انعم" الله على لبنان واللبنانيين بحكومة جديدة، رفعت "الانماء" شعارا في مقدمة بيانها الوزاري. وما ان تحظى الحكومة بالثقة البرلمانية حتى تنام مشاريع الانماء المتوازي والمتوازن في ادراج الادارات واللجان (مقبرة المشاريع)، ليحل محلها "الانماء الانتقائي". ولنتذكر وضع جونيه مع فؤاد شهاب، وطرابلس مع رشيد كرامي، والهرمل مع صبري حمادة، ودير القمر فالسعديات مع كميل شمعون، وبعبدا (باستثناء قوزح) مع شارل حلو، وزغرتا مع سليمان فرنجية، وزحلة مع الياس الهراوي، وصيدا مع عادل عسيران ثم مع رفيق الحريري، والمصيلح مع نبيه برّي. وحدها جزين ظلت تنتظر رئيسا. لاح لها يوما بعض الامل مع جان عزيز، انما خان طموحاته تصنيفه في خانة اليسار السياسي بسبب خلافاته مع خاله البطريرك الكاردينال بولس المعوشي، واسباب خلافية اخرى. 

لم يجف حبر دعوات زيارة لبنان من ابناء مناطق عبدالله بو كرّوم وجميل معوض اللذين تربّعا ولو وجيزا على رأسي دولتين تكادان تتوسلان الانماء بقدرة قادر. ولكن هل يلوم احد غريقا اذا تعلق بحبال الهواء؟ كلما لمع لبناني في العالم توسّم اللبنانيون خيرا منه لعله يسعفهم في نيل قسط من حقوق المواطنية في ارضهم. واليوم، ها هي قريتي الحبيبة مليخ، المنسية في سفوح اقليم التفاح، بعدما حظيت بنعمة التحرير، تأمل ان تصح فعلا نسبة الجنرال جون ابي زيد الى عائلاتها. 

إنها نغمة "الانماء المتوازي والمتوازن" تحتاج دائما الى رئيس او جنرال من خارج لبنان. افليس في لبنان اليوم رؤساء وجنرالات يقومون بما يمكن ان يقوم به من يأتي الى اصله اللبناني من الاغتراب؟ 

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic