"حزب الله" ضد تعليق أيّ من الاستحقاقات الداخليّة

نصير الأسعد

جريدة المستقبل (لبنان)

الجمعة، 18 تموز «يوليو» 2003
الحاج محمد رعد

     ثمة قراءة "خاصة"لدى "حزب الله" للوضع اللبنانيّ الداخليّ يسعى من خلالها إلى "تفسير" ما يحشده هذا الوضع من تناقضات وتأزّمات.

في هذا المجال، ينفي رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد ان يكون في لبنان وجود لـ "مشروعين" متقابلين حيال التطورات الاقليمية حول لبنان، اي انّه ينفي ضمناً وجود مشروع مواكب للولايات المتحدة وآخر مواكب لسوريّا، ويفضل القول انّ في لبنان "ديناميّات مختلفة" ازاء هذه التطورات. وفي تقديره انّ ثمة ثلاث ديناميّات اجمالاً، الأولى ديناميّة يرى المنخرطون فيها ضرورة التمسك بالثوابت والتصلّب بشأنها، وايلاء الشأن الاقليمي الأولوية وعلى أساسها رسم اصول عامة للسياسات الداخليّة لا يتمّ في ضوئها الاهتمام الكبير بالتفاصيل، والثانية ديناميّة يعتقد المنضمون اليها انّه لا مفر من ملاقاة الوضع الاقليميّ وتطوراته، اساسا عبر اعداد البنية الاقتصادية القادرة على الاستفادة من التطورات المتجهة حكما نحو التسوية في رأيهم.. أمّا الديناميّة الثالثة فخاصّة بالمعارضة (المسيحيّة) التي لا تتردد في اعلان انّ معالجة الوضع الاقتصادي تحتاج الى وفاق سياسي شامل على أساسه تكون هذه المعارضة مشاركة في السلطة، وفي اعلان انّ السير بالثوابت لا يتمّ من دون ان يكون اللبنانيّون اسياد قرارهم.

انّ هذه الديناميّات الثلاث هي التي تشكّل من وجهة نظر القياديّ في "حزب الله" جوهر الصراع السياسيّ الدائر في لبنان بالعلاقة مع الظروف الاقليمية. ويضيف النائب رعد في امتداد ذلك انّ "أطراف الساحة السياسيّة اللبنانيّة ومسؤوليها" يستحضرون الموقف من الدور الذي يمكن للبنان ان يؤديه في مواجهة التحديات الآتية من الخارج. وفي هذا السياق، يعتبر رعد انّ الاستحقاقات كافة تطرح من زاوية سعي جميع الاطراف الى ترتيب مواقع النفوذ، ويلاحظ انّ الكل يعدّ العدة لهذه الاستحقاقات ويحاول الاستفادة من نقاط قوته لقطع الطريق على تكوّن نقاط قوة للآخر. ويستنتج انّه كلما جرى الاقتراب من مواعيد هذه الاستحقاقات، لا سيّما موعد الاستحقاق الرئاسي، اصبح كلّ شيء في البلد قابلا للتفسير ضمن مناخ الاستعدادات للاستحقاقات.
 

سوريا ـ أميركا

     وفي معرض رسمه لاطار الصراع السياسيّ بين ديناميّات ثلاث، يحرص المسؤول الأوّل في الكتلة البرلمانيّة لـ "حزب الله" على تبديد أيّ اعتقاد انّ هذا الصراع السياسيّ يمكن ان يخرج عن سقف معيّن بالعلاقة مع اعادة الانتشار الرابعة للقوات السوريّة في لبنان. واذ يستبعد ارتفاع الضغوط الاميركية على دمشق لأسباب تتعلق بالاشكالات الكبرى التي تواجهها الولايات المتحدة عراقيّاً وفلسطينياً، يلفت النائب رعد الى انّ ثمة اشارات ايجابيّة متبادلة بين دمشق وواشنطن. ففي الوقت الذي تؤجل الادارة الاميركية مناقشة قانون محاسبة سوريا وفيما يتأجل نقاش تقرير رئيس اللجنة المهتمة بالأسلحة بعد خلاف مع "السي. آي.ايّ"، اي بينما يحصل ضبط اميركي لايقاع التعاطي الدبلوماسيّ مع سوريّا، فإنّ سوريّا في المقابل من خلال توقيت إعادة الانتشار بالطريقة الهادئة التي تمت فيها، تقوم بنوع من "الحوار الميداني" وتطلق اشارة ذات معنى.
 

محافظة بعلبك ـ الهرمل

     في ضوء كلّ ذلك، ينتقل المسؤول في "حزب الله" الى توضيح مروحة من العناوين الداخليّة التي يرى ضرورة مناقشتها لاتخاذ الموقف المناسب. ويتوقف عند قانون الانتخاب والدوائر الانتخابية، ليوضح انّ البعد الانتخابي لم يكن حاضرا في ذهن الحزب عند دعمه لانشاء محافظة بعلبك ـ الهرمل، بل الذي حضر بالفعل هو البعد الانمائي بحيث يشكل انشاء المحافظة مدخلا الى الانماء وتحريكا له في هذه المنطقة. ويذكّر رعد بأنّ الفكرة في الاساس كانت انشاء مجلس انماء لبعلبك ـ الهرمل لكن التعقيدات حالت دون قيامه فطرحت فكرة المحافظة منذ سنتين ولم تطبق الا بعد "توأمتها" مع محافظة عكار. ويشدد رئيس "الوفاء للمقاومة" على انّ الحزب عندما يطرح الامر بهذه الخلفية فإنّه "يتفهم الهواجس الانتخابية لاطراف في الموالاة او المعارضة"، وأكثر من ذلك يقول "لا مانع لدينا من بحث قانون الانتخاب وكأن المحافظتين لم تقوما، اي اننا على استعداد لعدم تأسيس النقاش على كون محافظة بعلبك ـ الهرمل قد قامت فعلا"، مضيفا انّ وجهة نظر "حزب الله" في المسألة الانتخابيّة تقوم اصلا على خيار النسبية في الدائرة الواحدة او الدوائر الوسطى.
 

الاستحقاقات وضرورة حصولها

     وينتقل رعد الى توضيح حول عنوان آخر على قدر بارز من الاهمية، يتعلق بمصير مجموعة من الاستحقاقات. وفي هذا الاطار يؤكد رفض الحزب تعليق اي منها، ويقول ان التعليق يؤدي الى تعطيل الحياة السياسية والمؤسسات وهذا امر مرفوض. وبما انّ المجلس الدستوريّ ينشأ عبر انتخاب مجلس النواب لنسبة من اعضائه وتعيين مجلس الوزراء للنسبة الأخرى، فلا بد ان يقوم مجلس النواب والوزراء بدورهما في هذا المجال، والامر نفسه ينسحب على المجلس الوطني للاعلام. وبالنسبة الى الانتخابات البلدية والاختيارية، فانها يجب ان تحصل في موعدها وتمكين الناس من انتخاب مجالسهم المحلية، وكذلك الانتخابات النيابية. أما في ما يتعلق بالاستحقاق الرئاسي، فان له موعدا محددا "واذا كنا لا نحبذ حصول سجالات بشأن هذا الموضوع قبل اوانه فليس معنى ذلك الدعوة الى عدم حصوله"، وفي هذا الموعد المحددّ يقرر مجلس النّواب موقفه تمديداً أو انتخاباً لرئيس جديد.
 

الحريري وجنبلاط

     وفي موازاة هذين العنوانين الاساسييّن اللذين يدعو القياديّ في "حزب الله" الى بتّهما بعد نقاش مسؤول، يبادر الى اشارة سياسية ذات دلالة رئيسية في هذه اللحظة الداخلية، وفي هذا الاطار، يبدي النائب رعد "تفهم حزب الله لانزعاج النائب وليد جنبلاط وشعوره بالتهميش الانمائي"، ويعرب عن اعتقاده انّ "ثمة امورا تتصل بمنطقته يتم التعاطي فيها من دون الوقوف على رأيه وانه لا بد من التشاور معه".

وفي معرض التطرق الى اللقاءات الاخيرة التي تمت بين الحزب ورئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، يلفت رعد الى ان "كتلة الوفاء للمقاومة" يجب ان تبقى على تواصل مع رئيس الحكومة ولا توجه لدى الكتلة غير ذلك. لكنّه يسارع الى القول انه "لا يمكن الحديث عن تطور سياسي في العلاقات انتجته الاتصالات الجارية"، ويوضح انّ "الاتصالات اتاحت استئناف النقاش حول شؤون تنموية تتصل بأليسار والمشكلات التابعة لها".

باختصار، يمكن القول ان "حزب الله" (في ضوء مقاربة رئيس كتلته النيابية) المتابع للتطورات الاقليمية بدقة و "المراهن" على اشكالات تواجه الولايات المتحدة تجعلها اقل قدرة على الضغط على لبنان وسوريّا، لا يرى انّ ثمة مبررا لتعطيل الأساسيّ من الحياة السياسيّة الديموقراطية او لتعليق المؤسسات القائمة بموجب الدستور، وبذلك فانّه يقدم موقفاً على درجة عالية من الوضوح في مجال الاستحقاقات الداخلية.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic