إنحصار الحبر

السيد هاني فحص

جريدة المستقبل (لبنان)

الجمعة، 18 تموز «يوليو» 2003
السيد هاني فحص

     نحن أهل القلم، أو الألم، أي الألم، حالنا غريب بين الأحوال "وجع الحرف رائع أَو تشكو للبساتين وردة حمراء".

يسلينا نزار قباني منضماً الى قافلة من الرومانسيين الذين اخترعوا التلذذ بالألم والسعادة في البؤس والجمال في القبح والحق في الباطل.

لا نكاد نستغرق ونهرق حبرنا أو دمنا، أي دمنا، في مقاربة مرض عضال من امراض الأمة أو الوطن، حتى يعدينا المرض، فنذهب الى علاجه في مرض آخر، نبدأ الكتابة على أمل، ومزيد من الحفر حوله لاكتشاف بذرتها طموحاً الى استنباتها، يفضي بنا الى خزانات الألم ومياهه الجوفية.. فنجعل العودة الى السطح، الى تضاريس الواقع، يأساً من قدرتنا على بلوغ الأعماق، فينقلب الألم الى يأس، ومع اليأس يخف الألم "ما لجرح بميّت إيلام". ولا بد ان تكتب، إنك ملزم بالكتابة لأنك ملزم بالعيش ومسؤول عن عيش آخرين، ووجدك إن لم تعمل من دون التفنت الى مزاج وجملتك العصبية وحاجتك للراحة والكسل والكرى ذات ليلة مقمرة بعد ان تيأس من عدّ النجوم واكتشاف مواقع جنادب الليل وقناديله الطائرة في كل اتجاه (الحُباحِب)، وأنت تعرف ان آلافاً من الناس منهم أصدقاء لك وآخرون أنت مضطر أن تحييهم دائماً بأدب وتواضع جمّ، وأن تمتدحهم ان اقتضى الأمر وتلجأ بعد ذلك الى الله مستغفراً، آلاف مؤلفة لا تحمل همّ يومها ولا غدها ولا شهرها ولا سنتها ولا ابنها ولا ابنتها ولا والدها ولا والدتها ولا مرضها ولا صحتها ولا ضيفها ولا جارها أو جارتها، ولا.. ولا.. من دون أن تكون مضطرة لأن ترهق نفسها بعمل شاق أو تفكير عميق، أو أي عمل أو أي تفكير، ومع ذلك يأتيها رزقها غداً بفضل عاطفة من عاطف معطوف على عاطف أعطف، أو بفضل مدة يد ذكية ومحمية من يد أقوى أو أطول وتجتذبك البطالة، أو يغريك الحال بأن تحرن عن العمل علك تستعيض عن التعب بالابتزاز أو التحصيل السهل... وأنى لك وأنت لا تخيف أحداً، لا تشتم أحداً ولا تعمل على تقويض أحد؟ أنى لك وأنت واقعي وآدمي، وليس بيدك أو اختيارك ان تبدّل جلدك ولسانك ويراعك وجرك.. كأن المواطن الخفير ملزم بأن يكون خفوراً وغفوراً! عليه أن يسَعَ الجميع من دون أن يسعه أحد، إلا في حدود الربت على كتفيه، والى مزيد من التعب أيها المواطن الصالح!

إذن فلا مهرب، ولا بد أن تكتب، ولا تنسَ أنك من الطبقة المتوسطة، أي أنت مهدد دائماً لأن تسقط، بين عشية وضحاها، من طبقتك الى الطبقة الأدنى، ويا ويلك إذا ما سقطت لأن كل أحزاب البروليتاريا المنتجة والرثة، بما فيها الكادحون الثقافيون، قد تنازلت عن نضالها من أجل الطبقات الدنيا علّها ترتقي الى الطبقات العليا لتناضل من داخلها.. فماذا تكتب إذن، والسيد المسؤول الوسيط، أي الذي يتعرض الى الضغط اليومي من الأعلى والأدنى، ومن اليمين واليسار، يلح عليك بمودة تحرجك؟

يا أخي استغرقت في العراق هرباً من لبنان.

دعني حتى أيأس من العراق لأعود الى لبنان الميئوس منه.

ويشكو لك ممتدحاً إياك بأن ما تكتبه أكثر سياسة من كلام وحراك كثير من السياسيين.. وهل اكتشفت البارود أيها المعلم؟ ومن قال ان السياسيين في لبنان هم من أهل السياسة، إلا ما شذ وندر، إنهم شغيلة في الأعم الأغلب، متعاملون، مياومون، يشتغلون مع الدولة بعقد نفقة أو نفاق.. والمقارنة بهم والتفضيل عليهم قاس كقسوة امتداح الذهب بأنه أغلى من الخشب.

لا همّ.. وسوف أكتب.. وسوف أنقطع بعد مدة لعجزي عن الكتابة، وسوف أصغي الى مديحك فأقع ثانية في الغرور وأصدق بأني طبيب وطني لا يجوز أن يهمل سماعته ومشرطه ويستنكف عن علاج أدواء وجراح الوطن وأمراضه السارية والمستوطنة. ولكن لا بد من الاتفاق على أننا كلنا لا نزيد في موقعنا وفعاليتنا، في أحسن الأحوال، على حال فريق التمريض في غرف العمليات أو غرف الاستشفاء، هذا ليس توهيناً بدور الممرض أو الممرضة، ولكن الكارثة تقع عندما يظن الممرض أو الممرضة أنهما من الأطباء لمجرد معرفتهما بمصطلحات الطب، والكارثة الأعظم عندما يتحول الأطباء الى ممرضين عملياً أو علمياً، حينئذ يصبح الممرضون والممرضات أطباء فعليين... والأدهى أن يلتبس الممرض لدى المريض بالطبيب..

أليست هذه حالنا العربية واللبنانية؟ إذن فماذا أكتب ولماذا أكتب؟ سوف أكتب لأن الامتناع عن الكتابة ينتهي الى حالة مرضية أشد إيلاماً. إن كثيراً من الكتاب يتلوون ألماً عندما يصابون بانحصار الحبر.. اللهم نجنا.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic