6182 يتنافسن على 23 وظيفة!

عباس صالح

جريدة النهار (لبنان)

السبت، 19 تموز «يوليو» 2003

     ماذا يفعلن في هذه الساعة المبكرة من صباح الأحد وهو يوم عطلة؟ حشد من الفتيات، ألف ألفان، ثلاثة أربعة لا، بالتأكيد أكثر. 

خلت نفسي للحظات أشهد نواة ثورة نسائية قيد التشكيل ستنطلق من مبنى جامعة بيروت العربية حيث العراقة في ميدان العمل الثوري. 

وكلهن يافعات. تُرى، هل قررن التمرد الجماعي على مفاهيم المجتمع الذكوري واسقاط "الهيكل" فوق رؤوس الجميع والمضي في رفع الصوت حتى انتزاع آخر "بارة" من حقوق ينشدنها من زمان. 

ما هي كلمة السر التي عممت على ممثلات الجنس اللطيف حتى تداعين سرا بأعداد تناهز في تقدير أول سبعة آلاف؟ ولكن أين الناشطات المعروفات في ميدان العمل النسائي والمنظرات في حقوق المرأة؟ لا أرى أيا منهن. 

تُرى، هل حضرن الى هنا للاعتصام كخطوة أولى تسبق "العاصفة" أم تجمعن لخوض المعركة الحاسمة على قاعدة "علينا وعلى الجنس الخشن"؟ 

ربما لمعت في رأس احداهن مقولة "إن لم تكوني لبوة داستك السباع ثم أكلتك"؟ 

ولكن ماذا في يد هذه القلة من رجال الدرك الذين يتولون حراستهن ان تفعل اذا قيض لهذه الجيوش النسائية الجرارة ان تتفلت من قبضتهم؟ هل ستبقى معالم للرجولة؟ 

كدت أصل الى استخلاص النتيجة الحاسمة في شأن ما ستؤول اليه الامور لو قُدّر لهذه الثورة ان تنفجر، وبينما كنت أحدّق الى هذه الجموع الانثوية، يساورني شعور بالاعجاب مجلل بالخوف، لأنهن جميلات من عمر الورود ويتوهجن ألقا كالشموع، قطع شرطي من الموجودين في المكان كل التساؤلات التي قرأها في وجهي: "انهن المرشحات للتعاقد مع المديرية العامة لقوى الامن الداخلي بصفة مفتشة مطار، واليوم موعد الامتحان الخطي". 

شكرته وتابعت سيري متمنيا للجميع التوفيق، باعتبار ان وظيفة الدولة عموما تستحق هذا التنافس والجهد نظرا الى تقديماتها والضمانات الاجتماعية التي غالبا ما يشعر المرء في ظلها بأمان يفتقده في وظائف القطاع الخاص. 

ولكن الارقام والحقائق التي اكتشفتها لاحقا بمحض المصادفة فاجأتني وصدمتني وأذهلتني دلالاتها. فقد علمت من المعنيين ان العدد المطلوب للتعاقد بصفة مفتشة مطار هو 23 فتاة فقط سيتم اختيارهن من بين 6182 مرشحة. مع العلم ان جميع المتقدمات يدركن ان الوظيفة التي سيشغلنها عند فوزهن - وما أقل فرص الفوز - ستكون في اطار التعاقد وليس من ضمن الكادر الوظيفي الرسمي، أي في معزل عن أي ضمانات اجتماعية وضم سقف تقديمات وظيفة الفئة الثالثة. ومدة العقد سنة واحدة قابلة للتجديد كما للفسخ، وبراتب لا يتجاوز 550 الف ليرة حدا اقصى. 

وعلمت ايضا ان المديرية العامة لقوى الامن الداخلي عندما أعلنت حاجتها الى مفتشات مطار في اطار التعاقد، طلبت فتيات حائزات شهادة البكالوريا، ولكن تبين لاحقا من الطلبات ان أكثر من 80 في المئة من المتقدمات يحملن اجازة جامعية إن لم يكن أكثر. 

المهم ان 6182 فتاة يتنافسن الآن على 23 وظيفة، وتكبدت كل منهن مصاريف لا تقل عن 200 الف ليرة موزعة بين كلفة صورة شعاعية للصدر وافادة طبيب وسجل عدلي وبياني قيد عائلي وفردي وشهادات صادقت عليها وزارة التربية وطوابع وبدلات انتقال... 

ان من ينظر الى هذه الظاهرة يستطيع ان يستشف منها حقائق اقتصادية مخيفة عن وطن "البحبوحة" والرخاء، ويكتشف أننا من افقر البلدان على صعيد... الانسان. 

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic