حين يستلهم العراقيون الصيغة اللبنانية

سجعان القزي

جريدة النهار (لبنان)

الأربعاء، 23 تموز «يوليو» 2003

     انفتخر ام نخجل حين يقتدي العراقيون بالصيغة اللبنانية؟ انشكل وفدا لنهنئهم على خير اتاهم، ولو متأخرا، ام لنعزيهم على شر وافد اليهم باكرا؟ انعتذر من صيغتنا على ذنوب اقترفناها بحقها ام نذممها مصائب الّمت بنا؟ ملابسات قيام "المجلس الانتقالي للحكم العراقي" تحلل الظن بأن استلهام الصيغة اللبنانية في تشكيله هو شاهد ضدها لا شاهد لها. فالولايات المتحدة الاميركية، المتلهفة لـ"وهب" العراق للعراقيين عوض "وهب" العراقيين للعراق، ما كانت لتقترح الصيغة اللبنانية على العراقيين لو وجدت اكفأ منها في مجال ابراز تناقضات طائفية وعرقية وعشائرية في بلد، وتبرير احتلال قوات اجنبية اياه. 

التقليد العراقي/الاميركي للصيغة اللبنانية هو مبدئيا اهانة لها وللبنانيين: حين ابتدع اللبنانيون صيغتهم ارادوها، صادقين، وسيلة تعزز وحدتهم (التعايش الطائفي) وتوحد وطنيتهم (الولاء للبنان) وتوطد دولتهم (الاستقلال والسيادة)، فإذا بالاميركيين يعتبرونها اليوم وسيلة لبعثرة العراق العظيم. حين ابتدع اللبنانيون صيغتهم، وقد تميزوا بها وتغنوا، ظنوا انها، بعد الابجدية، هدية ثانية يقدمونها للعالم وتؤهلهم نيل جائزة نوبل للتعايش فيكونون اول شعب ينالها هي التي لم تمنح الا لافراد، فإذا بالعراقيين (المجلس الانتقالي) يقدمونها اليوم غطاء يشرع الاحتلال الاميركي للأرض ويعترف بوصايته على الدولة. 

اقدم العراقيون والاميركيون على فعلتهم (استعمال الصيغة اللبنانية للقيام بأعمال منافية لمبادئها الاساسية) لانهم اطلعوا على تطبيق الصيغة لا على نصوصها فقط. لم يعر العراقيون والاميركيون انتباههم لجمالية صياغتها الادبية: "ليس لبنان للاحتلال مقرا وللاستعمار ممرا..."، و"لبنان وطن مستقل عربي الوجه". و"لم يعد اللبنانيون سلبيين او ايجابيين، نصارى او مسلمين، صاروا لبنانيين مستقلين..."، انما قيّموا سنيها الستين (1943 - 2003) فوجدوها فئتين: سنين من سلم هددته ازمات طائفية وتدخلات خارجية، وسنين من حروب رافقتها مآس واحتلالات عسكرية، اخوية وعدوة. 

اهانة اللبنانيين، اذن، في محلها لانهم اهانوا انفسهم قبل ان يهينهم العراقيون والاميركيون: انقلبوا على الصيغة اكثر من مرة. منهم مَن استغل الصيغة للوصول الى الدولة ثم انقلب على الاولى، ومنهم من استغل الدولة لتعديل الصيغة ثم انقلب على الثانية، ومنهم من استغل الصيغة والدولة ثم انقلب عليهما معا. منهم من اراد الصيغة له وحده (هيمنة)، ومنهم من ارادها له ولسواه من ابناء الوطن (مساواة)، ومنهم من ارادها للبنان ولأبناء المحيط (هيمنة خارجية ولا مساواة داخلية).

في كل اهانة تحد. واللبنانيون، اليوم، مدعوون الى رفع التحدي ليمحوا العدوان عن صيغتهم ويبرهنوا، فعلا لا قولا، انهم عشاق كرامة وعنفوان. فالمرء يتساءل، عدا الشهداء، عن مصير المعاهدة التاريخية بين اللبنانيين والكرامة حين يرى تزلف السياسيين وخنوع الحكام وسكون الشعب وسكوته على كل ما يجري. محو الاهانة يبدأ بإعادة لبنان لبنان، ورفع التحدي ينطلق من جعل الصيغة مدخلا الى وطن واحد لا مخرجا الى دويلات. وحسبي ان اللبنانيين الذين ناضلوا كي لا يكون وطنهم اسرائيل ثانية وفلسطين بديلة وايران مكررة، عازمون، بما بقي لهم من نخوة ووعي وكبرياء، على الا يصبحوا عراق آخر بصدامه (ديكتاتورية حزبية) او بـ"بريمره" (احتلال اميركي) او بمجلسه (عشائرية اتنية).

ترجمة هذه الشعارات (محو الاهانة، رفع التحدي، توحيد الوطن) تستدعي تحليلا تاريخيا لوظيفة الصيغة اللبنانية ونظرة واقعية لتطور المجتمع اللبناني وحلولا عملية لحصرية الدولة اللبنانية: 

1- الصيغة، كإطار لتعايش اللبنانيين، هي نموذج دائم، اما كنظام دستوري مركزي او فيديرالي، فهي تحتاج الى التعديل والتصويب بشكل دوري في ضوء المشاكل التي تعترضها. وظيفة الصيغة جمع اللبنانيين كافة لا فقط للعيش معا في وطن واحد، بل للسير معا باتجاه واحد (كما في الطائرة) وصولا الى الدولة اللبنانية المناسبة للجميع. هكذا تمنّاها آباؤها لكن اعقابهم جمدوها لا شغفا بالصيغة انما لبلوغ اهداف سلطوية. حنطوا شكلها (حكم مركزي مستضعف) وغيّروا جوهرها (الاعتدال في التعايش) فيما الحاجة هي الى تطوير الشكل وتثبيت الجوهر. 

2- والمجتمع اللبناني، وهو المعني الاساسي بالصيغة، تطور باتجاه مناقض لروح الصيغة. فلا مشى على وقع خطاها ولا جعلها تمشي على خطاه (التطرف الديني، التعصب الطائفي، الطبقية الاجتماعية، والانحدار الثقافي). فزادت الهوة داخل كل فئة وبين الفئات المختلفة، وكأن اللبنانيين عالمان في شعب واحد. 

3- والدولة اللبنانية، وهي المسؤولة والضحية في آن واحد، بدت بصلاحياتها قوية ومركزية، واجبها رفع التحديات الوطنية (اذن مسؤولة)، وبدورها ضعيفة ومشتتة تتعطل امام اول هزة (اذن ضحية). وعوض ان تتنبه للأمر وتوزع صلاحياتها على المناطق فتحتفظ بالقرار وتبقى مصدر السلطة (وحدة لا مركزية)، استولت عليها وعلى صلاحياتها الطوائف والملل والاحزاب (لامركزية تقسيمية).

من هنا ان قرر العراقيون استلهام صيغة لبنان (التعايش الحضاري) وتحاشي تجربة اللبنانيين (ازمة، فتنة، حرب، وصاية) سيواجهون قريبا جدا ثلاثة خيارات: 

I- تطوير نظامهم نحو فيديرالية حقيقية فتشعر كل الفئات العراقية انها سيدة، حرة، آمنة وقادرة على ممارسة مميزاتها القومية والدينية والحضارية في دولة واحدة لا مركزية (مشروع الاكراد الجديد).

II- الانتقال من التعايش الطائفي الى الوحدة المواطنية في اطار دولة مركزية تتخطى الانتماءات الطائفية (مشروع حزب البعث الاساسي).

III- البقاء في الحالة المرحلية كما هو وضع لبنان، اي لا وحدة متينة ولا فيديرالية حقيقية (مشروع اميركا المؤقت). وفي هذه الحالة، يجمل بالعراقيين، وبخاصة الشيعة والسنة، التأهب لكل الاحتمالات. لكن العراقيين حين وسموا مجلسهم بـ"الانتقالي" لم يقصدوا به، على ما يبدو، الانتقال من حكم اميركي الى آخر وطني، بل من نظام مركزي ما عاش الا بالقوة الى نظام فيديرالي يحيا بالحرية (اعتمد المجلس العراقي في 18 تموز 2003 مبدأ الرئاسة الدورية).

من هنا، يبرز تحد آخر امام اللبنانيين: استباق العراقيين في تطوير صيغة سبقوهم في وضعها. ان اللبنانيين، الذين في ظروف مماثلة طرحوا افكارا ومشاريع وصيغا ودساتير لهم وللعرب للخروج من السيطرة الاجنبية، يفترض ان يكونوا اليوم قادرين بعد على ابتكار "زي جديد" لصيغتهم يستوحيه العرب لانقاذ انفسهم مما يخططه الاميركيون بالتنسيق مع دولة اسرائىل. الامر يتوقف على جرأة اللبنانيين في اسقاط القوالب الجامدة واستكشاف الافضل بدون عقدة. 

لم يستشهد اللبنانيون من اجل نظام مركزي او فيديرالي بل من اجل لبنان حر وموحد. وفي مراحل معينة من النضال حلت الوحدة قضية ثالثة بعد الحرية والامن. يومها، والسكين على العنق، لم يبال لبنانيون: ايمتد وطنهم حتى اضنه ام يبلغ عكا والقدس، ايستشرف الشام وحلب ام يقبع في قائمقاميتين، أيصغر في متصرفية ام ينصف في حدوده الحالية؟ أما اليوم، فواجب اللبنانيين ان يعتمدوا، من وحي صيغة ،1943 نظاما لا يفرط بأي من القيم الاساسية الثلاث (حرية الانسان، وحدة الارض، وامن المجتمع).

في المطلق يمكن النظام المركزي ان يحقق وحدة هذه القيم شرط ان تكون الدولة ديموقراطية وحرة، والشعب ملتزما منطوق الحياة المشتركة (الاعتدال والتسامح والرقي الحضاري ونبذ التطرف الديني والاجتماعي والاقتصادي) لان ما يجمع الناس الاحرار هي وحدة القيم الحضارية لا وحدة الارض فقط. لكن السنوات الستين من عمر الصيغة كشفت ان الحكم المركزي في لبنان، بسبب الدولة والشعب والمحيط، فشل مرارا في توطيد التعايش بين اللبنانيين. واذا للراسب مرة ومرتين وحتى ثلاثا فرصة امتحان استلحاق، فالراسب الدائم يدعى فاشلا وينسحب، على الاقل خجلا، لان الاجيال ليست مواد اختبار لاي نظام. لا قيمة اسمى من الانسان: لا الارض ولا الوحدة، لا الدولة ولا الديموقراطية، لا الصيغة ولا الدستور. كل هذه القيم، وهي عظيمة، تنحني امام الانسان (المخلوق على صورة الله ومثاله).

لذا اذا اضطررت كمواطن الى ان اختار بين انقاذ تعايش اللبنانيين وبين انعاش مركزية الدولة، اختار الاولى على الثانية لان قيمة لبنان هي في تعددية طوائفه وحضاراته لا بمركزية دولته، ولان قيمة الدولة في ديموقراطيتها واستقلالها ووحدة شعبها لا في مركزية سلطتها. ويقيني ان هناك مجالا للتوفيق بعد بين الوحدة والحرية، اي بين الارض والانسان في نظام صيغوي جديد.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic