في كتابه الجديد "من العروبة الى العروبة: أفكار في المراجعة، 2003" يرى عبدالإله بلقزيز أن المطلوب في سياق الاحتلال الأميركي لبغداد أنه إذا كان من الواجب محاكمة تجربة الإخفاق التي عجزت عن إنجاز مطلب التوحيد والتي أساءت ـ في نموذج الحكم الذي قدّمته ـ لفكرة العروبة، فإن الواجب يقتضي فحص الأسباب التي قادت إلى ذلك وفي مقدمتها فكرة القومية العربية التي تحتاج اليوم كما يرى بلقزيز إلى إعادة نظر وفحص، وخاصة في ضوء ما أسفرت عنه التجربة السياسية القومية الحديثة من نتائج لا تتناسب ومقدمات المشروع القومي.
في وقت يعود إلى مطلع عقد الثمانينات من القرن المنصرم، حكم محمد عابد الجابري على الخطاب القومي العربي بالفشل، والفشل من وجهة نظره لا يعني فساد المضمون أو الأهداف، بل عجزه عن التحول إلى إيديولوجيا علمية قادرة على تفسير الواقع العربي وتغييره، وقد ذهب إلى أبعد من ذلك في حواره مع حسن حنفي مع مطلع عقد التسعينات بهدف إعادة الاعتبار للفكر القومي العربي، فمن وجهة نظر الجابري أن بيضة الفكر القومي قد تكلست وأن الفكر القومي مطالب بالخروج من قوقعته المتكلسة ومن شرنقته (مركزيته) المشرقية التي اعاقت إلى الآن كل محاولة لتجديده.
ما يجمع بلقزيز والجابري، أنهما يريان أن تجديد الفكر القومي العربي بهدف الرد على التحديات والانخراط في المشروع النهضوي المرتقب الذي يقع المشروع القومي في المتن منه، لا يتم بالقفز على العروبة والقول بنهايتها ووداعها وتأبينها بحجة أن العاقل لا يتستر على موتاه على حد تعبير أحد الداعين إلى وداع العروبة.
بل الهجرة من العروبة إلى العروبة، بصورة أدق، بالهجرة من عروبة رافقها الاستبداد كظلها إلى عروبة أكثر انفتاحاً وديموقراطية. وهذا يقتضي كما يرى بلقزيز زيادة جرعة النقد فيها للتجربة القومية العربية المعاصرة إلى حدود قد لا يقبلها أكثر القوميين العرب انفتاحاً.
من وجهة نظر عبدالله العروي في "العرب والفكر التاريخي، 1973" أنه ليس صحيحاً أن كل إخفاق سياسي شاهد على إخفاق ايديولوجي وذلك في إطار مراجعته لتجارب الخطأ والصواب كما سميت آنذاك، أو لتجارب الإخفاق العربي كما سمّاها هو. فمن وجهة نظره توجد مزالق بين النظرية وتطبيقها لا تدل كلها على خطأ النظرية. ولكن هذه المزالق لا تلقى الاهتمام عند القائلين بوداع العروبة ونهايتها، فمن وجهة نظر هؤلاء فإن كل إخفاق سياسي شاهد على إخفاق ايديولوجي، وبالتالي فإن المطلوب هو محاكمة العروبة ومن ثم إعدامها، ثم الذهاب إلى أبعد بمحاكمة "قوميي المشرق العربي" والتشهير ببذاءاتهم الإنشائية والعنصرية والتعبير لحازم صاغية.
هناك إقرار ضمني عند الداعين إلى تجديد الفكر العروبي، أن المطلوب، هو إعادة الاعتبار الى المضمون الثوري لفكرة العروبة والتي لم تكن في يوم من الأيام بدعة نخبة، بل ماهية اجتماعية وثقافية وحضارية من نسج تاريخ طاعن في القدم، والشاهد على ذلك انها فاضت على جميع الأوعية الحزبية التي حاولت احتكارها، وأن إعادة الاعتبار تقتضي القيام بفك ارتباط بين المضمون الثوري للفكرة وبين التجربة السياسية العربية التي ادعت تمثيلها وانتهت بابتذائها على صعيد الممارسة الحزبية والسلطوية في العقود المنصرمة من القرن المنصرم. أضف إلى ذلك أن إعادة الاعتبار تتطلب تشخيصاً دقيقاً للأزمة البنيوية التي قادت إلى مزيد من الإخفاق القومي والتي تعود أسبابها إلى عوامل داخلية، على هول وفظاعة ما أصابنا من الخارج كما يقول بلقزيز.
من وجهة نظر الجابري وبلقزيز، أن تجديد الفكر القومي العربي الذي يقوم على ثقافة سياسية جديدة واستراتيجية عمل بديلة ونخب قومية جديدة، يستدعي الانفتاح على التجربة المغاربية في العلاقة ما بين الاسلام والعروبة والتي بقيت متشنجة كما يشهد على ذلك تاريخ الخطاب القومي العربي في المشرق، وفي ثنائية القطري والقومي والتي لا ينظر إليها في المغرب على عادة المشرقيين الذين أسقطوا القطري لصالح القومي فانتهوا إلى تأبيد القطرية.
في رأيي، إن المطلوب حقاً، هو الهجرة من العروبة إلى العروبة، بالاعتراف بالمختلف والانتقال منه إلى المؤتلف.
وبالتالي إعادة الاعتبار للعروبة بعدما شيّعها من سمّاهم بلقزيز بـ"جيش المثقفين التائبين!".