كنتُ أعمل في تحرير ترجمة كتاب ارنست غلنر: "المجتمع الاسلامي" لأحد الزملاء، عندما بدأ الحديثُ في الأوساط السياسية عن معنى الفيدرالية التي يريد الأميركيون ـ تؤيدهم فئات من السياسيين والمثقفين العراقيين ـ فرضها في العراق. والمناسبة بين كتاب غلنر، وما يجري في العراق، تأكيد غلنر الدائم على قوة "التقليد الديني"؛ بحيث يُصبح ذلك جزءاً من طبيعة الدين نفسه، ويصعُبُ تغييره. والمعروف أن هذا هو رأي غلنر بالنسبة للأمم والقوميات أيضاً. فالوعي الذي تنشره نخبة على مديات طويلة ـ مثلما فعلت النُخب الألمانية والايطالية ـ أسهم اسهاماً أساسياً في نشوء ما عُرف بالدولة القومية؛ أما الأمم الأخرى، والتي يبدو أن الدول أنشأتها مثل فرنسا وبريطانيا واسبانيا، فلا تتمتع بالصلابة نفسها؛ وان تكن التجربة التاريخية الطويلة في بقاء الدولة موحدة، يمكن أن يكون لها نفس تأثير الوعي النخبوي، الذي يتحول الى وعي عام؛ وبخاصة اذا كانت هناك تجارب وممارساتٌ سياسية وقتالية مشتركة، وتربية قومية واحدة. وعلى أي حال، فان وعي غلنر ـ التشيكي الأصل ـ متأثر كثيراً بالتجربة الامبراطورية النمسوية، أي انه لا يتصور التعددية الاثنية والثقافية مع الوحدة إلا في نطاق الثقافة الامبراطورية؛ وإلا فمن يتصور أن التماسك الالماني أقوى من التماسك الفرنسي مثلا؟ !
هذا الاستطراد الطويل، هدفه التأمل في الوضع العراقي اليوم، وفي الوعي القومي والتجربة القومية العربية: فهل العروبة انتماء ثقافي وسياسي، لا تؤدي فيه الدولة دوراً كبيراً، أم العكس هو الصحيح؛ بمعنى أن الدولة هي التي تصنع الشعب؟ أم أن الأمرين يؤديان اذا تآلفا دوراً مشتركاً؟!
حسب الرؤية الأولى ، لا تتأثر طبيعة العراق بزوال نظام الحكم الاستبدادي هناك، حتى مع ممارسات النظام الشديدة السلبية باسم القومية العربية، وحتى باسم الاسلام. لكن حسب الرؤية الثانية، التي تقول بتأثير الدولة الكبير في "ظهور" الشعب؛ مثلما حدث في الولايات المتحدة التي أنشأت فيها الدولةُ الأمةَ؛ فان إمعان الأميركينن في تخريب الدولة، بعد ممارسات النظام البشعة تجاه فئات واسعة، كلُ ذلك أسقط مقولة الشعب والشعب العراقي، وجعل الحل الوحيد الذي يُبقي بعض التماسك هو الحل الفيدرالي؛ وبخاصة أن البترول العراقي مثلاً يوجد معظمه في الشمال، بالاضافة الى التوزع الاثني والمذهبي والديني في كل الأجزاء؛ بحيث لا تكون هناك مصلحة لفئات واسعة في الانفصال؛ أما الفئات الصغيرة (ذات الخلفية الاثنية) فليست لها غلبة في أي منطقة حتى تنفصل بها. والواقع أننا كنا نسمع منذ السبعينات من الشيوعيين العراقيين، ومن بعض الأكراد، أن "الانحراف" بثورة العام 1958 (التي كانت عراقية عراقية) نحو الايديولوجية القومية العربية هو أصل المشكلات. فالنخب التي رمت الى ربط العراق بالخارج العربي هي أقلية، وهؤلاء لا يأمنون على سلطتهم، الا بالاستنصار بالخارج ولو على سبيل الأيديولوجيا وليس التطلع أو الطموح الواقعي أو الحقيقي.
والحق أن مقولة "الوطنية العراقية" هي مثل مقولة القومية العربية في العراق؛ من حيث إنهما فكرتان أو ايديولوجيتان توحيديتان. فقد كان العراق الملكي معادياً لأيديولوجيا القومية الناصرية والبعثية، لكنه دعا وحقق الاتحاد الهاشمي العربي (الرجعي أو اليميني... الخ) الذي كان يقول بالأمة وبوحدة العرب؛ لكن ليس بالشكل القومي الذي أراده يومها البعثيون والناصريون. فاذا كان الخلاف ايديولوجياً وليس على الانتماء؛ فانه يكون في الحقيقة صراعاً على السلطة، وليس على وحدة البلاد، وهذه مسألة يستطيع الشعب العراقي حلها بالنضال السياسي، وفي صناديق الاقتراع، وبالدستور الديموقراطي. لا مشكلة في نظري بين الوطنية العراقية والعروبة. لكن الذي نسمعه من الموتورين والمعذبين من نظام صدام حسين يذهب مذهباً آخر. هم يعترفون بالوطنية العراقية الشاملة، لكنهم لا يلبثون ان ينكروها بالذهاب إلى القول بحق تقرير المصير لسائر "القوميات" في العراق ـ وحق تقرير المصير ينطبق بالكاد على الأكراد، فكيف ينطبق على غيرهم؟! وارى بالنسبة للعراق أن الوقت مبكر للحديث عن اتجاهات سياسية واضحة. فنحن لا نسمع في الشارع الا حديثاً عن نظام الحكم الاسلامي، ولا نسمع لدى النخب إلا حديثاً عن الفيدرالية، وعلينا أن نحسب حساباً للوطنية العراقية الواحدة فعلاً، كما أن علينا ان نحسب حساباً للمقاومة العراقية الشاملة، والتي تحرر من إسار امراض نظام صدام حسين، وتحول دون استمرار الأميركيين (والانفصاليين الذين معهم) في تخريب ارض الشعب العراقي، ونظام ثقافته وحياته.
كنا نسخر وما نزال من نظام سايكس ـ بيكو، ومن الحدود المصطنعة.
والآن تظهر سدود وحدود وقطائع وأسوارٌ ضمن "الدولة القطرية" التي كنا نلعنها جميعاً. وهذا من مواريث الاستبداد التي حدثنا عنها عبد الرحمن الكواكبي (في طبائع الاستبداد، 1902) عندما قرر ان الاستبداد مفسد للخلُق والدين والدولة، وما لم يقف القوميون العروبيون اليوم في مقدمة الصفوف الداعية للحرية والتغيير والديموقراطية؛ فإنهم سيعتبرون بالمنظور التاريخي مسؤولين عن كل الأنظمة الاستبدادية، وهم مسؤولون بالتالي (مسؤولية جزئية على الأقل) عن ترجرج الانتماء قبل سقوط الأنظمة وبعدها. ولله الأمر من قبل ومن بعد.