المسميات باسمائها في العراق

السيد هاني فحص

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 27 تموز «يوليو» 2003
السيد هاني فحص

     قد أكون مضطراً لطلب العذر على صراحتي، لأننا تعودنا في ظل القمع والاستبداد وازدواجية الظاهر والباطن طلباً للامان، ان نعتمد المراوغة والاخفاء، اي النفاق.

لقد كانت ثورة العشرين في مواجهة المحتل البريطاني بعد الحرب الاولى، شيعية بشراكة ملحوظة من شرفاء السنة. وكان الشيعة فيها خصوصاً والعراقيون عموماً، يحتكمون الى المبدأ في ثورتهم، من هنا كانت الثورة أقرب الى المغامرة في مناصرتها لذاتها، للعراق والعراقيين، في السياق العثماني المنكشف والمتردي، ولو كانت الثورة ذرائعية لما كانت. 

ولكن هذا لا يجوز ان يحجب عنا حقيقة ان قرناً من الدولة الوطنية والقومية في ظل الاحتلال والاستقلال في العراق، كانت بمنزلة العقوبة المتصاعدة كماً وكيفاً لثوار العشرين على ثورتهم. ومصادرة الدولة في العراق تحت سقف الاحتلال وبالتواطؤ معه، من جانب الذين كانوا قد صادروها تحت سقف الدولة العثمانية وبالتواطؤ معها، تسوّغ للشيعة ان يرفعوا مستوى شراكتهم في الدولة الآن الى ما يوازي او يقارب من دون ان يساوي بالضرورة حجمهم وحقهم، ومن دون تحويل مسألة الاعداد الى ايديولوجيا متحجرة، ومن دون إهمالها تماماً في الوقت نفسه، او من دون إهمالها في طرف كرمى لعين طرف لن يفيده بعد الآن أن يكون تمثيله اختزالاً له ومصادرة وتشويهاً لواقعه وواقع العراق.

والشيعة محكومون او منحكمون او محتكمون الى مسلمات في الدين والعروبة والوطنية العراقية، تقيهم شر التورط في الغاء الآخرين والافتئات عليهم، وهم في تجربتهم مع العراق بمن فيه من اهل الاديان والاعراق والطوائف والمذاهب، قادرون على تعدي المعنى الرقمي للاكثرية والاقلية، من اجل الشراكة المتكافئة في معنى الوطن الذي قد يقتضي تنازلاً ما ويحتمل غلبة ما، ولكن لا يتحمل التنازل عن كل شيء والغلبة المطلقة دائماً. 

كأن كلامي موجه الى السنّة في العراق؟

ابداً، واعطونا دولة عربية واحدة من المحيط الى الخليج، او بينهما، لنسلم بحكمها للاكثرية على اساس قومي ديموقراطي: اي دولة ممثلة لافرادها فرداً فرداً، لا لجماعاتها المذهبية او غيرها، مع التنبيه الى ضرورة الاتفاق على قداسة حق الاكراد والتركمان في تقرير مصيرهم، وعندئذ، يندك الخطاب الشيعي في الخطاب القومي. والا فالشيعة يرضون بدولة وطنية عراقية تتجاوز الطوائف والاعراق والاديان الى الافراد بشرط ان لا يحل الحزب القومي القطري الحاكم محل طائفة من الطوائف ضد الطوائف الاخرى، فيظلمها مرتين، مرة بجوره واستبداده العام، ومرة بتمثيله الخادع والقسري لها.

او لا... فدبروا لنا دولة اسلامية واحدة، دولة خلافة او سلطان او ملك او رئيس، من اقطار عربية وغير عربية عدة، يحكمها السنة باعتبار أنهم الاكثرية، وحينئذ يقبل شيعة العراق بنصيبهم العادل وإن ضاقت مساحته قياساً على حجم الدولة وحجم المكون الرئيس لها، ويتنازلون عن بعض حقوقها لا كلها، إيثاراً لسلامة الوجود وسلامة الأمة والدولة، مشترطين المحافظة على سلامة الاشوريين والصائبة واليزيدية، اما ان يكون شعارنا الديموقراطية وحكم الاكثرية باستثناء العراق، فأمر يخالف قوانين الطبيعة وموجبات العدل والانصاف. 

هل هذا كلام طائفي؟

اسارع الى القول هنا بأن الكلام الطائفي، اي الكلام عن حال الطوائف، يكون عيباً اذا كان الواقع غير طائفي. ومن لا يشهد لشيعة العراق أنهم، وبعد عقابهم على ثورة العشرين، قد ذهبوا الى المشروع القومي معلقين عليه آمالهم بالمستقبل؟ حتى كانوا قوام الاحزاب القومية، ومنها حزب البعث، قاعدة وأطراً متقدمة. وفي هذا المجال تفاصيل لا مجال لذكرها، من قبيل ان فؤاد الركابي احد المؤسسين والامين العام للحزب من اوائل الخمسينات حتى اوائل الستينات، قد اكتشف زيف الحياة الحزبية البعثية وتناقضاتها الصارخة مع شعاراتها المعلنة، فاختار الابتعاد الى تشكيل قومي من دون عداوة، فأدخل السجن لسنوات من دون محاكمة، وعندما انتهت مدة محكوميته دخل عليه مجنون، او أدخل عليه في زنزانته رجل أمن إدعى له الجنون وقتله بزجاجة مكسورة!!!

ماذا حصل؟

اختزل العراق بالحزب واختزل الحزب بتكريت واختزلت تكريت بالعائلة واختزلت العائلة بفخذ منها واختزل الفخذ بقدم واختزلت القدم بإصبع. وقتل الشيعة باسم السنة! فبماذا قتل السنة؟ عرباً واكراداً من قيادات الحزب وكوادره الى عشائر الدليم وحلبجة. حتى استحكمت الشبهة التي تشبه الحق والباطل، في وعي العراقي المفجوع، فكاد الاميركي ان يكون محرراً.

وهنا لنا رجاء شديد بضرورة النظر الى السبب لعلاج المسبّب، ونحن لا نعفي السلاجقة من التسبب في العدوان الصليبي، ولا نعفي المسلمين في لبنان، والاحزاب القومية والأممية، والمقاومة الفلسطينية، يمينها ويسارها والوسط، من مسؤولية جزئية لا داعي الى التهوين منها، عن ارتكاب حزب الكتائب للخطأ الذريع في تعامله مع اسرائيل... وليعذرنا أحبتنا في كل مكان اذا ما استغرقنا. وقد كان لا بد للمنصف منا ان يضع نفسه في موضع الفلسطيني حتى يفهم كلام الفلسطيني محمود درويش (وطني ليس حقيبة) والذي دخل من أوسلو الى فلسطين مروراً على الحاجز اليهودي وقال: البيت أهم من الطريق الى البيت. وهذا لم يمنع أن تكون أوسلو التي أعادت محمود درويش الى بيته مقدمة للانتفاضة ولولاها لما كانت الانتفاضة، او كانت على غير ما هي عليه.

ونستغرق اقتراباً من الوجع العراقي الذي فاض وأوغل في الدم حتى جعل تعريب العراقيين الآن بحاجة الى جهد مضاعف ومضنٍ وغير مضمون النتائج، وهم معذورون لأنهم يعلمون ان فينا الآن من يعتبر ان المجازر الجماعية في العراق هي اختراع اعلامي اميركي! وفينا من اهتموا مشكورين بحقوق الانسان في الدنيا، ما عدا العراق الذي لم يكن له حق في أن يبكي قتلاه او يدفنهم!

ويسألونك عن كربلاء والنجف؟ وعما اذا كان الشيعة في العراق يؤسسون سلطتهم او يستعيدونها؟

إنهم يستعيدون ارواحهم واجسادهم، وما ذنبهم اذا ما اكتشفوا، بعد طول إيثار وتخل وإغضاء وتهميش، ان السلطة شرط الوجود والحياة والكرامة، ومن كان يريدهم ملائكة، بلا مطامح، فليقدم لهم مثالاً من ذاته في ذاته. اننا لا نعتبر الرفض اسلوباً وحيداً للاعتراض، ونشترط على أي معترض مراعاة مصلحة الناس والوحدة، ونتنازل مع الإمام الحسن ولم يكن التنازل ممكناً ليزيد، وبعد الحسين رسمنا اولوياتنا الامامية بشكل مختلف، ولا نعتبر السلطة شأناً سلبياً او معيباً، ولكننا نشترط لها العلم ونشترط عليها العدل، الذي اذا ما كان استثناء او فيه استثناء لم يعد عدلاً. يقول علي في كتابه الى الأشتر النخعي: "ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً، تغتنم اكلهم، فهم صنفان، فإما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق".

اما كربلاء فلأنها مكانهم الاهلي الآهل بدمهم الموروث بما فيه من كثافة الاحتجاج ضد الجور والانحراف، يمارسون فيها لياقاتهم السلمية وحزنهم الجميل الذي لم يبق لهم غيره تعبيراً عن الفرح بالحرية.

واما النجف، فلأن فيها المرجعية التي تقوم على العلم والاستقامة، ولا يجدي فيها إعلام او اعلان او رهط او عصبية او مال، لأن الاستقلالية هي حجر الزاوية في عمارتها، والمرجعية التي استحقت وصفها من نزوعها الدائم الى الجمع بين الذاكرة ووعي الحاضر واستشراف الغد، وتجمع المعاصرة الى الاصالة، والديموقراطية الى التوحيد والوحدة، وتبحث دائماً عن معادل التوحيد في الوحدة، وتجمع الشريعة الى الحياة والعقل الى العقيدة، والثابت الى المتغير، وتضبط الانفعال والتوتر بالايمان والاحتياط في المال والدم والعرض والوطن. ويتسع قلبها للجميع، وتؤثر التنازل في النزاعات الداخلية تجنباً للصراع، وتشعر بالربح، وتؤثر الحكمة والروية والرؤية والممانعة والمعاندة في الصراع مع الخارج، لا إيثاراً للسلامة، بل عملاً بقول علي: "ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع في غير ارض".

لندع اذن شيعة العراق وسنته، أكراده وعربه وتركمانه، مسلميه ومسيحييه وصائبته ويزيدييه، يعالجون واقعهم بأدواتهم. وقد عودنا العراق على ان ينشط في انتاج المضادات الحيوية الكافية لسلامته، كلما ارتفعت حرارته في زمن الاوبئة. لقد سلم العراق رأياً ورؤية من وباء الاحتلال الوطني، وهو على السلامة الآن أقدر وللمستقبل الديموقراطي التعددي على نصاب الوحدة واساس المواطن أليق. 

أنا هنا لا أتحسس شيعيتي بمقدار ما أميل الى الالتزام بطرائق المعرفة (الإناسية) في فهم جماعتي التي لا تختزلني، ولكني لا أعافها، ولا أتنصل منها لأثبت أهليتي الوطنية او عروبتي او اسلاميتي العابرة للمذاهب والطوائف والعائدة الى مذهبيتها قهراً وعلى عصبية وانغلاق أشد في نهاية المطاف. واذا ما كنا متفقين على ان وعي الهوية المركبة هو القوام الحقيقي الذي يجنبنا الانزلاق الى مهوى الاحادية القاتلة، فاسمحوا للشيعي الآن، والى ان تصبح حالنا غير حالنا، ان يمر بشيعيته، ان يستوعبها لتجاوزها، لا ان يهجرها او يتخطاها متوهماً ان من حقه ان يشترط على الآخر ان يتخطى خصوصية من خصوصياته حتى يقبله.

اذن فلا نصل الى قبول بعضنا بعضاً الا عراة، من دون ان نكون قد أعددنا لأبداننا، لمفاتننا وعوراتنا، ثياباً لائقة، غير بالية، كالتي استوردناها مستعملة مرة من يوغوسلافيا وأمثالها، ومشوّهة، نحن شوّهناها، ومرة اخرى من المانيا وايطاليا، وتناسينا، اوَلم نقرأ أن الوحدة التي أقامها بيسمارك، لم تقم على ذراعه وقفّازه وجزمته فقط، بل أقامها على حرية الاطراف واختيارهم والحفاظ على خصوصياتهم.

اما من يظهرون الخجل المراوغ من الكلام الطائفي ويزيدون الطائفية أواراً ورسوخاً تحت يافطة القومية والوطنية، فما عليهم الا ان يدلونا على بلد في العالم خالياً من علامات طائفية كثيفة او خفيفة، بدءاً من الاتحاد السوفياتي سابقاً الى الاتحاد الروسي لاحقاً وانتهاء ببريطانيا.

إن هذا لا يمنع، بل يقتضي ان نطور البنيان الاجتماعي بالسياسة من الداخل، بالدستور والقانون والاختيار الحر وقبول الآخر كما هو، وكل تقدم او نهوض او استقلال او سيادة، شرطه الاول داخلي، والقول بغير ذلك استقالة لأنه عجز او تعجيز، اي خيانة. على ان التطوير لا يعني الالغاء ولا يتم عبره، ان الالغاء لا يؤدي الا الى تفاقم الجنوح الى الانفصال وتعزيزه، اذن فلا بدّ من تسوية تحتاج لاحقاً ودائماً الى تسوية اخرى. إنه جدل الحياة والاختلاف التكاملي.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic