|
كنت حريصاً، غاية الحرص، على الاحتفاظ لنفسي بقرار اتخذته، ذات عام بعيد نسبياً، والتزمت حكمه بدقة، في ممارسة عملية ثابتة ترجمة لخيار ذاتي رأيتني انحاز اليه عقب سلسلة من التجارب المتعاقبة. من هنا آثرت كتمانه اعتقاداً مني بأنه شأن شخصي محض لا يصح الجهر به احتراماً لخيارات الآخرين، المثقفين بخاصة، ونأياً بنفسي عن الادعاء بصواب خياري دون غيره.
لقد حافظت على أمانة الكتمان طويلاً الى ان طالعني مقال الصديق الياس خوري الاسبوعي في موقعه، الاثير عندي، من ملحق "النهار" الصادر في 13 تموز 2003 فوجدتني، فور الفراغ من قراءته، اميل الى البوح بما كتمته في سريرتي لما تولّد عندي من اقتناع بضرورة الخروج من الخاص الى العام.
ومن باب التوضيح أرى لزاماً عليّ العودة الى ذلك القرار الذي اتخذته، ذات عام والتزمت حكمه طويلاً لكي اقول بأنه يتصل، اتصال النتيجة بسببها، بمضمون الموضوع الذي انعقد عليه المقال، الآنف الذكر، وهو تحديد الموقف من حمّى التسابق الذي تلجأ اليه انظمة الحكم العربية لاستدراج المثقفين الى الاشتراك في اعمال المؤتمرات او الندوات او الاحتفالات التي تعقدها، على مدار السنة، في مواسم متصلة الحلقات.
حيال هذا الامر وجدتني محكوماً باتخاذ موقف محدد فكان ذلك القرار الذي رتّب عليّ فريضة الامتناع عن الاستجابة لأية دعوة توجّه اليّ من قبل ادارة، سافرة او مقنّعة، من ادارات هذا النظام العربي او ذاك. وأزعم، في هذا الصدد، أن هذا الموقف المحدد لم أتخذه تأثراً بمشاعر ذاتية او ميلاً الى نزعة رفض طفولي بل اتخذته استناداً لجملة من الاسباب الموجبة بلغة اهل القانون... فقد توافرت لديّ هذه الاسباب، تباعاً، من حصاد تجارب شخصية خضت غمارها، في مواسم ضيافة سخية، ملبياً دعوات متفرقة موجهة اليّ من قبل ادارات رسمية، تحمل اسماء ثقافية او سياسية، وتقوم في خدمة الانظمة في سبعة اقطار عربية من ذوات الشهرة الواسعة في حرفة الاكثار من عقد المؤتمرات والندوات والمهرجانات تحت عناوين شتى تستدعيها المناسبات، وما اكثرها، او تقتضيها اولوية طارئة من اولويات هذه السلطة العربية او تلك.
في ضوء ما تحصّل لديّ من حصاد تلك التجارب الشخصية ظهرت لي بجلاء مقاصد السادة الداعين الى هذه الاجتماعات المختلفة فهي لا تعدو كونها سبلاً ميسّرة لاقتناص شهادات بليغة من وفود المدعوين، بتزكية النظام العربي الداعي وتغطية مدروسة على ما يقترفه من آثام في حق الوطن والمواطن وما يرتكبه من انتهاكات في حق المبادئ والقيم، وصولاً الى الاشادة بمآثر السادة القائمين بشؤونه على كمال صنيعهم في صيانة الحريات وتعزيز الديموقراطية وتطوير حركة التنمية والانتصار لحقوق الانسان؟!
لعلّني لا أقع في المغالاة اذا ما ذهبت الى القول بأن الغالبية العظمى من تلك المؤتمرات التي دُعيت الى الاشتراك في اعمالها كانت منطوية على تلك المقاصد السلطوية التي لا تستهدف الاّ إخفاء معالم الاستبداد للنظام السياسي السائد والعمل على تجميل صورته، امام عدسات الاعلام، بأحدث مبتكرات صناعة التجميل المتطورة... ولكن مهما افتنّ المخرجون في تظهير الصورة المتوخاة، خلال اشتباك الحناجر، فسرعان ما يفتضح أمرهم، في الغالب، إبان صوغ البيان الختامي اذ لا مفر، امامهم، من "تجميل" النص بالقليل او الكثير من توجيهات السيد الداعي "السديدة" ومن الاتيان على ذكره بما يليق، من عاطر الكلام، بمقامه السلطوي العالي، وهنا لا مندوحة، للسادة المدعوين عن القيام بواجب الشكر والامتنان لسيادته على جميل رعايته وكريم ضيافته وعلى نبل مسعاه من اجل خير الأمة وإعلاء شأنها بين الأمم!
في ضوء هذا الواقع الماثل تراءت لي تلك الاجتماعات الاحتفالية مجرد اسواق للكلام العمومي الرائج وهي تتناسل بكثرة متزاحمة على منابر السلطات في العواصم العربية، حيث تجري عادة، مراسم الافتتاح برعاية السادة الحكام او من ينوب عنهم من افراد البطانة المقربين...
تلك هي الصورة التي تكاملت، تباعاً، في نظري لأسواق الكلام العربي المجاني الأمر الذي دعاني الى القيام بفريضة الامتناع عن الخوض في المزيد من التجارب الخائبة...
وهنا أقف قليلاً وأستوقف لأستعيد اشارة مرّ ذكرها تفيد بأني لا أدّعي الصواب لموقفي هذا دون غيره برغم أني التزمته بأمانة ولما أزل على العهد. ولعل هذا الامر يشفع لي، عند المثقفين تعييناً، في مساءلتهم عن موقفهم الحقيقي من هذه الظاهرة المتفشية في دنيانا العربية، أعني ظاهرة الثقافة الاحتفالية التي تتسابق على ترويجها انظمة الحكم لا رغبة منها في معالجة الواقع العربي مما يكابده من اوصاب مستفحلة او في تعزيز المناعة الداخلية في مواجهة التحديات الخارجية متمثلة في استهدافات مشروع الهيمنة الاميركي - الصهيوني... بل رغبة منها في استيعاب صوت المثقف وامتصاص غضب المواطن ليسعها، بالتالي، صرف الانظار عن رؤية قبائحها الناجمة عن طبيعتها الاستبدادية وعن تبعية انقيادها الذليل للخارج...
لا أتوجه بهذه المساءلة الى مثقف السلطة، وهو حاضر، دائماً، في كل عصر ومصر، بل أتوجه، تحديداً، الى المثقف النقدي الذي يستفزه ويستثير غضبه تخاذل النظام العربي وتساقطه حيال ما جرى ويجري على ارض العراق وفلسطين من ضروب العدوان الهمجي لقوات الاحتلال الاميركية والاسرائيلية. وحيال ما يتهدّد الوجود العربي والثقافة العربية من مخاطر السطو والهيمنة.
واذ أتوجه بالمساءلة الى هذا المثقف، تحديداً، فلكونه يجسّد، في يقيني، ارادة الرفض لكل محاولات السلطة لاستيعاب صوته النقدي كما يجسّد روح المقاومة في مناهضة الثقافة الاحتفالية الذيلية في سياق مناهضة حكم الاستبداد والتبعية.
انطلاقاً من ذلك الا يصح القيام بتوجيه دعوة الى إبرام عقد جماعي بين مناصري الثقافة النقدية ينص، في متنه، على مقاطعة المؤتمرات وأخواتها التي تدعو الى عقدها هذه الادارة الرسمية او تلك من ادارات النظام العربي تعبيراً ريادياً مجزياً عن الموقف المبدئي من هذا النظام المدان؟
ترى أليس في مضمون هذه الدعوة ما يستدعي، في الاقل، نقاشاً ديموقراطياً مجدياً؟