لم تعد بتغرين تلك القرية الوادعة المضيافة التي شرّفها رمز وحدة البلاد في الأمس القريب تقديراً لعطاءاتها المسهبة في حفظ الأمن، ومطاردة عبدة الشيطان، ودرء خطر التوطين. لم تعد تلك القرية الهانئة، التي يفتي كبيرها بديموقراطية شفافة لا حاجة بها الى ستار. بين ليلة وضحاها، قررت القرية أن تدافع عن نفسها. عصت بتغرين. عصت دولة بتغرين على الدولة. عصى رأس الهرم على نفسه.
أبت بتغرين أن يتطاول السياديون المزعومون على سيادتها. يمكنهم الغداء في مكان آخر. جرى التخوف من أن يفسر غداء القرنة في القلعة كاستفزاز لمشاعر أهل البلدة، ولذكرى الزيارة الحميدة التي شرفتهم قبل أسبوع. جرى التخوّف من أن يفسر الأمر كاستفزاز لمار الياس نفسه. جرى التخوّف من عناصر غير منضبطة قد تشوّه طبيعة الغداء، فاتحد الأمن الوقائي بالأمن الغذائي.
القرية الوادعة عصت. عصت بتغرين. قطعت كل الطرق التي تصلها ببقية أنحاء الوطن. انتشر “فدائيو الحركة الانمائية” على المداخل، وفي الأزقة والبساتين، متوعدين الأعادي أنهم لن يمرّوا. هكذا تكون “اللامركزية الادارية” أو لا تكون.
لم تأتها الحجة من سلمان الفارسي قبل أربعة عشر قرناً أو من بن لادن في آخر تسجيلاته، إلا ان بلدة بتغرين استعدت لمعركة الخندق، وحفرت في الصخر كي لا يهتز فوق رأسها الجبل. ما تمنعت عنه بغداد، أقدمت عليه بتغرين. لم تحط حدود المتن الشمالي حتى الآن بجدار واق، الا أن الاستفزاز المشبوه تحطم عند أسوار بتغرين الاعتبارية. انها بالفعل اسم على مسمى، عرين، ستالينغراد أخرى، ديان بيان فو ثانية. فهي ليست قرية كسائر القرى. انها القرية القرية، عاصمة “اتحاد بلديات المتن”، وأكثر العواصم نبوغاً وطلاقة في كونفدرالية “الجمهورية الثانية” التي يحاكم البعض من أبنائها بتهمة “الفدرالية”.
سيفخر التاريخ اللبناني الموحد بحادثة بتغرين “كجريمة عزة وشرف”. سيحفظها ضمن مسلسل تمزقات العائلة التشكسبيرية التي لا تنتهي، من صراع الشقيق مع شقيقه، وإبطاله عجباً نيابته، ثم إقفاله جوراً، محطته، الى الابنة المسكينة، التي ساعة يسحب ترشيحها وساعة يعاد، الى الابن الذي استعاد، مناورة، لعبة متنية سابقة، غير أنه بدّل قاعدة اللعب، فصار الأب هو المتبرّم من “الصيغة”، وصار الابن هو الحكيم الداعي اليها والى فضيلة المتن بجناحيه.
سيفخر التاريخ اللبناني الموحد أيضاً بسلطة استنكارية تعكف حالياً على إجراء “التحقيقات اللازمة لمعرفة ملابسات الحادث” مثلما عكفت على هذا النوع من التحقيقات في أعقاب موقعة العدلية في آب 2001، وموقعة تلفزيون المستقبل قبل شهرين.
حتى الآن، تمكنت السلطة من إلقاء القبض على متهم واحد هو النبي أشعيا. سمعته السلطة ينشد: “أي شيء يعمل للكرم وما عملته لكرمي؟ فلماذا أثمر حصرماً برياً حين انتظرت أن يثمر عنباً”. وضبطت في محفوظاته آية: “ويل للذين يدعون الشر خيراً والخير شراً، الجاعلين الظلام نوراً والنور ظلاماً، الجاعلين الحلو مراً والمر حلواً”.
الحرية، كل الحرية، لاشعيا النبي.