بيـار حلـو
“الحلقة” الأخيرة ... من حياة حافلة

عماد مرمل

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 4 آب «أغسطس» 2003
بيار حلو

     عندما اتصلنا بالنائب بيار حلو، الثلاثاء الماضي، لدعوته الى المشاركة في حلقة حول الوضع الاقتصادي الاجتماعي ضمن برنامج “حديث الساعة”، على شاشة “المنار”، كان تجاوبه سريعاً وحاراً، لرغبته في “الفضفضة” علّه يستريح... وبالفعل قال حلو كلمته الوصية، ومضى... 

وكانت الإشارات الأولى “وغير المفهومة”، لما سيأتي بعد أيام، قد ظهرت عندما أبلغنا حلو ان القدر ساعد على قبوله الدعوة التلفزيونية “إذ إنني مرتبط بمواعيد يومي الأربعاء والخميس، وسأسافر صباح السبت في رحلة طويلة، ولا فراغ في مفكرتي سوى مساء الجمعة، (موعد البرنامج)، ولذا يسرني أن أكون معكم لأقول ما لدي لأن الحالة لم تعد تطاق”، ولكن القدر كان حينها يلعب لعبته، وكنا مجرد بيادق فوق رقعته. 

صباح اليوم التالي، رن جرس الهاتف وكان على الخط الآخر حلو، فسألني بعد “التحية البشوشة” عن محاور الحلقة التي كانت ستجمعه الى النائب عبد الله قصير ومستشار وزير المال أديب فرحة. 

شرحت له أن النقاش سيتناول سياسة زيادة الضرائب والرسوم، ووضع الكهرباء، ومصير الخصخصة، وملف الهاتف الخلوي... فاشتدت حينها حماسته للمشاركة وأسرّ لي بأنه سيكون حازماً وواضحاً في تناول هذه الملفات، “لأنه لم يعد يجوز السكوت عما يجري”، وأردف قائلا: أنا في العادة لا أحبذ الظهور في ندوات تلفزيونية تضم مناصرين للحريري، ولكنني هذه المرة عدلت عن موقفي لأن لدي الكثير من الأسئلة المحيرة التي أتمنى أن يجيبني عليها أديب فرحة باعتباره مستشاراً لوزير المال، وفي طليعتها: كيف سنتمكن من تسديد الدين العام الذي بلغ أرقاماً مخيفة؟ 

وقبل أن يقفل الخط، تجلى النقاء الداخلي للنائب حلو بقوله: ربما بدوت خلال كلامي معك غاضباً ومحتداً، لأن طريقة التعامل الرسمي مع القضايا الاقتصادية والاجتماعية تستفزني، إلا أنني سأحرص خلال الحلقة على أن أكون مهذباً، حتى لو أنني أخالف فرحة في آرائه. ثم أضاف وقد علت مسحة من الخجل نبرته: أنا سأضطر الى أن أؤدي بعضاً من دورك خلال البرنامج، لأنني سأشاركك في طرح الأسئلة على فرحة، لعله يقدم أجوبة شافية على ما يحيرني.. فلا تؤاخذني...”. 

مساء الجمعة، وقبل ساعات قليلة من موعد الحلقة عاود حلو الاتصال بي مستفسرا عن الألوان التي تقبلها الكاميرا، لمعرفته بأن الأزرق هو من الممنوعات في البرنامج بسبب طبيعة ال”كروما” المستخدمة في الديكور، وقال لي: ما رأيك بقميص زهري اللون، مع بدلة كحلية؟ أجبته بأنه خيار جيد، فرد مازجاً العتب بالابتسامة: أنا أحبذ القميص الأزرق الذي أفضله على غيره، إلا أنني سأتنازل عنه هذه المرة.. ثم ودعني على أمل اللقاء عند التاسعة مساءً في مبنى “المنار”. 

التاسعة تماماً، وصل حلو الى مقر التلفزيون حيث صافح مستقبليه ترافقه ابتسامته المعهودة “وبراءته المعتقة”، التي لم تنل منها 75 سنة من العمر الحافل بالتجارب السياسية والشخصية. 

في الصالون الجانبي المحاذي للأوستديو، استوى حلو في مقعده وراح ينتقد بقسوة الأحوال الراهنة، مشيراً الى أن الناس باتوا ضحية السياسات الخاطئة، ولم يلبث أن سأل عن مدة الحلقة وكأنه كان يريد أن يطمئن الى أنها ستتسع لكل ما ينوي أن يبوح به. 

بعد اكتمال “النصاب” مع وصول قصير وفرحة، انتقلنا جميعاً الى الأستوديو، وأخذ حلو مكانه، فيما كان يبلغنا أنه سيسافر صبيحة اليوم التالي الى الولايات المتحدة وكندا في رحلة طويلة بعيدة عن السياسة، لكن سرعان ما لاحظنا أنه يتعرق ولما سألناه عن السبب، أجابنا: “لقد ازداد وزني مؤخرا. والأرجح أن العرق الزائد ناتج عن ذلك.. ثم مسح جبينه بمحرمة وانتظر ساعة الصفر. 

وما هي إلا دقائق قليلة حتى بدأ حلو يخاطب الجمهور، مباشرة على الهواء، قائلا: “عندي مأخذ على الوضع الاقتصادي والمعيشي والاجتماعي والمالي، وأنا ألوم الحريري لأنه هو المسؤول وكذلك كل من وافق على السياسة المالية التي اتبعها”، وأضاف: “ان الدين العام الذي وصلت إليه البلاد تجاوز مع الحريري حسب معلوماتي عتبة ال35 مليار دولار بعدما كان مليارا وأربعمئة ألف دولار، ولكن فلنقل 32 مليار دولار حسب ما يقول الدكتور أديب فرحة”. 

واستغرب حلو أنه عندما تم استدانة هذا المبلغ لم يتم التفكير في طريقة رده، وأضاف “أنا بدي أعرف شو السياسة المتبعة، كان هناك في الماضي سياسة هدر، انتقلنا بعدها الى السرقة ووصلنا الآن الى النهب”. 

وقال حلو في معرض رده على أسباب مشاركته في الحكومة “أنا جئت الى الوزارة عام ألفين ووافقت على البيان الوزاري على أساس خفض الدين الذي كان وقتها بحدود 24 مليار دولار، ولكنه زاد من وقتها حتى الآن نحو 8 مليارات دولار، وبالتالي لم يطبق البيان الوزاري وأنا عارضت عدم تطبيقه”. 

وقبل إصابته بالعارض الصحي الذي أدى الى وفاته ختم مشاركته في الحلقة بالقول “سؤالي لم يجب عليه أحد حتى الآن وهو أنه وصلنا الى هذا الدين الآن ولكن من سيخرجنا منه؟”. 

في الجزء الثاني من الحلقة، وبينما كان أديب فرحة يشرح السياسة الاقتصادية الاجتماعية المتبعة، أصيب وجه حلو بشحوب شديد وراح يتنفس بصعوبة قبل أن يهوي على الطاولة ويغيب عن الوعي، ما اضطرنا الى وقف البث والمسارعة الى تقديم الإسعافات الأولية له بمساعدة أحد موظفي “المنار”، من أصحاب الاختصاص في الإسعاف، فاستفاق حلو من غيبوبته للحظات قليلة كانت كافية لسؤاله عما إذا كان يتناول دواءً معيناً يفترض أن يستخدمه الآن، فأجاب بالنفي وطلب إحضار مرافقه، قبل أن يغيب مجددا عن الوعي. 

في هذه الأثناء كانت قد وصلت سيارة “الهيئة الصحية الإسلامية” التي تولت نقل حلو الى مستشفى “بهمن” القريب، وفي طريقه الى “غرفة الطوارئ”، تقيأ الوزير السابق وفتح عينيه قائلاً: لا تخافوا.. صحتي جيدة، ثم بدأ الفريق الطبي المختص العلاج وإجراء الفحوصات الضرورية، بينما راح محبو حلو يتوافدون تباعا الى المستشفى التي تواجد فيها نائبا “حزب الله” عبد الله قصير وعلي عمار وإدارة “المنار” الى جانب أفراد عائلته وأصدقائه الذين كان بعضهم يأتي للمرة الأولى الى الضاحية الجنوبية، فكانت مناسبة للتعرف الى “الآخر” عن قرب، وإعادة اكتشافه. 

لقد أكد حلو، وهو في أحرج الأوقات، أنه من أبرز القواسم المشتركة بين اللبنانيين، وكان في مماته، كما في حياته، رمزا ومرآة للعيش المشترك الذي تحول الى حقيقة ملموسة، بعيداً عن الافتعال والتصنع، عندما اكتظت المستشفى بمحبيه الذين أمضوا الليل متجاورين، على تعدد انتماءاتهم الطائفية، وكل منهم يصلي على طريقته من أجل نجاة من يحبون. 

ووصل الى المستشفى لاحقاً الطبيبان الشخصيان لحلو، الدكتوران سمير علم وسمير عطوي للمساعدة في محاولات الإنقاذ التي لم تثمر بسبب تتالي نوبات الكهرباء الدماغية، التي أدت الى توقف القلب عن الخفقان مرات عدة، قبل أن يفارق النائب حلو قرابة الثانية والدقيقة الأربعين فجراً، وسط حالة من الذهول والأسى، تاركاً فراغاً كبيراً سيكبر على الأرجح مع الأيام.
 


بيار حلو لحظة فقدانه الوعي "على الهواء" في "المنار"
أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic