"تعي تفرجي يا زينب... عم يصور"

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الثلاثاء، 5 آب «أغسطس» 2003

(إلى خليل الصغير 
.. الذي يعرف بنت جبيل أكثر مما أعرفها)

 
"يا زينب... تعي تفرجي، عم يصور". امتد حبل الكلمة الاخيرة طويلا وأصابني في عنقي من الخلف. تقوصت كتفاي وانكمشتُ على نفسي. صباح الخامس والعشرين من ايار سنة 2000. يوم التحرير. وأنا في بنت جبيل للمرة الاولى في حياتي.. ماذا أفعل؟ احمل كاميرا وألتقط صوراً لبقايا بيت عتيق. تعي تفرجي يا زينب... كانت تنقصني قبعة القش الاغترابية... يا الهي ما أغباني... 

...كيف تبحث عن علاقتك بمكان تطأه قدمك للمرة الاولى؟ بنت جبيل كانت سطح قمري الخاص بي وحدي... اختزنتها في ذاكرتي فكرة مجردة. لا أقدر حتى على وضعها في صورة. مجرد كلمة مركبة لم أتعب نفسي بالتعرف على أصلها، وأعطيتُ لنفسي، على الرغم من ذلك، حق بناء علاقة حميمة ومتينة معها. سطح قمري الذي أحلم بالنزول اليه في يوم لم أنتظره، وحين سقط بغتة تحضرت له بكل عواطفي ومشاعري، فإذا بي أصير فرجة لزينب وللصوت الذي يناديها... للصوت الذي كان يطلعني على لهجتي المفترضة... وقد كنت قبله أظن أني أتقنت اللهجة بجهدي البيروتي. 

تعي يا زينب. شعرت أن بنت جبيل كلها تحدق في ظهري. وسمعت بنت جبيل تحكي معي: ماذا تفعل يا عاق. ايها الابن الغريب. ما هذا الذي استهواك في جسدي حتى رحت تلتقط له الصور؟ ماذا تعرف مني؟ تجهل كل الأسماء هنا، كل المطارح... صف الهوا كلمة ستتعرف عليها لاحقا... هناك في ديربورن، والى الان تجهل غيرها... ما عدا تلك الكلمة المكتوبة على بطاقة هويتك: حي الجامع. "وين حي الجامع؟" يا له من سؤال ذكي. عِشْت. أنظر. ستنزل آلة التصوير من أمام عينك وترفع رأسك قليلا لتبحث عن مئذنة، وحين تجد المئذنة، يا ولدي، ستذهب اليها فتجد هناك جامعا... هناك يقع حي الجامع. هيا. اذهب. ستجد كل ذاكرتك في الحي. هناك لم تقع أرضا ولم تبك ولم تجرح ركبتك ليترك الجرح أثرا لا يمحى. هناك لم تركض مع اولاد الحي ولم تتقاتل معهم ولم يفدغ رأسك حجر. هناك لم تفعل شيئا. اذهب وابحث عن حي الجامع. ولا تنسَ يا تقبرني أن تبحث بطريقك عن رائحة الضيعة. أتيت وفي بالك أن تجد رائحة الضيعة. للمناسبة، لا أحسدك على ذائقتك للعطور. من قال لك إن رائحة روث البقر هي عطر القرى؟ تريد هذه الرائحة محفزا لذاكرتك كي تسترجع قريتك؟ ذاكرتك تخونك يا ولدي المسكين. للبقر رائحة ليست مستساغة، وقد شممتها عرضا... في مرور سريع بقرى أخرى تجهلها. فلا تأتيني في آخر النهار مفتونا بعطر البقر وببقايا البيت المهجور. أنت من دون ذاكرة هنا، فلا تخلع علي ذاكرتك السياحية... التقط صورك واجلد نفسك بالفرجة وباللهجة الهجينة... ثم غادر. بعد قليل ستغادر. ما تنساني. ابقَ عيدها... ارجع بعد ثلاث سنوات. مع أخيك الآتي من أميركا والذي كان صادقا في مشاعره نحوي. لم أعن له الكثير لأنه لم يرني من قبل... لكنه أطال الوقوف في "شقرا". هناك أمضى بعض سنوات عمره ولدا. كانت عيناه تلمعان وهو يبحث في جغرافيا الشوارع والبيوت التي تغيرت. هنا ركب على الحمار. هناك كانت حقلة الفول. هنا ربط خروفه الصغير. وفي تلك الحقول لعب الخروف وكبر وضاع ثم عاد. لمعت عيناه في "شقرا" ولم تقولا شيئا في بنت جبيل. لكنهما كانتا صادقتين ولم تجربا التقاط الصور. عيناك كانتا تحاولان لكنهما عجزتا عن الفهم فاستعانتا بكاميرا تصوير. أعلم أنك تحبني... ولكنني أعتذر. فأنا لا أقدر على فهم حبك لي وأنا لا أعرفك... أنا قمرك الذي ستزوره مرة واحدة وستكون خطوتك هنا كخطوة نيل آرمسترونغ هناك... من غير ذاكرة... من غير فضاء ومن غير عطر. أعتذر لأنني لم أعطك شيئا. فأنت تجهل ما الذي تريده مني. غادر يا حبيبي. غادر. لا تشعر بأي ذنب. لست عاتبة عليك. هي حكاية عمرين لم تشأ أقدارهما أن يمضيا العمر سويا. غادر... وعد في المناسبات البعيدة... 

"... تعي تفرجي يا زينب.. عم يصور... إيه صور صور... فوت صوّر جوا كمان... في كنز جوا... تعي يا زينب... عم يصور الخربة. تعي تفرجي".

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic