عودة إلى “نظرية المؤامرة”

جوزف سماحة

جريدة السفير (لبنان)

الجمعة، 8 آب «أغسطس» 2003
Joseph Smaha - جوزف سماحة

     بعد تفجيرات 11 أيلول سادت المنطقة العربية تفسيرات عديدة. من قائل إن العملية مدبرة من جانب “الصهيونية العالمية” بدليل غياب آلاف الموظفين اليهود عن مبنى مركز التجارة. ومن قائل إن أجهزة أميركية معينة سهلت لإرهابيين الأمر لغايات في نفسها داخلية وخارجية. ومن قائل إن مخابرات تملك خبرات هائلة استخدمت مجهولين للثأر من الولايات المتحدة. ومن قائل إنه في حال كان تنظيم “القاعدة” هو الفاعل فذلك لا يعدو كونه تواطؤاً بين أسامة بن لادن وأرباب عمله السابقين. 

ويمكن لأي استفتاء للرأي اليوم ان يظهر وجود نسبة عالية بين العرب والمسلمين ترفض نسبة التفجيرات إلى جهة معنية فعلاً بالصراع ضد الولايات المتحدة. وثمة مسؤولون عرب يمتنعون، عند الكتابة أو التصريح، الجزم في هوية الجهة المسؤولة. 

لقد شكلت هذه الروايات مجالاً خصباً للحديث عن الوعي الخرافي عند العرب، وعن تعلّقهم بنظرية المؤامرة، وعن ميولهم الطفولية إلى انكار مسؤوليتهم. قيل الكثير عن الخلل في العلاقة مع العالم، وعن العجز عن فهمه، وعن إدارة الظهر له، وعن الامتناع عن رؤية حقائق دامغة لا تترك مجالاً للشك. 

ولما انبرى بن لادن ليتبنّى، ولو بشكل موارب، العمليات استمر الاصرار، ولو بعناد أقل، على ان الحقيقة في مكان آخر. وكذلك ازدادت الشبهات في الدور الذي يلعبه هذا الرجل وتعززت من رفض واسع للتصديق بأن أميركا وجبروتها عاجزة عن وضع اليد عليه. 

ان اندفاع قطاعات شعبية واسعة لتبني “نظرية المؤامرة” يستحق وقفة لا تكتفي بإدانة متعالية تلغي أي محاولة للفهم. 

صحيح ان التعلق بهذه الروايات يخالف العقلانية الباردة، ولكن الصحيح، أيضاً، ان التدقيق فيها، والقراءة بين سطورها، يقودان إلى اكتشاف رسالة أخرى تحاول هذه “الخرافات”، بتلعثم، قولها. 

لقد استشعرت هذه القطاعات ان التفجيرات لن تصبّ في مصلحتها، وانها ستلحق أذى بقضاياها، وحاولت، عبر التلفيقات المشار إلى بعضها، التبرؤ منها ونسبتها إلى خصومها. وبما ان هذه المشاعر ليست صافية، إذ تداخلها مواقف عدائية من العداء الأميركي للعرب، فإن النتيجة كانت خليطاً عجيباً من الشماتة والانكار وعدم الاستقرار على رأي. 
 

**********

     تنشر الزميلة “الشرق الأوسط”، منذ يومين، تلخيصاً لكتاب عنوانه: “استراتيجية القاعدة... الأخطاء والأخطار”. واضع الكتاب هو عضو مجلس شورى الجماعة الإسلامية المصرية عصام دربالة. والجماعة، كما هو معروف، من التنظيمات الاصولية الراديكالية التي مارست العمل المسلح العشوائي قبل ان تعلن مبادرة لوقف النار لم تُخرِج قادتها، ومنهم دربالة، من السجون. ولقد تميزت، في الأسابيع الأخيرة، بإدانة تفجيرات الرياض والدار البيضاء المنسوبة إلى “القاعدة”. 

جاء في الكتاب، نقلاً عن “الشرق الأوسط”: “ان استناد القاعدة على سلبية الاستراتيجية الأميركية تجاه العالم الإسلامي وقضاياه لتبرير خيارها الاستراتيجي لا يلح الاحتجاج به أو الاستناد إليه، لأن استراتيجية القاعدة هي، في الحقيقة، أهم عامل أسهم في تسريع وصياغة تلك الاستراتيجية الأميركية السلبية، ولأن استراتيجية القاعدة أهدرت الفرصة السانحة كي تستفيد من معطيات الوضع الدولي”... يضيف الكتاب: “فالقاعدة عندما صاغت استراتيجيتها بإشعال مواجهة وحرب على أساس ديني لم يكن ذلك في مواجهة حرب صليبية معلنة تجري على قدم وساق كما يدعون. ولكن سياسة القاعدة هذه أسهمت في تعزيز التيارات الصليبية والمعادية للإسلام في أميركا والغرب بما جعل صوت دعاة الحرب الشاملة على الإسلام أكثر حضوراً وحظوظاً”. 

يستطرد الكاتب في مناقشة “القاعدة” وأفكارها وبرامجها وعملياتها ويستعرض الاضرار الجسيمة التي خلّفتها خاصة لجهة توسيع جبهة الاعداء وتأليبهم وعزل المسلمين. والخلاصة شبه المعلنة، وهي مهمة لأنها صادرة عن هذا الطرف بالتحديد، هي ان “القاعدة” تلعب بين يدي التطرف الأميركي. لا يتهمها بذلك، ولا يتبنى “نظرية المؤامرة”، ولكنه ينبهها إلى ذلك ويلقي ضوءاً مختلفاً على “نظرية المؤامرة”. 
 

**********

     مايكل ليدين واحد من النواة الصلبة لمنظري “المحافظين الجدد” في الولايات المتحدة الأميركية. لا يأتمر البيت الأبيض بأمره طبعاً ولكن ذلك لا يلغي ان الكتلة التي تشاركه أفكاره تحتل موقعاً مميزاً داخل الإدارة وانها تتباهى بامتلاكها، دون سائر الأميركيين، استراتيجية رد على 11 أيلول. 

لا ضرورة لهذا التباهي لأن الاستراتيجية المقدمة بصفتها الرد على 11 أيلول كانت جاهزة قبل ذلك بسنوات! 

يرى ليدين ان لا قيمة لأي قائد لا يحارب. الحرب، في رأيه، قاعدة السياسة الخارجية لأنها تنقذ الولايات المتحدة من “خطر السلام”. السلام “حلم بشع” لأنه يخفف الانضباط، ويسبب الاسترخاء، ويشجع الغرائز المنحطة، ويقود إلى اضعاف الدولة. 

ولا بأس من اللجوء إلى الكذب تمهيداً للحرب. إن خديعة الاعداء شرط مركزي لبقاء الأمة الأميركية وإنجاح مشاريعها الكبرى. والتعبئة الدينية هي الأنجح والأقدر على الحشد. فالجيوش المتشكلة من الغوغاء يجب إلهامها وتحميسها وأدلجتها والدين هو القادر وحده على ذلك لأنه يوحي بوجود ثمن راقٍ بديل التضحية بالحياة. 

يستطيع ليدين ان يدّعي نبوءة. ففي 1999 تمنى “الحظ” للأميركيين. والحظ هو “ان احداثاً خارجية مفاجئة يمكنها بعون الهي ايقاظنا من السبات، واثبات الحاجة إلى تحول جدي تماماً كما فعل الهجوم الياباني التدميري في بيرل هاربور عام 1941. انه الهجوم الذي دفع الولايات المتحدة إلى مغادرة أحلامها الوردية عن الحياد الدائم”. ولقد استعاد أصحاب “مشروع القرن الأميركي” (أي ليدين وأصدقاؤه) مثال بيرل هاربور ليتمنوا حصول ما يشجع أميركا على دور أكبر لجهة السيطرة على العالم وقطع الطريق على أي منافس محتمل. قيل هذا الكلام قبل 11 أيلول. 

ولعل خير ما يمثل تفكير ليدين العبارة الواردة في كتاب له عن الحرب على الإرهاب. يقول: “يجب عليهم مهاجمتنا كي يستمروا على قيد الحياة، تماماً كما يجب علينا تدميرهم لنصرة رسالتنا التاريخية”. 

إن اعتداءات موضعية على الولايات المتحدة هي مطلب من جانب الغلاة الأميركيين لأن ذلك يجعل “خصماً” معيناً جزءاً من لعبة تتجاوزه كثيراً. 
 

**********

     لا يصعب اكتشاف التلاقي بين الجماعة الإسلامية المصرية وبين مايكل ليدين في تقييم نوع العنف الذي تمارسه “القاعدة”. ولا يصعب، بالتالي، إلقاء نظرة أكثر تفهماً على “نظرية المؤامرة” التي قد تصبح دليل حكمة شعبية مصاغة بلغة خرافية. 

المهم في ما تقدم، والمثال العراقي حاضر، وكذلك المثال الفلسطيني، التوقف ملياً عند تقييم عنف يمارس ضد الولايات المتحدة (وضد إسرائيل). ليست هذه دعوة إلى الاستغناء عن المقاومة، بما فيها المسلحة. ولكنها دعوة إلى التمييز بين مقاومة يمكن لها ان تكون جزءاً من منظومة التبرير الهجومي الأصلي، وبين مقاومة تعرف ان تكسر هذه الحلقة المفرغة حتى لا تكون مضرة حيث تريد لنفسها العكس.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic