"حزب الله" يقرّر اختراق "الستاتيكو" في الجنوب

نصير الأسعد

جريدة المستقبل (لبنان)

السبت، 9 آب «أغسطس» 2003
السيد حسن نصرالله

     "هاجمت مجموعة الشهيد علي حسين صالح في المقاومة الإسلامية مواقع العدو الصهيوني". هذا ما جاء في البيان الصادر عن "المقاومة الإسلامية" بعد العملية التي نفّذتها في منطقة مزارع شبعا أمس. وللوهلة الأولى، ومن خلال ظاهر النصّ، يبدو أن العملية في المزارع (باسم مجموعة الشهيد صالح) تأتي رداً على العملية الإسرائيلية التي أدّت الى استشهاد صالح في الضاحية الجنوبية قبل أسبوع.

بيد أن ذلك ليس تفسير "حزب الله" للموضوع، حيث يشير قياديّ في الحزب الى ان عملية المزارع "لا تقرأ لا في اطار الردّ (على اغتيال صالح) ولا في إطار عدم الردّ". ماذا إذاً؟

يجيب القياديّ أن عملية أمس تأتي في "سياق سياسي هو بالضبط سياق مواصلة العمل المقاوم طالما أن للبنان أرضاً محتلة ومعتقلين وطالما أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أرضه قائمة". ويضيف ان "خيار المقاومة لم يتوقّف أما تنفيذه ميدانياً فكان دائماً يخضع لظروف الميدان نفسه". وينصح القياديّ بعدم ربط العمليات بحدث معيّن، ووضعها في إطار الاستمرار في المقاومة لإنجاز التحرير بملفاته كاملة.

ولمزيد من توكيد هذا البعد من جانب "حزب الله" للعملية في المزارع أمس، كان لافتاً ان المقاومة لم تكتف بعملية قصف مواقع إسرائيلية "برية"، بل أعلنت أيضاً عن تصدّيها لإسرائيل "جواً" بتوجيه نيران مضاداتها نحو الطيران الإسرائيلي الذي كان يحلّق في أجواء الجنوب، الأمر الذي تعتبره المقاومة تصدّياً لخروق إسرائيلية متمادية للسيادة اللبنانية.

في ضوء ما تقدّم لجهة حرص "حزب الله" على عدم إدراج عملية المزارع في خانة الردّ على اغتيال إسرائيل أحد كوادره الرئيسيين في الضاحية، كيف يمكن قراءة هذا السياق السياسي الذي يضعه الحزب للعملية، وهل صحيح أن لا علاقة لها بالردّ وكيف، وما معنى هذا التوقيت الذي اختاره لـ"استئناف" العمليات المتوقفة عملياً منذ شهر كانون الثاني الماضي؟
 

رسالة إسرائيل في الضاحية:
نقل المعركة الى عقر الدار

     وفي مجال الإجابة عن الأسئلة الآنفة، من المفيد التذكير بما قاله مسؤولون في "حزب الله" بعد العملية الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية الأسبوع الماضي. فقد اعتبر المسؤولون في "حزب الله" أن "هذه العملية وإن كانت أمنية في الشكل والأسلوب فإنها سياسية في جوهرها والمضمون". وبهذا المعنى وإذ دعوا الى "ضرورة احتساب الغايات السياسية الإسرائيلية من هذه العملية"، فهم رأوا أنها "تعني فتح صفحة جديدة من النزاع لم تكن مفتوحة سابقاً وعندما يفتح العدو الإسرائيلي هذه الصفحة فلن نترك له حرية مواصلتها"، ويسجّلون في هذا الاطار "أن واحداً من عوامل انتصار المقاومة عبر السنوات الطويلة هو الامساك بزمام المبادرة". والمعادلة بالنسبة الى "حزب الله" واضحة هنا: "اعتمدت المقاومة دائماً نوعية من القتال مع العدو تجعل الصراع معه دائراً في عقره بحيث لا يتمكن من وضع قانون للصراع يتحكّم بموجبه بالمجريات".

بعد العملية الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت، قدّر "حزب الله" إذاً على ما يمكن استنتاجه من كلام بعض قيادييه ان إسرائيل تحاول انتزاع زمام المبادرة وانها تسعى للاستفادة بالحد الأقصى من واقع أن "جبهة المزارع" هادئة منذ شهور، وان "هدوء الجبهة" الذي حسبته إسرائيل ناجماً عن الضغوط المكثّفة على سوريا ولبنان خصوصاً بعد الحرب على العراق وما أفرزته من توازنات مستجدة، وضعته (الهدوء) إسرائيل في خانتها أي لمصلحتها وراحت تتعامل معه بوصفه معطى نهائياً تستطيع الانطلاق منه نحو تصفية الحساب مع "حزب الله"، وكانت عملية اغتيال الشهيد علي صالح مؤشراً الى انتقال إسرائيل من احتساب الهدوء على "جبهة المزارع" مكسباً لها نحو تنفيذ عمليات على "أرض المقاومة".

قرأ "حزب الله" جيداً المعنى السياسي لعملية الضاحية، واستنتج على ما يبدو ان إسرائيل في صدد وضع "قواعد اللعبة" للمرحلة المقبلة، وهي قواعد اذا "استسلم" لها أو هو سمح لها بأن تتكرّس، ستعني استضعافاً للحزب ومقاومته. لذلك، وجد الحزب أن ردّاً على العملية الإسرائيلية في الضاحية، من طبيعتها، أي أن ردّاً استخبارياً ـ أمنياً لن يكون بمستوى الردّ ذي المضمون السياسي، وعليه وجد الحزب ـ على ما يبدو ـ أن الردّ على عملية الضاحية يجب أن يكون بمستوى أن يفرض على إسرائيل إعادة النظر في حساباتها التي على أساسها افترضت أنه صار بإمكانها نقل المعركة الى بيت الحزب على أرضه.

ويضاف الى الأهمية التي علّقها "حزب الله" على ردّ من طبيعة سياسية "مميّزة"، من الواضح أنّ ردّاً أمنياً ـ استخبارياً "موجعاً" لن يكون سريع التحقّق لأنه يتطلّب إعداداً لوجستياً مكثّفاً. وهذا الكلام لا يعني بطبيعة الحال أن الردّ ذو الطبيعة السياسية "أسهل" من الردّ الأمني، لأنه "أصعب" فعلاً، ولا يعني أن عملية المزارع أمس ألغت في دربها الردّ الأمني أو الحرب الأمنية القائمة والمستمرة.
 

قرار سياسي محسوب..
ولو على شفير الهاوية

     عند هذا الحدّ من البحث وتقليب الاحتمالات، من الواضح أن "حزب الله" اتخذ قراراً سياسياً بردّ سياسي يقلب محاولة إسرائيل فرض قواعد جديدة منطلقة من استضعافه. ومن الطبيعي أنه عندما يكون القرار بردّ من طبيعة سياسية وبمضمون سياسي، أن تتجه الأنظار أول ما تتجه الى المزارع. وبما أن المزارع خاضعة منذ بضعة أشهر لنوع من "الستاتيكو"، فإن الردّ انطلاقاً من المزارع يعني قراراً باختراق "الستاتيكو"، واختراق "الستاتيكو" يعني العودة بالمزارع الى ما قبل كانون الثاني 2003، أي العودة الى وضع المزارع بوصفها جبهة مواجهة محسوبة، لأنها في الأصل ومنذ ان فُتحت في أيلول من العام 2000 لم تكن جبهة مفتوحة بالمطلق.

من هنا، لا يمكن قراءة عملية "حزب الله" في منطقة مزارع شبعا أمس إلاّ بوصفها قراراً سياسياً من جانبه باختراق "الستاتيكو" الذي استمر سائداً بضعة شهور. كما لا يمكن القول أن هذا القرار من وجهة نظر "حزب الله" ينطوي على مغامرة "مطلقة"، لا بل يمكن وصفه بأنه قرار محسوب... ولو على "شفير الهاوية"، ذلك أن قراءة سياسية شاملة للوضع الإقليمي عراقياً وفلسطينياً، قد تفضي به الى استنتاج بأن العودة الى لون من "المشاغلة" جنوباً لإسرائيل، محتملة.

.. ماذا بعد أميركياً وإسرائيلياً؟

بعد ذلك، سيتعلق الأمر بالولايات المتحدة وإسرائيل. وهنا، يمكن الاعتقاد أن قيام "حزب الله" ـ ولو من باب ممارسة حقّه في الردّ على استهدافه ـ باختراق "الستاتيكو"، سينظر إليه أميركياً وإسرائيلياً على أنه مبادرة الى "تغيير استراتيجي" هو الأول منذ نفاد مفاعيل الحرب الأميركية على العراق.. وإذ ذاك ثمة احتمالات وليس احتمال واحد، فإما أن تدرك أميركا أن مصلحتها تتطلب ردع إسرائيل، وإمّا أن تأخذ اسرائيل ذريعة لعملية عدوانية (وهذا الاحتمال يولّد احتمالات أيضاً).. وإمّا مزيد من الضغوط على سوريا ولبنان... إذاً الاحتمالات كثيرة و"حزب الله" ردّ "الكرة".. والمشهد المباشر يفيد بـ"رقص على الحبال".. والله أعلم.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic