عمليات شبعا وحادثة شلومي تتخطيان قرار الانتقام لصالح

إبراهيم الأمين

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 11 آب «أغسطس» 2003

     الأحد الهادئ والجميل في شمال فلسطين المحتلة، لم تخرقة سوى الطلعات الجوية الإسرائيلية، التي كان قادة العدو العسكريون قد وعدوا المستوطنين سابقا بوقفها خلال ساعات الاكتظاظ في النهار. في شلومي الأكثر جوارا للقرى الغربية في جنوب لبنان، لم يكن الوضع مختلفا. سائحون من الداخل الإسرائيلي قدموا، ومستوطنو المكان لم يتصرفوا خلاف القاعدة. لكن ما إن خرج الطيران الحربي، حتى كانت مضادات المقاومة تنطلق مباشرة فوق عدد من المستوطنات. إسرائيل تعتبر أن المضادات لم تعد توجه منذ زمن بعيد باتجاه الطائرات، وأن “حزب الله” يحدد مسبقا المدى الخاص بها، وبمجرد دخول الطائرات الأجواء اللبنانية أطلقت القذائف فوق المستعمرات الشمالية. ولكن إسرائيل تحدثت أمس عن قذائف قالت إنها ليست مخصصة للمضادات الجوية. لكنها تدرك من الناحية التقنية، أن هناك إمكانية لإطلاق من هذا النوع بمواجهة حركة جوية وعلى علو منخفض أو مرتفع نسبيا. علما بأن المقاومة كانت قد حذرت سابقا من أنها سوف تضطر لاختيار الأسلوب الأنجع في مواجهة الخروقات لدفع إسرائيل إلى وقفها. ولجأت المقاومة إلى “تعديل ما” أتاح لها توفير إصابات سياسية أكثر فاعلية من الموجات السابقة من المضادات الجوية. وبالطبع فإن المقاومة لم تقرر سلفا قتل هذا المستوطن أو ذاك بهذا النوع من السلاح، لكنها كانت تعي ان الرد على الخروقات الإسرائيلية غير المتوقفة كان سيصل في لحظة معينة إلى ما وصل إليه. 

على ان إسرائيل تصرفت، سريعا، على قاعدة ان “حزب الله” يوسع الإطار، وأنها لا تستطيع تركه يحدد الرقعة الجديدة ل”الملعب”. فما كان منها إلا ان تتخذ ملزمة قرارا لا يقل خطورة عن قرار اغتيال الشهيد علي حسين صالح. وذلك عندما قررت أمر سلاح الجو بقصف أهداف مفترضة في القطاع الغربي. وهي أهداف يعتقد الإسرائيليون ان الحزب استخدمها لإطلاق القذائف المضادة التي سقطت فوق شلومي. وبهذه الخطوة، قررت إسرائيل، لأول مرة منذ 25 أيار العام 2000، ان تُخرج المواجهات من إطار مزراع شبعا المحتلة. وهو الإطار الذي كانت إسرائيل تحرص دوماً على حصر المواجهات فيه لأسباب متنوعة، أبرزها قدرتها على ضبط الحركة البشرية لجنودها هناك، فيما هي لا تقدر على ضبط حركة عشرات الألوف من المستوطنين في المناطق الأخرى. 

لكن منطق الأمور لا يشير إلى تطورات استثنائية. والحسابات التي لا تهمل يوما احتمال لجوء إسرائيل إلى عدوان كبير، تفترض ان المعطيات السياسية القائمة الآن في المنطقة، والحسابات الميدانية القائمة على الحدود مع لبنان، إضافة إلى ما يتيسر من معطيات خاصة، كل ذلك لا يقول ان الجبهة مقبلة على اشتعال كبير، أو على مواجهة شاملة. حتى ولو شهدت المنطقة الحدودية مزيداً من الأعمال المشابهة لما حصل أمس، لا سيما ان إسرائيل لا تبدو عازمة على وقف الطلعات الجوية، وهذا يعني ان المضادات سوف تطلق من جديد لأن “حزب الله” لن يتوقف عن ممارسة هذا الحق. وبالتالي فإن احتمال تكرار مشهد أمس وارد بقوة، لكن إمكانية الأخذ به كحجة لتوسيع المواجهة تحتاج إلى عناصر جديدة. وهي عناصر سياسية بالأصل. 

ومع ذلك فإن متابعين يخشون ان يكون ارييل شارون بوارد القيام بخطوة من نوع غير محسوب عند الآخرين، ويتعلق بمأزقه القائم داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وانه يريد إشعال الجبهات كلها دفعة واحدة بهدف نقل النقاش إلى مستوى مختلف عما هو محصور به اليوم في “خريطة الطريق” ان يقوم بخطوات تهدف ضمنا إلى تدخل أكبر من جانب الولايات المتحدة الاميركية، وحتى دول أوروبية أخرى للضغط على سوريا ولبنان لمنع الانفجار الواسع، ويحقق بذلك ضبطا اكبر للجبهة اللبنانية ويتيح له تسجيل إصابات عدة في مرمى لبنان وسوريا، بما يسهل عليه حصد مثل هذا الاستثمار في معركته المعقدة مع الجانب الفلسطيني. 

أما “حزب الله” فهو يحرص هو على القول إن ما جرى في مزارع شبعا المحتلة وما جرى أمس في شلومي، لا يخرج عن الإطار التقليدي لمواجهته الاحتلال والخروقات الإسرائيلية، وهو حرص بقوة اكبر على عدم اعتبار الأمر نوعاً من الرد على اغتيال صالح، ولذلك أسباب عدة من بينها ان الرد على عملية صالح يستوجب عملا أمنيا له معطياته الميدانية الخاصة، وهو في طريقه إلى التنفيذ ومن دون تحديد مهلة زمنية له مسبقا. الأمر الثاني، هو ان الحزب لا يربط المقاومة القائمة الآن بفعل ورد فعل، بمعنى انه يعرف انه سيخسر شهداء وإمكانات، وان هذا الأمر جزء طبيعي من المعركة، وبالتالي فإنه لن ينجر إلى لعبة الضربة والضربة المقابلة، لأن في ذلك تقييدا لحركته، وهو أمر سيظل يتجنبه دوماً. أما الأمر الثالث فهو يتعلق بالحسابات الكبرى، التي تقول بأن الخطأ الذي ارتكبته إسرائيل باغتيال صالح، أتاح للحزب تحقيق خطوة مهمة، وهي استئناف المقاومة في مزارع شبعا بعد توقف قسري استمر نحو سبعة شهور ربطاً بالتطورات العامة في المنطقة. 

في جانب آخر، يبدو الحزب مهتماً بقراءة ما قد يفكر به العدو، عندما قرر اغتيال صالح، وهل أن إسرائيل كانت تحتاج إلى عمل من هذا النوع للتعويض عن الإخفاقات الكبيرة في تحقيق اختراق جدي، علما بأن آخر عملياتها كانت في العام 1994، تاريخ آخر عمل امني إسرائيلي في الضاحية الجنوبية يوم اغتيل فؤاد مغنية شقيق الشخصية الأكثر جدلا عماد مغنية، والتي كان الرد عليها قاسيا إن لجهة جلب منفذها من داخل المنطقة المحتلة وإعدامه في بيروت، أو لجهة تلقي العدو ضربات إضافية، وهل أن إسرائيل افترضت أن الوقت بات مناسبا لاختبار رد فعل الحزب على عمل من هذا النوع، ومن دون إهمال عنصر الاستدراج المباشر أو غير المباشر. وذلك باعتبار أن الاحتراف الذي نفذت به عملية اغتيال صالح، كان يمكن أن يجهل الهوية المنفذة لأنه لم يتم توقيف منفذها بعد. لكن الذي حصل أن الأجهزة المختصة في “حزب الله” تمكنت من جمع ما تحتاج إليه من معطيات وعناصر ميدانية كافية للجزم بأن إسرائيل تقف وراء هذه العملية. وبالتالي فإن لجوء الحزب إلى عمليات ظاهرية في مزارع شبعا، ربما لم يكن هو المطلوب إسرائيلياً، بل ربما كانت تل أبيب تفكر بجر الحزب إلى عمل يقع تحت باب “الأعمال الإرهابية” الذي يمكن استخدامه في معركة مفتوحة في مكان آخر ضد الحزب، وهو ما لم يحصل. 

على أي حال، ثمة عناصر كثيرة استجدت خلال الأسبوعين الماضيين، وما كان قائما قبل اغتيال صالح ليس كما بعده، لأن من وضع الحسابات يحتاج إلى جهد كبير لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه. هذا عدا عن أن الحساب الأكبر في هذه اللعبة، لا يزال موجودا بيد الفلسطينيين وليس بيد إسرائيل أو “حزب الله”.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic