الهيمنة الثنائية على الجنوب تصادر قراره وتصحّره سياسياً
5 شخصيات تشخّص المعضلة وتقدم رؤى للإصلاح والمستقبل

ابراهيم بيرم

جريدة النهار (لبنان)

السبت، 16 آب «أغسطس» 2003
تظاهرة في بنت جبيل
من أيام الحراك السياسي في الجنوب: تظاهرة شعبية في بنت جبيل

 
    
في السبعينات كتب الشاعر (الجنوبي) شوقي بزيع، ابياتا في قصيدة تقول: "اذا ما توجع نهر بأرض، توجع ماء الجنوب". 

يومذاك كان هذا الشاعر اللامع مرآة تعكس حال الحراك السياسي الجنوبي الفوار، وتمثل ادبياً، واقع فعل سياسي وثقافي مشهود وباهر، فالارض الجنوبية تميد قلقا وبحثا عن وطن تنتمي اليه بالفعل وليس بالالحاق، وانسان هذه الارض في رحلة كدح وسعي دؤوبة بحثا عن دولة عادلة تبدد حال حرمانه المزمنة. 

ولكن، في الآونة الاخيرة، بدت الارض غير الارض، والانسان غير الانسان، فلا هي تهتز، ولا هو يتحرك، وكأن الاثنين اسلسا القياد، وهجعا في حال من الاستسلام لواقع سياسي ثنائي، يقبض بقوة على السياسة في الجنوب، ويمنعها من التوثب والانطلاق.

اين هو الجنوب اليوم، الذي يشهد الجميع بأنه كان رافد نهر التغيير، وعضد الباحثين عن التجدد، وساعد الثورة على كل الاوضاع الجائرة والمتخلفة، والزعامات المتكلسة؟

اين هي تلك الاندية تردد الاصوات الهادرة، واين هي تلك المنابر الثقافية، تبث في مجرى سيل التغيير افكارا ورؤى، وقصائد؟! 

حتى ساعات الفرح والحياة انطوت في طول الجنوب وعرضه، حال تكاد تشبه الموات السياسي، وتكاد تجاور التصحر الفكري! ايكون، هذا المشهد الراكد، تعبيرا فعليا عن رضا عما انجز، بصرف النظر عن حقيقته وحجمه؟ ام هو شعور من "ادّى قسطه للعلى" فادار ظهره ومشى؟ ام ان الارض التي اعتادت الانبات والخصب والعطاء، قد استسلمت صاغرة لـ"المحادل" السياسية، التي ما برحت تجوبها منذ عام ،1992 بقوة يفاخر زعيمها بذلك، وبقطب آخر رضي لنفسه حالة استتباع تجبره، طوعا او قسرا، مرة كل اربعة اعوام على ركوب "البوسطة"، فيفقد بالتالي صدقية ثوريته وجموحه نحو التغيير! 

حال قحط ما كانت حاضرة حتى في ذروة امساك ما اطلق عليه، "الاقطاع السياسي" لزمام الامر، فبين تلك "القوى" التقليدية المتعددة، كان ثمة فسحة كبرى للحركة والفعل، والتعبير. قبل اعوام ثلاثة، كانت الحركة السياسية محاصرة تحت عنوان عريض، هو وجود الاحتلال الاسرائيلي، وانه في ظل مقاومة هذا الاحتلال، يتعين على الجميع ان ينضبطوا، وان يضعوا على الرف كل تطلعاتهم الخاصة ويلفلفوا كل رؤاهم السياسية والفكرية ويجمدوا كل حركتهم، انسجاما مع الشعار العربي التاريخي "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". 

وعندما وضعت هذه المعركة اوزارها، وتنفس الصبح عن اشرف انتصار شعبي عربي تحقق في خلال العقود الثلاثة الماضية، كان الامل والمرتجى، ان تعود هذه البقعة الى قلب الوطن، لتساهم في اعادة بنائه بحجار جديدة غير حجار الماضي، وعلى اسس متينة، فاذا بالاحلام اوهام، واذا بهذا الانتصار يكاد يضيع في متاهات تزيد في مصادرة القرار الجنوبي، وفي احتكاره، وفي تهميش دور فاعلياته، وفي تدمير مجتمعه المدني، فتحوله الى صراعات صغيرة مقيتة في كل مدينة وقرية، ودسكرة جنوبية عنوانها من يرفع اكبر عدد من الرايات والاعلام، ومن يسيطر على مكبر الصوت في هذا المسجد او تلك الحسينية! 

في خضم هذا الواقع نبتت من جديد التناقضات العائلية وصراعات الاحياء، وتضخمت العصبية الحزبية والمذهبية، واقفلت المنتديات والنوادي، وتعطلت الجمعيات، وحرم على اي خارج عن القطبين، حتى ان ينظم مباراة رياضية، او يعقد ندوة سياسية يعبر فيها عن رأيه. واكثر من ذلك امست ادارات الدولة ودوائرها في يد حفنة من المتنفذين، وارسيت شبكة علاقات منفعية، ساهمت في اقصاء والغاء كل من تأبى عليه كرامته، الانخراط في آليتها. 

وعموما عاد الجنوب بعد تلك الرحلة النضالية الطويلة من اهله للارتقاء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ليصير على هامش الوطن، فثمة جهة واحدة تنطق باسمه لأنها تمسك بقدرة قادر زمام قراره، وصار، كما كل الوطن، في حال افلاس سياسي واقتصادي، ففقد ميزته وفرادته وضاع تاريخه، وتبددت كل تلاوينه السياسية، وبات اسير قوتين: 

الاولى، تحولت قوة قمع، لأنها تعي انها آلت الى المنحدر، وان عليها المحافظة على ما تبقى من بريقها ووهجها وتاريخها... والثانية تمارس "تقية" سياسية في انتظار ان ترث من سبقها. 

لماذا بلغت الامور في الجنوب ما بلغته؟ ولماذا قيض لهذه المنطقة ان تؤول الى الركود وتخبو فيها روحها المتوثبة؟ ويخطف قرارها؟ 
 

كرم 

     العامل الاساس عند ابن جزين وأحد فاعلياتها، السفير السابق سيمون كرم، هو قانون الانتخاب، الذي اباح لشخص واحد القبض على القرار السياسي لهذه المنطقة، ويقول: "ثمة شعور لدى اللبنانيين غير الجنوبيين بأن اقدارهم الانتخابية جرى التلاعب بها عبر قوانين ،1992 و،1996 و،2000 وان القواعد الانتخابية التي ارستها هذه القوانين حرمتهم التعبير عن رأيهم السياسي وانقصت من اوزانهم السياسية داخل الندوة البرلمانية الى هذا الحد او ذاك. الشعور الاكثر طغياناً في هذا الصدد هو لدى ابناء جبل لبنان، من المسيحيين الذين يعتبرون ان النظام السياسي القائم هو النتاج المباشر للاقدار الانتخابية التي كانت من نصيب مناطقهم خلال تلك الاستحقاقات الثلاثة". 

ويضيف: "لكن قلة من اللبنانيين تعرف ان نقطة الارتكاز الاساسية للنظام السياسي الذي اوصل البلاد الى حال الافلاس السياسي والاقتصادي الراهنة، والى الكارثة الاجتماعية التي بدأت طلائعها تلوح الآن، هو واقع الانتخابات في دائرة الجنوب الواحدة الموحدة. فالمسألة تتعدى الى حد كبير مسألة دخول 22 نائباً الى البرلمان في كتلة واحدة صادرت كل التلاوين السياسية الموجودة في الجغرافيا الاجتماعية الجنوبية، من يسارها الى يمينها ومن التقليديين الى التجديديين، وصادرت كل ما يزخر به المجتمع الجنوبي من امكانات كان يمكن ان تصب في اتجاه تعزيز الحياة السياسية في البلاد وترسيخ تجربة اللبنانيين مع الديموقراطية، وتقليد التنافس السياسي الذي ميز حياتهم السياسية في تاريخهم الحديث". 

ويذهب كرم في معرض تحليله لتبعات مصادرة القرار الجنوبي على النحو الحالي الى القول: "اللبنانيون عموماً لا يتنبهون الى المعنى الفادح لان تحشر الطائفة الشيعية في الجنوب في ثنائية التمثيل الطاغي عليها منذ انتخابات 1992 نتيجة خنق كل الامكانات التي تزخر فيها البيئة الشيعية الجنوبية وحرمانها التعبير عن نفسها في الحياة العامة، وهي من دون مبالغة، الامكانات الاكثر توافراً بالمقارنة مع البيئات الاخرى التي يتألف منها المجتمع اللبناني". ويستعيد كرم نماذج تاريخية غير بعيدة، عن اللعبة الديموقراطية في الجنوب وتأثيرها في مجرى اللعبة السياسية في كل لبنان، فيقول: "ما يفاقم هذا الواقع هو ان مدناً، كصيدا مثلاً، كانت البلاد من اقصاها الى اقصاها، تنشدّ بشغف الى نتيجة انتخاباتها، عندما كان يتنافس فيها نزيه البزري مع معروف سعد، ليس فقط بسبب التنافس المحلي بين هذين الزعيمين، ولكن ايضاً لأن معركة صيدا كانت تعكس مزاجاً مختلفاً على المستويين الاجتماعي والطبقي، اذ كانت العائلات الصيداوية وما كان يعرف آنذاك بالبورجوازية اللبنانية، تناصر البزري، فيما الفئات الشعبية، مسيحية واسلامية في الجنوب وغير الجنوب، تتعاطف مع طروحات معروف سعد وشخصيته. وكان يضاف الى معركة صيدا، بعد قومي بامتياز، اذ كان الناصريون والقوميون العرب يعتبرون معركة آل سعد معركتهم، فيما المعسكر العربي المواجه يتعاطف سراً او علناً مع نزيه البزري. 

اما في جزين مثلاً، فقد كانت اصداء معارك جبل لبنان تنعكس عليها بوضوح، من دون ان تؤدي الى قطع رابطة منطقة جزين مع البيئة الجنوبية عموماً، وهذا ينطبق ايضاً على حاصبيا ومرجعيون. 

كل هذه التلاوين الزاخرة، والتي يشكل مجموعها فرادة الحياة السياسية في لبنان جرى خنقها في تركيبة سياسية اطلق عليها اصحابها قبل غيرهم وصف "المحدلة". هذا الخنق للحياة السياسية يشكل جوهر النظام القائم في لبنان الذي ادى الى تبعيته الكاملة ثم افلاسه السياسي والاقتصادي. 

لذا فإن الجنوبيين الذين يرزحون تحت وطأة هذه التركيبة يحملون في آن واحد عبئها الضاغط عليهم وعلى سائر اللبنانيين، ويحملون في الوقت عينه مسؤولية التغيير". 

وللتغيير المنشود، رؤية خاصة لدى كرم، اذ يقول انه "لا يقتصر على توزيع النواب الاثنين والعشرين في دوائر متعددة، قد تضطر التغيرات اصحاب المحدلة الى القبول بتقسيمها الى آليات اصغر حجما، لكن التغيير يكون باعتماد قانون انتخاب يردّ الحياة السياسية الى الجسم الهامد الذي يشكله الجنوب اليوم، والذي اطمأن اسياده الى فكرة انهم خطفوا الروح والحياة منه، فيما اصبح ابناؤه يعتادون، المرة تلو المرة، على التمثيل الهجين الذي فرض عليهم. والتغيير يمر بوعي اللبنانيين ان ما يعانون منه تبعية وافلاسا وانهيارا، نقطة ارتكاز لا تقع على جبل لبنان ولا البقاع او الشمال، بل تحديدا على الجنوب، وان مسألة التعاضد مع الجنوبيين لتغيير احوالهم هي مسألة ترتدي اهمية لبنانية بامتياز". 

لا يضع كرم القوتين اللتين ترتكز اليهما التركيبة الحاضرة في الجنوب في سلة واحدة، اذ يرى "ان احداهما منخرطة بالكامل في اللعبة السياسية في البلاد، بينما الأخرى، هي في حال من الاغتراب السياسي بالنسبة الى مجمل الملفات الداخلية، علما ان هذه الملفات عدا انها كانت ولا تزال في صلب حياة اللبنانيين، الا انها صارت الآن العامل المحدد في مسألة استمرار الاجتماع اللبناني او انهياره بالكامل، وتقع البيئة السياسية الجنوبية في صلب هذه المعادلة". 

ويسأل كرم: "اذا انهار الاقتصاد اللبناني كليا نتيجة امعان الطبقة السياسية في الممارسات الراهنة، فماذا يجمع اللبنانيين، او ما هو العامل البديل الذي يمكن ان يعوض عن اجتماعهم على الليرة مثلا، او على معاشات موظفي الدولة وتقديمات الضمان الاجتماعي ورواتب المتقاعدين؟ ثم الى اي حدّ سترضى البيئة الجنوبية بعملية عسكرية شديدة الخطورة مرة كل 6 اشهر لكي يقال ان "المقاومة" لا تزال مستمرة، بغض النظر عن لماذا هي لا تزال مستمرة؟ هذا فيما الظلام يعم البلاد واركان السلطة وليس المعارضة يطرحون مسألة استعادة المليارات المنهوبة على مدى الاعوام الماضية، وفيما الهجرة تحصد اللبنانيين جيلا بعد جيل وطائفة بعد طائفة". 
 

العلامة الامين

     ويتفق العلامة السيد محمد حسن الامين مع كرم في مسألة هيمنة حال من السكون والمراوحة على المشهد السياسي في الجنوب، بل ويذهب الى القول ان هناك "رجوعا الى ما دون الموقع المؤثر الذي كان الجنوب يمارسه سابقا، وخصوصا بعد التجليات الاستثنائية التي اطلقتها هذه المنطقة في مواجهة مرحلتي الحرب الاهلية والاحتلال، على نحو بدا معه الجنوب بكل مكوناته وكأنه يتصدى لكل المشروع بجانبيه، اي الحرب الاهلية والاطماع الاسرائيلية". 

ولكن العلامة الامين، وهو المتابع للامر عن كثب، يرى "ان ما يجري في الجنوب هو مظهر من مظاهر النكوص والترهل الذي يصيب لبنان والمنطقة العربية عموما، اذ تبدو المرحلة بكاملها محفوفة بالكثير من امارات النكوص والتراجع. فالجنوب، وهو يطلق اصلب تجليات الحركة، سواء في جبه الاحتلال او في مقاومته للحرب الاهلية، لم يكن جزءا مفصولا عن بنية كاملة، على الاقل في المستوى الوطني، كانت تشكل ارضية صلبة لمثل هذه التجليات الوطنية والسياسية التي اطلقها الجنوب، خصوصا ان الرؤية الوطنية كانت ترتكز على ان مقاومته الحرب الاهلية، ومقاومة الاحتلال في آن واحد، هما السبيل لانجاز مكونات الوحدة الوطنية، ولانجاز مكونات العلاقة العضوية مع سوريا، والعالم العربي". 

ويضيف: "يجب ان نلاحظ ان المسألة من هذه الزاوية بالذات، اصابت الموقف الوطني بشيء يمكن تسميته خيبة الامل، اذ انتهت الحرب الاهلية، لكن اصطفافاتها في البنية الداخلية، عادت لتبرز في صورة يمكن معها القول ان ما تحقق هو مجرد وقف للنار، وبدا ان البنية الطائفية باصطفافاتها وتشكيلاتها، استطاعت ان تعود فتتصدر الواجهة وتتسلم مواقع السلطة وتطلق اعنف الممارسات التي تتجاوز ممارسات الطبقات السياسية السابقة على الحرب الاهلية". 

ويتابع السيد الامين عرضه للواقع السياسي المأزوم فيقول: "في البعد القومي بدا ان العلاقة مع سوريا، بما تمثله من واجهة للمدى القومي، وعوض ان تتحدد وتتغير على قاعدة الانجازات والانتصارات التي ساهم فيها الجنوب بالحصة الكبرى، انحدرت اكثر فأكثر، وصار الانتماء القومي للبنان محكوما باعتبارات الولاء المفرغ من كلّ مضمون وطني او قومي، على نحو يمكن القول في شأنه ان ثمرات المرحلة السابقة تبددت بصورة كانت مؤثرة تأثيرا بالغا في حال الاحباط والتراجع التي نشهدها على كل الصعد". 

ويعود السيد الامين الى قراءة انعكاسات كل ذلك على الوضع الجنوبي فيقول: "امام ذلك كله بدا للنخب الجنوبية الوطنية، انها مصادرة الحق في ابسط ما يجب ان تحصل عليه، بل بدا وكأن عقوبة ما لم يتمكن العدو من ان ينفذها بحق الممانعة الجنوبية للحرب الاهلية وللاحتلال، جاءت الطبقة السياسية الجديدة لتنفذها بحق الجنوب ومجاهديه". ويمعن السيد الامين في الدخول الى عمق منطقة المحرمات الجنوبية فيقول: "رغم ان المقاومة ما زالت قائمة، ولو نظريا، الا ان الملاحظ انه تم فصل جسم المقاومة عن بنية الجنوب، فبدلا من ان تنمو في مدى اجتماعي سياسي وثقافي جرى تكريس شكلها العمودي وعزلها، ومنحها وظيفة عسكرية محددة، من دون ان يعني ذلك ان جمهور المقاومة مستسلم ومتقبل لهذه المهمة، ولكن ايضا فإن البنية السياسية التي تحكم البلد، وتدرك ان مقاومة بهذا الحجم وبهذا الدور، لا بد من ان تكون آثارها ومكتسباتها ذات بعد اجتماعي وسياسي، هذه البنية استطاعت الى حدّ كبير ان تدجن هذا المشروع المقاوم، اي ان تفصل بينه وبين ابعاده الوطنية والاجتماعية والسياسية وان تمنحه حصة محدودة من حقيبة الحصص المعدة للتوزيع، وهي حصة طائفية بالدرجة الاولى رغم كل الشعارات الوطنية التي تحوط هذه الحصة ، واستطاعت في الوقت عينه ان تحول القوى السياسية الجنوبية، قوى تتنازع هذه الحصّة، وان يغدو حلم التمثيل في الدولة، وفي الادارات والمؤسسات هو السقف الذي يسعى الجميع الى بلوغه، بمن فيهم المقاومون انفسهم. كل ذلك يتمّ في مرحلة انهيار للمشروعات الفكرية والسياسية والقومية الكبرى، وايضا وفي صورة خاصة، في ظل تراجع المشروع الاسلامي السياسي لاسيما بعد 11 ايلول، وفي صورة اكثر خصوصية بعد احتلال العراق، واستقالة النظام العربي نهائيا من مسؤولياته تجاه المشروع الاميركي الكبير للمنطقة". 

وهذا العرض لواقع أزمة العمل السياسي في الجنوب لا يكتمل الا بالسؤال عما هو السبيل لاعادة بث الروح في الجسم الجنوبي الراكد، وعليه يجيب السيد الامين: "من وجهة نظري، ان كلّ رؤية للاجابة على سؤال ما العمل لاستنهاض بنية سياسية او مكونات هذه البنية السياسية في دائرة محدودة كالجنوب، يغدو مثاليا، اذا صرفنا النظر عن احد شرطين اساسيين، يشكلان الاطار الاوسع والفضاء الاشمل لسؤال ما العمل، وهما: 

الفضاء الوطني السياسي اللبناني، والفضاء القومي العربي. 

وبالنسبة الى الاول فإنني أعتقد ان حركة جنوبية ما تتجدد على قاعدة ان الانتصار على الحرب الاهلية وعلى اسرائيل، لا يكتمل الا بتفعيله على مستوى البنية السياسية الوطنية، وهذا الهم في ذاته، يمكن ان يكون العصب الحيوي لحركة وطنية تبدأ من الجنوب، لا بالمعنى الجغرافي، ولكن بالمعنى السياسي الذي يطالب بتفعيل آثار الممانعة والصمود الجنوبي، وآثار المقاومة والتحرير في الجنوب، لكي ينعكس على بنية الحكم والدولة والمؤسسات، وهذا في رأيي يشكل جوابا اوليا على سؤال ما العمل، وما العمل على مستوى المكونات الجنوبية لهذا الوطن، الذي يشكل الجنوب مهما تكن خصوصياته جزءا لا ينفصل عن هذا الكيان اللبناني الواسع". 
 

رياض الاسعد

     لا يختلف المهندس رياض الاسعد عن كرم والعلامة الامين في تشخيصه لواقع الحال الجنوبي، الراكد والمأسور، بل يؤكد انه، وهو الذي يتصدى منذ اعوام لمهمة خلق تيار سياسي فاعل في الجنوب انه احد "ضحايا" هذا الواقع، وهو المثال الحي لنموذج "المصادرة" القائم، فعديدة هي المرات التي ضيق فيها على الانشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية التي يرعاها ويتعاون مع مجموعات شبابية واسعة لاحيائها، بل وصل الامر الى حد الضغط على مرفق اقتصادي جنوبي لالغاء ندوة عن انماء الجنوب، لا لشيء الا لأنه احد المشاركين فيها، ويخرج من هذا كله ليقول "ان ثمة محاولة واضحة، تستخدم فيها كل الاساليب الترغيبية والترهيبية، وتوظف فيها العديد من الدوائر والاجهزة لجعل هذا الجنوب "امارة لجهة واحدة" واستطرادا لشخص واحد، ولتأبيد هيمنته على قرارها ومقدراتها، وعلى حركة انسانها وتوقه الى مثل عمل لها طويلا وبذل في سبيلها الكثير". 

وفي رأيه ان هذا الواقع هو دخيل على الجنوب ولا يمكن الجنوبيين ان ينصاعوا له، وهم الذين يتكئون على تاريخ طويل من النضال والمواجهة، النضال في سبيل الخروج من حال الحرمان، وعبر بناء دولة العدالة والمساواة التي تتعاطى معهم على انهم من صلب الوطن، وليسوا ملحقين به، ومواجهة الاحتلال منذ كان، اي منذ اكثر من نصف قرن. وعليه يضيف الاسعد، ليس من شيم الجنوبي وليس في قاموسه الفكري والثقافي اصلا معادلة القبول بواقع يجعله مستلبا، او ملكا حصريا لجهة معينة يحق لها النطق باسمه، او ان تفرض عليه واقعا محددا يتنافى مع مخزونه السياسي ويخالف تاريخه وتركيبته الاجتماعية والنفسية. 

وفي قراءة رياض الاسعد، ان ثمة اربعة عوامل اساسية، فرضت على الجنوبي قسرا، ان يبدو وكأنه دخل حال سكون وارتضاء بواقع سياسي واجتماعي غير سليم اطلاقا وهي: 

- طبيعة النظام السياسي اللبناني الذي نشأ بعد "اتفاق الطائف" ووزع الحصص والمغانم، وقسم المناطق ولايات حصرية، وعليه فان النموذج الجنوبي ليس فريدا او وحيدا في لبنان. 

- واستتباعا لهذا العامل، جاء قانون الانتخاب، الذي يطبق في الجنوب بأبشع صوره، ليرسي معادلة "المحادل"، التي صيّرت الجنوبي، رغما عن انفه مسلوب القرار والارادة. 

- الاحتلال الاسرائيلي لجزء كبير من ارض الجنوب، الذي فرض على الجنوبيين ارجاء التفكير في مستقبله السياسي والاقتصادي، واعتقد ان هذا الواقع قد انتهى الآن الى حد كبير. 

- ضعف المعارضة، وغياب الاطر الجامعة لها، وعدم لجوء الاحزاب والقوى والتيارات الجنوبية، الى تجديد نفسها واعادة النظر في ادائها وبرامجها وفي سبل تواصلها مع الجمهور الجنوبي العريض، والاهم سبل تواصلها مع بعضها وعجزها او قصورها عن ايجاد ارضية مشتركة، تجمعها ولو على الحد الادنى من القواسم والعناوين العريضة. 

ويؤكد الاسعد انه من خلال تواصله مع اوسع شرائح المجتمع الجنوبي على اختلاف تلاوينه، يلمس نقمة على الوضع السياسي والاجتماعي القائم في الجنوب "وخصوصا حيال طريقة توزيع "المغانم" والحصص، وسياسة المحاباة في الخدمات والوظائف التي اوجدت "حرمانا" من نوع جديد داخل الطائفة الواحدة، وهذا اكثر ما يمكن رصده عند جيل الشباب المتعلّم الذي يتلمس طريقه نحو مستقبل افضل، ويرغب في الحصول على موقع معينّ فيصطدم بعقلية "المحاسيب". وممّا يزيد الامر تعقيدا هو تيقّن الجنوبي من سطحية سياسة انماء الجنوب، التي كانت دوما الشعار، والمعلوم ان المعنيين بالامر او المتصدرين مارسوا سياسة أبعد ما تكون عن الانماء الحقيقي، مارسوا تزويرا مكشوفا عبر مشاريع، لا تغني ولا تسمن، ولا تفتح مجالا لعمل الشباب". 

ويؤكد الاسعد، ان في الجنوب شعورا يترسخ يوما بعد يوم بافلاس الطبقة السياسية التي امسكت زمام الامر في المنطقة وفي لبنان عموما، ووفق قول احد الجنوبيين الظرفاء ان القيمين على الشأن العام في البلاد، بلغوا من الجشع حدّ عدم الاكتفاء بانتظار بيض دجاجة الدولة، فبادروا الى ذبحها علهم يجنوا البيض قبل اوانه. 

ومع ايمان رياض الاسعد المطلق بأن التغيير آت "لا محالة"، فالامر بالنسبة اليه يحتاج الى رؤية جديدة وفلسفة جديدة، واداء جديدا، يلائم طبيعة المرحلة، خصوصا عند القوى الرافضة للواقع القائم. ويرى في الوقت عينه ان القوى المهيمنة او المصادرة تنزلق الى المأزق يوما بعد يوم، ولم يعد بمقدورها استخدام الاساليب عينها في المواجهة الشرسة التي تخوضها للمحافظة على مواقعها. 

وبالنسبة اليه ايضا فان الاساس لتغيير الواقع القائم في الجنوب وفي لبنان عموما يبدأ من اقرار قانون جديد للانتخابات، لان ذلك من شأنه ان يقطع الطريق امام المحادل، ويفسح في المجال امام قوى سياسية جديدة لتحقيق رغبتها بالصعود والمساهمة في انتاج وطن جديد وحياة سياسية سليمة، تفلّ قيد الاستحواذ والهيمنة. ويشير الاسعد في هذا الاطار الى انه اطلق قبل حين مشروع قانون انتخاب قائما على النسبية، علّه يكون جزءا من ورشة عمل وطنية يساهم فيها الجميع. 

ويرى الاسعد انه ما برح يعتبر ان "حزب الله" في امكانه ان يكون رافدا اساسيا في عملية التغيير المنشودة، فهو اصلا غير راضٍ اطلاقا عما آلت اليه الامور السياسية والاقتصادية في البلاد ولعل قاعدته من اكثر المتضررين من هذا الوضع، اضافة الى تاريخه العريق في النضال ضد المحتلين والذي صنع نصرا مجيدا يجب ان نبني عليه، لنجعله نصرا في حجم الوطن، نصرا يفضي الى دولة العدالة والمساواة لا دولة الولايات والامارات، التي اوصلت البلاد الى ما هي فيه، وواقع الحال نفسه ينطبق على شريحة لا يستهان بها من حركة "امل" التي ما زالت متواصلة فكرا ونهجا مع الامام موسى الصدر. 
 

كرّيم 

     يقارب رئيس الجمعية اللبنانية لديموقراطية الانتخابات واستاذ العلوم السياسية في الجامعة الاميركية الدكتور حسن كريّم، ازمة العمل السياسي في الجنوب من زاوية مختلفة اذ يرى "ان مرحلة ما بعد التحرير فتحت افاقا جديدة في الجنوب، امام العمل الديموقراطي والاجتماعي، وصار الناس معنيين اكثر بالتعبير عما هو آني ومباشر". لكن المشكلة في رأيه هي ان الجنوبيين محاصرون بين قوتين: "تصر الاولى على عدم الاعتراف بالتغيير الحاصل، ويزيد استنفارها تحسبا لجولات وصولات آتية، وفي اختصار ما زالت تعيش نفس الذهنية التي كانت تعيشها ابان الاحتلال. اما الحال الثانية، فهي تعتبر حياة الناس رهنا بما يستطيع القائد او الزعيم ان يحصل عليه ويوزعه اي تعيش وفقا لنظرية "الزبائنية" المتخلفة اي ضرورة وجود زعيم، وضرورة ان تقدم له الناس التحية والطاعة، وتعبر عن دعمها وولائها له في كل المناسبات، خصوصا ابان الانتخابات، لتحصل مقابل ذلك على الخدمات والمكاسب". 

ويذهب الدكتور كريّم الى الطمأنة الى "ان مثل هذه المعادلة لا تكتب لها الحياة الابدية". اذ "ان الناس صاروا اكثر وعيا، وصاروا يدركون ان هذه المعاملة لن تقدم لها اجابات ملحة عن المستقبل. فثمة فئات اجتماعية جديدة برزت ونموذجها فئات الشباب الذين لا تتجاوز اعمارهم الـ 22 عاما، وهذه الفئة، كما تدل كل الدراسات تراوح ما بين 40 الى 50 في المئة من المجتمع الجنوبي واللبناني عموما، وهذه الفئات، لا يمكن ان تقبل بالبقاء ضمن جدران المعادلة المهيمنة حاليا، وضمن اسلاك اللعبة التقليدية. 

في الماضي، كانت نسبة المتعلمين في الجنوب محدودة، وحاجات الناس ايضا محدودة وتطلعاتها ليست بعيدة، الان الوضع اختلف كثيرا، والبنية الاجتماعية للجنوب انقلبت تماما، وباتت على الجيل الحالي مهمة انتاج قياداته". 

ويؤكد ان المطلوب قوى سياسية تصنع نماذج مختلفة للعمل السياسي، تكون منفتحة واكثر عصرية، لكنه يأخذ على القوى الحالية في الجنوب (المعارضة) انها تعاني قصورا في حضورها وبرامجها، فهي لم تفد من الانجازات التي تحققت في انتخابات عام ،1996 لتبني عليها في انتخابات عام ،2000 بل انما بددت هذه الانجازات من خلال انقساماتها غير المبررة وتعاطيها من خلال مواقع فيها كثير من الاعتبارات الذاتية. 

ويرى الدكتور كريّم "ان هناك نموذجا سياسيا اندثر في الجنوب، ونعني به نموذج العائلات السياسية، اذ لا مجال لاحيائه، والمطلوب افق يتجاوز النمط السياسي السائد من دون العودة الى الخلف، ويعبر عن طموحات الفئات الاجتماعية وتوقها الى التغيير. واذ يرى ايضا ان الاحزاب، وخصوصا العلمانية، جعلتها الحرب الاهلية عاجزة وقاصرة وهي لم تجدد نفسها وخطابها وبرنامجها، فوقعت في الازمة، لذا ثمة ضرورة كبرى لحياة سياسية جديدة تنخرط فيها الهيئات الثقافية والنقابية والشبابية والبيئية والطالبية عبر حاضنة واطار يجمعانها ، لتكون قوة ثالثة فعلية وليس المطلوب ان يكون ذلك تجميع مهمشين، بل يكون بهدف الدخول في صلب الحياة السياسية. ويذهب كريّم الى الاعتقاد بأن "حزب الله" يعيش مرحلة تشويش ذهني،اذ يحيا واقعا لا ينسجم مع ما آلت اليه الامور، وثمة خوف من ان يتجه الى الدور التقليدي الطائفي، اي الصراع على الحصة الشيعية. 
 

ماجد 

     يقدم الكاتب والباحث السياسي زياد ماجد رؤية تاريخية سريعة للجذور التي ادت الى نشوء الواقع السياسي الحالي في الجنوب فيقول: "لقد نشأت في الجنوب بعد الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 وحتى انكفائه عام 2000 امارة شيعية ثنائية القطبية، يمارس احد قطبيها الفعل المقاوم للاحتلال وما يستلزمه من عدة عمل، فيما يمارس الثاني الفعل الاهلي في الحرب بحثاً عن شراكة في السلطة المقبلة". 

ويضيف: "لعل اتفاق الطائف والجمهورية الجديدة التي نشأت عند توقيعه امعنا في احترام تقسيم الادوار المذكور بين القوتين الشيعيتين، فخصصا الاولى بالمقاومة وقدرة التفاخر بإسمها وفرض منطقها على الآخرين، واعطيا الثانية كامل الحق في السطو على "حصة" الشيعة (وسائر الجنوبيين) في الادارات العامة والمصالح الحكومية والخدماتية. ثم اضاف راعي الطائف وجمهوريته بنداً يلزم فيه اهل المقاومة واهل المحاصصة بزواج متعة في كل استحقاق انتخابي، بحيث يتفرغ الزوجان لابعاد من لا يزال خارج جمهورهما، او بالاحرى من يرفع راية التمرد على شرعيتهما (ومن خلفهما على الجمهورية الجديدة وعلى الوصاية عليها). فحصلت نتيجة ذلك مفارقات عدة منها ان المنطقة اللبنانية شبه الوحيدة التي لا وجود عسكرياً للنظام السوري فيها، صارت مع كل استحقاق انتخابي (1996 و2000 بخاصة) المعقل الاساسي للتدخل والسيطرة السوريين. ومنها ايضاً ان الطرف الاقوى شعبياً وامنياً (اي حزب الله) يرضخ لاكثر شروط الطرف الاضعف شعبياً (اي امل)، فيحول قوته الشعبية اداة اضعاف له على حساب لائحة يقترع لجميع من فيها بمثل ما يقترع لممثليه، ومنها كذلك ان المنطق الذي يبدو متماسكاً وهو يعتبر الصيغة الطائفية احدى سبل النجاة (ولو اكراهاً) من التسلط في لبنان يتضعضع امام تحكم محتكري التمثيل الشيعي بسائر الطوائف المستوطنة في الجنوب، التي اصبحت جميعها تحت رحمتهم، او في احسن الاحوال تحت عباءتهم". 

وفي معرض قراءته ابعاد "صمود" الوضع الجنوبي بعد التحرير على ما رسا عليه خلال الاحتلال، يقول: "قد تكفي التبريرات المرتبطة بالفساد والافساد والتحكم بمقدرات الدولة وخدماتها في تفسير استمرار الحضور الفاعل لحركة امل، او لرئيسها، وقد تعتبر بوابة شبعا نافذة النظام السوري المفتوحة على مصراعيها للتحريك الاقليمي ولابقاء الضبط والابتزاز المحليين. لكن ما يظل غير بيّن في التبريرات يرتبط بالدرجة الاولى بحزب الله وقراءته للامور، من غير الرهان على تغير في ادائه، وبالدرجة الثانية على القوى السياسية الاخرى الحاضرة في الجنوب، اليسارية والتقدمية على نحو خاص، الساعية الى التغيير والعمل الاصلاحي، والقليلة الفاعلية الى الآن". 

ويركز ماجد في تحليله للوضع الجنوبي على "حزب الله" فيقول: "في وضع يراهن فيه كثر على ان الضغط الاميركي على سوريا وايران سيودي بحزب الله الى المجهول ويبعد شبحه عن خصومه، يظن حزب الله في المقابل ان انكفاءه عن الخارج نحو الداخل اللبناني ان تم، سيكون اكثر خطراً على القوى المنافسة له شيعياً، او تلك المعترضة على سلوكه الخارجي من خارج الطائفة الشيعية. لكن ما لا يشرحه حزب الله هو سبل ترجمة ظنه هذا الى واقع، خاصة انه لم يتمكن مرة من توظيف ضخامة جمهوره في خدمة مصالحه الداخلية كتنظيم سياسي ذي برنامج اجتماعي واقتصادي وثقافي واضح. بل اكتفى على الدوام بالتحالف مع قوى الامر الواقع لنيل مواقع محدودة في الجسم التشريعي الرسمي للدولة اللبنانية، او ناكف بعض المسؤولين لانتزاع مشروع هنا وحماية "مكتسبات" هناك. ولا نظنه في ذلك يقدم نموذجاً في السياسة مختلفاً عن سواه من قوى سياسية، بحيث نستدرك ان الفارق مرتبط بحجم جمهوره وبقدرته على التحول فعلاً الى علامة فارقة في السياسة في وجه خصومه. 

واذا كان الحزب ينوي فعلاً الانصراف بعد حين الى قضايا الداخل والتصرف على نحو مختلف، فماذا يمكن ان يقدم؟ وما معنى ان يصير قوة اسلامية ليس في اجندتها اللبنانية ما يشبه "الاسلمة"؟ وما معنى ان يتحول قوة اجتماعية قد تحسم الامور لمصلحة ذوي الدخل المحدود ولا مواقف واضحة وعملية له من القضايا الاقتصادية والاجتماعية في لبنان في ما يتخطى حماية جمهور شيعي يتنافس عليه مع امل من سلطة القانون لمنع نقله من امكنة احتلها على غير وجه حق الى امكنة اخرى؟ وما معنى انه حزب معارض وهو مرتم في احضان الرئاسة الاولى وعلى تنسيق تام مع الرئاسة الثانية وفي ود دائم مع راعي الرئاسات جميعاً؟ وكيف سيترجم دعمه للفلسطينيين في لبنان، وهو لم يطالب بعد بالحقوق المدنية لهم وهم يعانون ابشع انواع التمييز الاقتصادي والاجتماعي والامني؟ وما ستكون مواقفه الفكرية كتيار اسلامي لبناني من افكار الرئيس خاتمي والمرشد الخامنئي والمرجع فضل الله وانعكاساتها في الحياة العامة وفي المسلك الثقافي داخل مجتمعه اللبناني؟ وكيف يريد ان يتعاطى مع القوى السياسية الاخرى في الجنوب التي تحاول منذ عشرة اعوام مقارعة حليفته حركة امل؟ وما ستصبح عليه مبررات تحالفه مع الحركة، وهو المكثر منذ مدة في التنديد بالفساد والافساد وهدر المال العام والتسلط على المواطنين وكأنه في ذلك يقدم توصيفاً لسلوكها؟! 

اسئلة عديدة تطرح نفسها على هذا الحزب الواسع الشعبية والدقيق التنظيم والهارب باستمرار من استحقاقات تحوله في السياسة الى اكثر من لاعب اقليمي يحركه "مدير فني" في شروط معينة، فيبرر قبوله ذلك بأن له جمهوراً كبيراً يصفق له باستمرار!". 

وعن امكانات التغيير وسبله في الجنوب يقول ماجد: "في موازاة هذه الاسئلة، يتواصل البحث في امكانات تعديل الستاتو-كو الجنوبي والخروج من قبضة الائتلاف المسيطر عليه. ولا شك في ان المهمة صعبة للغاية لاسباب عديدة، منها ان ثقافة القوتين الشيعيتين قتلت مع الوقت اكثر اشكال الاصطفاف المواطني واضعفت المجتمع المدني الجنوبي، فأصبح الجنوب المنطقة الوحيدة في لبنان حيث لا قاعات سينما ولا مسارح ولا ملاهٍ ولا مسابح ولا مقاهٍ ولا فنادق ولا مكتبات عامة ولا نوادٍ شعبية ولا جمعيات مستقلة. وقد استبدلت كل هذه المراكز التي يمكن ان تنطلق منها الانشطة وان تتركز فيها المبادرات المواطنية السياسية بالحسينيات ومراكز بيع الاشرطة والصور الدينية، والجمعيات الوهمية المستخدمة لتبييض اموال المساعدات او شراء المزيد من الاصوات خلال الانتخابات. 

وترافق ذلك، وهو الاهم، مع انكفاء العمل الحزبي العلماني (في ظل ازمات الحزب الشيوعي) وترهل الاجسام النقابية والثقافية المستقلة وتراجع التنظيمات المدنية العلمانية (النسائية والشبابية والبيئية والرياضية)، وابتعاد كثر من المثقفين عن اي تعاط بالشأن السياسي، وبقاء بعض الشخصيات ذات الاستقامة والمناقبية السياسية مجردة من اي جسم ينظم علاقتها بالجمهور العريض. 

من هنا لا بد اليوم من التركيز على امرين عاجلين، اولهما البحث في سبل تكتل القوى والشخصيات المعارضة وذات الصدقية وتأسيسها انشطة دورية ولقاءات في المدن والبلدات، على صعوبة ذلك، لمخاطبة من يحول الاعلام المسيطر عليه دون الوصول اليهم. 

وثانيهما، التركيز في حملة واضحة الشعارات على تعديل قانون الانتخاب على نحو يفضي الى: 

1- قانون انتخاب قائم على التمثيل النسبي، بحيث يمكن للمعارضين الحصول على نسبة معينة تتيح لهم التمثل ومنافسة قوى الامر الواقع من داخل المؤسسات وليس فقط من خارجها، مما يعطي شحنة معنوية كبيرة للجمهور المعتكف ان رأى امكان حصول خرق انتخابي ومن ثم اداء سياسي تشريعي ورقابي من مستوى مختلف عن السائد. 

وفي هذا المجال تشير ارقام انتخابات العامين 1996 و2000 الى ان اللائحة الائتلافية الفائزة في الاستحقاقين (وفيها أمل وحزب الله والحريري وبعض الاحزاب والعائلات) لم تتخط معدلات التصويت لها نسبة الـ60 في المئة من اصوات المقترعين (الذين بدورهم لم تتخط نسبتهم الـ60 في المئة من اصوات المقترعين). ورغم ذلك فازت بالمرتين بـ100 في المئة من المقاعد. 

إن التركيز على مسألة التمثيل النسبي للانتخابات ليس قضية تقنية او من باب الرفاه الديموقراطي. بل هو عن حق المدخل الاهم اليوم الى السير نحو اصلاح الحياة السياسية ودفع حيويات جديدة الى ساحتها، وتمثيل اللبنانيين عامة، والجنوبيين منهم خاصة على نحو اكثر عدالة. 

2- احترام التقسيم الاداري القائم (لغاية تعديله ان كان ذلك ضرورياً) واللاحظ الجنوب محافظتين وليس واحدة. ففي ذلك ما يطلق ديناميات عمل سياسي وتصويت مختلفة تخفف من سطوة الائتلافات ومن الشعور بالعجز مقابل القوتين الشيعيتين ان اتحدتا. كما انه يدخل هاتين القوتين في تنافس من نوع جديد يضعف اللحمة الاصطناعية بين جمهورهما خلال الانتخابات".

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic