النجف.. واغتيال المرجعية!

السيد هاني فحص

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 28 آب «أغسطس» 2003
السيد هاني فحص

     قبل سنتين، تجمّعنا نتهامس مقتنا من جسامة فندق الشيراتون في الدوحة وخلوه من أي إيقاع يتصل بأجراس قلوبنا.. فلم يلبث أن جاءني الأستاذ العراقي الدكتور وميض نظمي ليبادرني بالبشارة بأن الدولة العراقية تعد العدة لتحويل النجف الى مدينة سياحية من الدرجة الأولى! وعندما بدت علامات الحزن والرعب في عيني غادرني من دون تعزية.. ألف عام من العلم والجهاد تتحول الى قاعات ديسكو وموائد اسكالوب وحقول غولف وبيسبول على المدى الطويل، من دون سخرية من هوايات وشهوات الآخرين، ولكنها النجف! وتذكّرت أن أول عملية تحديث للنجف بدأت في أوائل السبعينيات من قرننا الطويل الماضي، بتهجير العلماء وسجنهم وقتلهم ومصادرة مشروع جامعة الكوفة وإلغائه، ومصادرة كلية الفقه وإحالة الطلاب والطالبات من ذوي المعدلات المتدنية من محافظات العراق اليها، وتحويلها الى ملتقى فلكلوري للمحازبين. 

إذن هذه حداثتنا.. فماذا يفعل الآن أولئك الذين يشغلون بال النجف الخارجة من زنازين العذاب، بإطلاق حقول الأشواك في مناخها الخماسيني، ويهددون العلماء ويحاولون اغتيالهم، يستكملون ما بدأه النظام من موقع التناقض معه أم من موقع الاتفاق؟ عجبا عجبا.. والأوجع أننا لا يمكن أن نبسط الأمور لنفصل بين الخارج والداخل في النجف، وفي حالات كحالة النجف لا يمكن أن يكون الطرف الداخلي مجرد أداة تنفيذية.. والأقسى من هذا كله أن يعمد بعض إعلامنا العربي الى وضع المسألة بين المقاومة أي الفوضى أحيانا وبين المقاومة بمعناها العقلاني الواقعي والحضاري الذي يربط الأمور بمواعيدها. 
 

**********

     السيد محمد سعيد نجل السيد محمد علي الحكيم، جده لأمه المرجع السيد محسن الحكيم (ت 1970م).. ولد عام 1934 وتربى بين كبار العلماء (الشيخ حسين الحلبي والسيد يوسف الحكيم والشيخ محمد طاهر آل راضي) وهو فتى طالب علم عهد إليه جده المرجع بمراجعة موسوعته الفقهية (مستمسك العروة الوثقى) لثقته بكفاءته. وتتلمذ على الكبار من جده الى الشيخ حسين الحلبي الى السيد أبو القاسم الخوئي بعد والده، شرح في تدريس الأبحاث المعمقة (بحث الخارج) عام 1966م وتخرج على يديه نخبة من أفاضل العلماء. بلغت مؤلفاته الأصولية والفقهية حوالى ثلاثين كتابا، وكتب في فقه القضاء والاستنساخ والكومبيوتر والانترنت ووجّه رسائل مميزة الى المسلمين في بلاد الاغتراب والى المبلغين الدينيين والى الشعب العراقي في محنته الأخيرة، دعا فيها الى التسامح ونسيان الماضي والرضا بالتعدد الديني والقومي والمذهبي والاحتكام الى القضاء تحت سقف القانون والى التمسك بالقيم التي تجسد الممانعة... حرص على أن يبعد المرجعية عن أي شبهة حزبية وبنى علاقته بمقلّديه على الثقة والشفافية وإعطاء المال دوراً ثانوياً. 

مُنع من السفر منذ العام الأول للحكم الصدامي 1968 حتى 1974 حيث سافر الى الحج ثم عاد الى المنع والمراقبة الشديدة والملاحقة التي اضطرته 1977 للاختفاء مع أبنائه في بيت مهجور فراراً من القتل الذي استشرى في النجف والعراق عامة، أثناء الحرب العراقية الايرانية قرر صدام حسين عقد (المؤتمر الشعبي الاسلامي) وأصرّ على حضور علماء آل الحكيم جميعا الذين رفضوا فأمر باعتقالهم. فاعتقل السيد محمد سعيد مع والده وإخوانه وأولاده وأبناء عمومته وسجنوا في بغداد، وشرع داخل السجن في كتابة تفسير للقرآن فمُنع! فعكف على المباحثة العلمية مع رفاقه السجناء من تلاميذه مع إحياء المناسبات المختلفة وإلقاء الشعر فيها سراً. 

عام 1985 نقل مع رفاقه من مديرية الأمن العام الى سجن أبو غريب بعدما أعدموا 16 منهم في “وجبتين”!! ووضع الباقي في غرفتين ضيقتين مع عدد غيرهم من السجناء.. فاغتنم السيد الفرصة لتثقيف السجناء وتعميق معارف العلماء منهم. وألّف في السجن كتبا اختصاصية بالاضافة الى كتاب في سيرة النبي “ص” اعتمادا على ذاكرته أتلفه السجانون عندما اكتشفوه، ويروي رفاقه في السجن كيف تعاونوا على إعداد علب السجائر للكتابة أما الأقلام فإنها رواية تُروى! 

لم يوفّروه من التعذيب القاسي على ضآلة جسمه حتى قال له صدام كامل: “أنت جسمك ضعيف فماذا لا تعترف وتخلص من التعذيب؟”.. ولكنه كان يتحمل ويحث باقي السجناء على الصبر. 

بعد ثماني سنوات أطلق سراحه وعرضت عليه السلطة أن تساعده إذا قبل بالمرجعية فأبى.. ومُنع من أي نشاط علمي ومن إمامة صلاة الجماعة ليلة الجمعة.. ولكنه استمر يمارس مسؤوليته متواصلا مع الفقراء وأسر الشهداء والسجناء عبر المبلّغين السريين الذين كان يرسلهم للتبليغ والإغاثة. 

منذ وصلتُ النجف عام 1963 وسلكتُ طريقي الى بيت علم وجهاد مميز من بيوتها (بيت السيد محمد سعيد الحكيم أحد حكماء النجف وقادة ثورة العشرين ووالد عالمين مميزين من علماء الأمة) تعرّفت الى السيد محمد سعيد الثاني (المرجع الحالي) شاباً هو الأصغر بين المتباحثين في مسائل علمية معقدة، ولكنه أحيانا الأعلى صوتا وأحيانا الأشد إصغاء، كان وعدا علميا تعاملنا معه بتهيّب شديد، ولم نعرف عنه أنه انخرط في شأن من شؤون النزاع على الحطام المادي او المعنوي. 

في مرجعيته أصرّ على التميز والتمايز، وكان تميّزه وتمايزه في اندماجه بالحوزة وتواصله الحميم مع مراجعها وعلى رأسهم السيد السيستاني، وعندما تعرّضت المدارس التي يشرف عليها أوائل التسعينات للمصادرة، غضّ طرفه إيثارا لسلامة الحوزة، وعندما طاولته بعض التصرفات والتصريحات التي طاولت بقية المراجع بعد سقوط النظام أظهر حكمة وصبرا هما من خصائص المرجعيات الحقيقية ذات الأهلية العلمية والأخلاقية، وقبل أسبوعين وصل اليه تهديد بقتل نجله السيد محمد حسين وغيره فأصدر مكتبه بياناً هادئاً داعياً الى حفظ الحوزة لتقوم بدورها في هذه المحنة بعد المحنة الأولى التي طالت ثلث قرن من الزمان، وجعلت الحوزة والعراق في حال تشبه ما قبل الاجتماع وتحتاج الى عملية بناء هي أقرب الى عملية التأسيس، ما يعني أن انتقال العنف الى الداخل، والى داخل الداخل (النجف) هو شروع في اقتلاع الأسس التاريخية للبناء المرتجى.. لقد بدأ النظام الصدامي بقتل العراق وإلغائه من النجف، ما يعني أن إعادة إعماره لا بد أن تبدأ من النجف، وتدشين المرحلة الجديدة من تاريخ النجف بقتل السيد عبد المجيد الخوئي، ومحاولة اغتيال السيد الحكيم، ليس بشارة بالخير.. وهذا يستدعي أن تنهض همم الغيارى لحماية هذا المعقل العلمي والأخلاقي من التقويض. 

قبل أن يشرع صدام بقتل العراق حول الدولة الى دولة جهلاء حاقدين على العلم والعلماء.. والآن من الذي يقتل العلم والعلماء؟ لا شك في أنهم ليسوا علماء، ما يعني أن على العلماء ومحبي العلم والعلماء والمراهنين على العلم والعلماء للمستقبل الصعب، أن يتضافروا على حماية العلم والعلماء من الجهل والجهلاء، من الصداميين الذين لا يقلل من صداميتهم ولاء لصدام او عداء له.. 

بعد الاحتلال وسقوط صدام، صمد السيد الحكيم كما صمدت المرجعية في النجف، لم يستخفه شيء، لم تستفزه الحرية المنغصة بالاحتلال، وأولى الناس المفجوعين بالنظام وسقوطه معا، عنايته فأرسل اليهم الرسل تجمع شملهم وتهدئ روعهم حتى لا يندفعوا مع انفعالاتهم ويشاركوا في استكمال خراب العراق وتخريبه. رأى العراق تعدديا تستوعبه الديموقراطية وتبنيه وتؤسس فيه للحرية بعيداً عن الثأرية والفوضى، ولم يغامر في تقليد نموذج سياسي معين، مصراً على خصوصية الشعب العراقي وخصوصية الاسلام في العراق، من دون أن تكون هذه الخصوصية كافية لتأسيس دولة دينية قد تحتمل الخطر على الدين، في حين ان الشعب العراقي جاهز ومصرّ على انتمائه العربي والاسلامي ومستعد لحماية هذا الانتماء واحترام الدين تراثا وقيما وأفكارا تتسع للجميع. 

ربما، لهذا كله، ولأنه غير مغامر، لأنه لا يضفي على الطفولة اليسارية، أصباغاً من كلام يشبه الاسلام، لذلك ولأن المرجعية هي رافعة الحوزة والحوزة رافعة العراق الواحد الموحّد.. لذلك حاولوا اغتياله! تهاتفت مع النجف، اطمأننت الى سلامة المرجع.. ثم أدركني الوجع والندم، كأنني نسيت الثلاثة الذين سقطوا بالمتفجّرة الفاجرة؟ 

أهكذا نبقى مكتوباً علينا أن نضمد جرحاً بجرح؟ جرح فلسطين بجرح العراق.. أهكذا يستفزك الصوت الآتي من النجف كأنه يعيدك الى رحمك! اللهم إرحمنا.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic