جرس إنذار... فهل نسمع؟

السيد هاني فحص

جريدة السفير (لبنان)

السبت، 30 آب «أغسطس» 2003
آية الله السيد محمد باقر الحكيم
سماحة العلامة الشهيد
السيد محمد باقر الحكيم

     شهداء أو ضحايا هذه العملية (الثورية!!!) الوطنية أو القومية أو التقدمية أو الليبرالية أو الأصولية أو الطائفية أو المذهبية أو الحزبية. أو الخليط العشوائي من هذا وذاك وذلك وذيالك إلخ والله أعلم... هم الشهداء، حتى كتابة هذه السطور مئات.. فمن يكتب عنهم؟ فقراء بسطاء خرجوا من السجون والمقابر لتوّهم، ولتوّهم شرعوا في التعبير علناً عن حزنهم الممنوع على قتلاهم الذين انتشروا أشلاء على مساحة ثلث قرن وعلى مساحة العراق كله... وساحة العراق هل هي مساحة الأمة أو هي غيرها؟ أليست مساحة الماضي والحاضر والمستقبل؟ أم أن الزمان عابر أم نحن العابرون في هذه الزمان وان أقمنا فيه فإننا لا نتماس ولا نتجانس معه، كأنه قشرتنا لا أكثر! والزمان العربي في مكان يبحث عن الحياة والأحياء، أما العرب ففي مكان آخر، هو اللامكان، هو الموت السريري الذي يبحث عن الموتى... الذين يَقتلون ويُقتلون مجاناً.. وأشد أنواع القتل فتكاً هو الانتحار، وأسوأ تعريف للانتحار هو أنه قتل للآخر بالذات، في حين ان قتل الذات في الآخر، في قتل الآخر، هو الأوجع وهو الأشد فتكاً وتعطيلاً للعقل والدين والتاريخ. 

محمد باقر الحكيم بالدم الحار والحسابات المسؤولة ومن دون تهويش أو تهويل أو توهين، وجع يفري اللحم والعظم ويصل الى المستقبل القريب والبعيد على جثة الماضي وصدر المستقبل وضلوعه المرضوضة، يصل الى العراق، الى أرضه ومعناه ويصب في فلسطين بعد أن يمر بكل التضاريس العربية والإسلامية، وهل هناك تضاريس أم أن أرضنا كلها قد سوّيت بالأرض!!! 

ومحمد باقر الحكيم بالدم البارد والحبر البارد ومن أجل تاريخ بارد وقراءة باردة وذاكرة باردة هو واحد من سبعة أنجال علماء شهداء للمرجع السيد محسن الحكيم وواحد من ثلاثة وأربعين شهيداً من الأسرة نفسها خلال عشرين سنة من حكم شخص واحد في عراق حوّله الحزب الواحد الى آحاد ليحول الآحاد الى كسور. 

ولد في النجف عام 1939م وانخرط في الدراسة الحوزوية في الثانية عشرة من عمره، وتعلم على أيدي علماء كبار من آل الحكيم انتهاء الى المرجع السيد أبو القاسم الخوئي ليعيش علمياً وفكرياً وثقافياً مجتهداً الى جانب المجتهد المميز الشهيد السيد محمد باقر الصدر، أستاذاً في الحوزة ميالاً الى التنظيم والتحديث شكلاً ومضموناً، أستاذاً في كلية أصول الدين في بغداد، عضواً في جماعة العلماء التي تشكلت على قاعدة خيبة الأمل بالجمهوريات (المتقالبة) بعد الثورة، عضواً في هيئة الاشراف على مجلة الأضواء، مشاركاً في مؤتمرات فكرية مختلفة، عاملاً بجد على التقريب بين المذاهب الإسلامية، مشاركاً في الوفود التي أرسلها والده المرجع الى عدد من الأقطار الإسلامية والعربية لاستنهاضنا من أجل فلسطين بعد النكسة، ثم فر من العراق بعد دخول صدام في حربه ضد إيران واغتيال الشهيد السيد محمد باقر الصدر... وحط رحاله أخيراً في إيران جامعاً لشتات المعارضة العراقية تحت خيمة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، متفاهماً مع إيران مع الحفاظ على الخصوصية، منفتحاً على مختلف الحساسيات الكردية والتركمانية والآشورية، السنية والشيعية برحابة وثقة متبادلة... وفي طهران تلقى خبر إعدام اخوته وأبنائهم وأبناء عمومته وأرحامه دفعة واحدة في مراكز الأمن العراقي تضييقاً عليه، وان كانت الأسرة قد أحاطت به وصلّبت موقفه... فاستمر وأسس فيلق بدر العسكري، الذي أعده للتحرير، ولكن لم يشارك في القتال حتى لا يكون الى جانب المحتل، واختار أن يقوم بقيادة السيد بدوره الديني والمدني بعد ان وصل السيد محمد باقر الى العراق معلناً انحيازه ورغبته في مشروع وطني عراقي تعددي ديموقراطي يحترم الإسلام كمكوّن ثقافي وكفقه للحياة. لماذا 

قتل؟ لأن النجف هي المقصودة، النجف ألف عام من العلم والجهاد، ومحطات الثورة الدستورية، وثورة التنباك، والعصيان النجفي على الاحتلال الانكليزي، وانطلاق ثورة العشرين، والتحول عمليا الى دور الرقابة والاحتجاج والاعتراض على الاستبداد والظلم والتخلف الملكي والجمهوري... ما جعل نظام الاستبداد الأمثل أو الأسوأ، نظام صدام، يلتفت الى موقعها ويفكر بإلغائها مبتدئاً عام 1969 بالسيد الحكيم المرجع والزعيم والذي انسجمت في مرجعيته أبعاد متعددة تخطّت العلاقة التقليدية بين المفكرين ومرجع التقليد، فأصبح السيد الحكيم قائدا للعراق في المفاصل.. وبعد وفاته مقهورا عام 1970 انفلت النظام وحاصر النجف وشرع بتجفيف منابع العلم والجهاد فيها، وبعد الانقلاب الصدامي على البكر بلغت المسألة ذروتها في حصار النجف وتشتيتها، قتلا وسجنا وطردا ونفيا، وكانت الذروة بعد الاندحار في الكويت والانتفاضة التي كانت فرصة صدام وعلي حسن المجيد للإجهاز على ما تبقى من معاندة واعتراض بالاجتثاث وتعطيل دور النجف إلا في حدود محكومة برغبة الأمن الصدامي ونزواته... ولكن النجف بعد الاحتلال أبدت من الحكمة والتعقل والواقعية والثورية المضبوطة بالوعي والمعايير ما جعلها رافعة لمستقبل العراق.. المطلوب زعزعزته والانطلاق منه الى ما تبقى مما تبقى من العرب وغطاء للجريمة المنكرة في فلسطين المهجورة عربياً. إذن فالذي قتله يقصد إضعاف العراق وتشتيته ومنع التئامه وزرع الفتن بين كل جماعاته وداخل كل جماعة. 

من قتله؟ والكلام ليس كلاما قضائيا؟ ولكنني أتساءل عن مقتل عبد المجيد الخوئي، ما الإجراء الرادع الذي اتخذ ليخاف المرتكبون، من بقايا النظام أو غيرهم من المعتوهين عقائديا، وبعد تهديد السيد محمد سعيد الحكيم ومحاولة اغتياله ما الإجراء الذي اتخذ؟ ومن الذي يتخذ؟ ألا تستأهل المراكز الدينية بما لها من ثقل وأثر ان تتوافر لها الحماية؟ 

لماذا لم يحمها المحتل بما ان الأمن مسؤوليته، وإلا فما هي مسؤوليته؟ لماذا لم يكوّن الأجهزة الأمنية العراقية تحت عباءته وإمرته؟ لماذا لم يترك العراقيين يتدبرون أمرهم وأمنهم؟ 

محمد باقر الحكيم والنجف قد تكون نقطة لتقاطع بين أطراف متعارضين.. بين أذكياء وأغبياء، بين سياسيين محترفين وأيديولوجيين مهووسين.. ولكن كيف نحتاط لمستقبل العراق ومستقبل العرب والمسلمين في العراق؟ لا بد من احتضان عربي إسلامي للعراق، من قبل الحالة الشعبية العربية، ومن قبل العلماء والمفكرين، وللأنظمة القاصرة والمقصرة دورها المحفوظ الذي يمكن ان تحفظ شيئا من وجودها به. 

إذا لم تسافر همومنا الى العراق 

فإن العراق سوف يسافر إلينا شظايا ليسهم في تشظينا.. 

محمد باقر الحكيم جرس كبير... لا بد ان يصل صوته فهل تبقى لدينا آذان لتسمع؟ 

محمد باقر الحكيم جرس إنذار قرع فهل نسمع؟ 

أم على قلوب أقفالها؟

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic