اغتيال الحكيم والعلاقات الإسلامية

رضوان السيد

جريدة المستقبل (لبنان)

الثلاثاء، 2 أيلول «سبتمبر» 2003
رضوان السيد

     كنت في الولايات المتحدة عندما تزايدت هجمات "قنّاص واشنطن" وسط الاستعدادات الأميركية لغزو العراق، باعتباره تهديداً لأميركا: لامتلاكه أسلحة الدمار الشامل، ولعلاقاته بالقاعدة! وقد قال لي أستاذ بكلية الحقوق بجامعة هارفرد وقتها: سوف ترى أن قناص واشنطن مسلم ومن القاعدة! وعندما سمعت في أخبار صبيحة أحد الأيام أنهم اكتشفوا أن القناص مسلم أسود فعلاً، حبكت معي النكتة وكلمت أستاذ الحقوق وقلت له: "أريد أن أخيّب توقّعك، فالقناص مسلم، لكنه ليس من القاعدة! وقال الرجل مغتاظاً: إصبر ساعتين فيصبح القناص من القاعدة، كما ظهر قبل ساعتين أنه مسلم!

هذه الحكاية الطويلة، أردت من ورائها القول ان المجزرة التي ذهب ضحيتها السيد محمد باقر الحكيم، وعشرات من القتلى، ومئات من الجرحى، فضلاً عن الخراب والتخريب، سيتحمل وِزْرَها الرئيس المخلوع صدام حسين وقاعدة أسامة بن لادن، سواء كانا هما اللذان باشرا ارتكاب هذه الجريمة النكراء أم لا. ويرجع ذلك الى سوء العلاقات الإسلامية الإسلامية، والى المأزق الذي يتردى فيه الأميركيون، ولا يرون لأنفسهم مخرجاً منه، إلاّ بالحروب الأهلية في العراق، وغير العراق. ولست مهتماً هنا بالعودة لشتم الأميركيين، ولا لاتهامهم بالتآمر، فهم لا يتآمرون، بل يصرّحون بنواياهم، وبأنها عنزة ولو طارت، ويحاولون أن يفتحوا "أفقاً" كما يقولون، وسط الظلام الدامس: بإدخال أطراف أخرى لمساعدتهم على ضبط الأمن بالعراق، وبالذهاب الى أنهم "أخطأوا" في اعتبار العراقيين والمسلمين مؤهّلين للديموقراطية، بل لا تهمهم إلاّ النزاعات والحروب الأهلية!

إن البارز في استشهاد السيد محمد باقر الحكيم هذا الإصرار على جعل بقاء العراق موحداً أمراً مستحيلاً. والبارز أيضاً منع الأطراف المحيطة بالعراق من التأثير باتجاهات إيجابية بأي شكل من الأشكال. لكن الأبرز والأهم من ذلك كلّه ما كشفت عنه هذه المأساة، والحوادث السابقة من تَرَدٍّ في العلاقات الشيعية السنية، في العراق بالدرجة الأولى، وفي غير العراق. وهذا المأزق يواجه من جانب رجال الدين السنة والشيعة بالإنكار والاستخفاف، واتهام الأميركيين بافتعال الفتنة كلها، كما يُواجَه من جانب السياسيين بالدعوة العامة للوحدة الوطنية، وبتفويت الفرصة على المستغلّين والمتطرفين.

إن الواقع أن هناك ثوراناً دينياً لدى السنة والشيعة، وهو ما يزال مغلّفاً لدى الشيعة (بحكم كونهم أقليات في سائر أنحاء العالم الإسلامي خارج إيران) بالمطالب السياسية والاجتماعية. كما أنه مضبوط ظاهراً بوجود قادة يستطيعون التهدئة والتوجيه. أما لدى السنة؛ فإن هذا الثوران الساعي للطهورية والأصالة ومصارعة المتآمرين على الإسلام؛ تغلب عليه نزعات العامة، ويميل للتشرذم، وفقد الاتجاه. لكن يبدو لي في الحالتين أن هناك افتقاداً للزمام من جانب القادة الدينيين، ومن جانب العاملين في الشأن العام. ولذلك تزداد الأمور كل يوم سوءاً، سواء أكان البيان الصادر ضد "السلفية" بالنجف صحيحاً أم لا، وسواء أكانت "القاعدة" مُشاركة في المذبحة أم لا. فالتنظيم الأسطوري "شباب محمد" الذي كشف عنه الأميركيون بالعراق، وتسمى "جيش محمد" في باكستان والهند، و"أنصار الإسلام" في كردستان ولبنان، و"السلفية الجهادية" في السعودية والمغرب وأوروبا، كل ذلك يشير الى المأزق الذي لا يتمثّل في سوء العلاقة مع العالم وحسب؛ بل والعلاقة السيئة، القائمة على الشكوك العقدية والسياسية بين العامة من الطائفتين، وانصراف ذوي الاهتمام بالشأن العام عن الاهتمام بالتردّي السياسي والديني الداخلي، الى الاهتمام باستيعاب الهياج الأميركي على "الأصولية الإسلامية".

لا أدري كيف يمكن الإفادة من "الاعتدال" الإسلامي، في تغيير مسار التردّي في العلاقات الإسلامية الإسلامية. لكن الذي أدريه أن السياسيين المسؤولين عن الوحدة الوطنية الداخلية، يكون عليهم أن يضعوا في حسبانهم عاملاً آخر من عوامل تهديد التماسك والوحدة. العامل الأول هو الاستبداد. والعامل الثاني هو الضغوط الأميركية والصهيونية. والعامل الثالث: الفتنة الدينية في صراع الأصوليتين السنية والشيعية.

وحدة العراق مهدّدة منذ زمن. وقد ازداد التهديد باحتلال الأميركيين للعراق. ويوشك الأكراد أن يخرجوا من الإطار الشكلي هذا بمساعدة الأميركيين، لولا تهديد الأتراك. وتأتي محاولات الفتنة بين السنة والشيعة لتسمح للأكراد، بالخروج، ولتصومِلَ جنوب العراق ووسطه والجزء غير الكردي من شماله: هل يحدث ذلك لمنع الشيعة من حكم العراق؟ لا، بل يحدث هذا كلّه وتستمر تداعياته، لكي ينتهي العراق، وليبحث الذين نعرفهم عن بيئة عربية أخرى لتخريبها!

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic