الديموقراطية المريضة

بلال خبيز

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 7 أيلول «سبتمبر» 2003

     يبدو الفيلسوف الايراني داريوش شايغان كأنه يستعين بغادامير ويعيد استحضاره ليكتشف ان اللغات منظومات بالغة التعقيد، وان المعايير المفاهيمية والفكرية ليست بالبساطة التي يمكن معها ترجمتها من لغة إلى اخرى (لونوفيل اوبسرفاتور). ثمة، على ما يقول شايغان اليوم، الكثير من المفاتيح الفكرية في كل لغة لا يمكن ترجمتها إلى لغة اخرى، وينبغي شرحها وفهمها بعناية حتى يمكننا الحكم عليها او لها. 
 

حفل كوكتيل للميت، لستيفن كامبل

     هذا الاهتمام الراهن بمغاليق اللغات وصعوبات الترجمة وخطل البناء عليها، يستدعيه، في ما يبدو، العجز الكلي عن امكان اقامة حوار مُجدٍ على النحو الذي رسمه كارل بوبر بين اهل ثقافتين متباينتين او حتى متجاورتين. إذاً، ينبغي لأهل الثقافتين الآنفتي الذكر ان يعيدوا تقويم اشكال الحوار وسبل الفهم. 

ليس الأمر بالبساطة التي يبدو عليها بالطبع، فليس كل سجال بين اثنين او طرفين يمكن ان يستقيم حواراً على النحو الذي يشير إليه بوبر. والأرجح ان الكلام محض تعسف لا يضيف شيئاً يذكر إلى المعرفة المحصلة سابقاً. فالألفاظ تتحول جملاً تحمل معاني يمكن ادراكها ما ان تستوي في انماط محددة من قبل. قبل ذلك تكون الأفكار عيية ومتلجلجة وغير قادرة على الدخول في الحوارات المرعية سلفاً. 

حتى الأفكار الفصيحة التي لا تحميها موازين قوى وتصدر عن مواقع (إذ لا قيمة فعلياً لأفكار لا تصدر من مواقع تتبناها مراكز قوى)، تصير افكاراً مربكة وباعثة على الحيرة، وغالباً ما يتم تجنبها والعودة إلى الحوارات التي سبقت نشوءها وولادة تعبيرها إذا لم تكن تلك الأفكار ممثلة وصادرة عن قوى اجتماعية تستطيع فرض شروطها على المناقشة العامة في كل مكان. 
 

ضمور الأسئلة

     إبن لادن، في هذا المعنى، يفرض شروطه على المناقشة بحماوة اشد مما يفرضها ادوارد سعيد او نعوم تشومسكي، بصرف النظر قطعاً عن صواب الأسئلة المطروحة ودقتها. لكن الخطاب الذي يوجهه شايغان لا يهدف إلى اقناع ابن لادن او الدفاع عنه، مثلما لا يبدو انه يهدف إلى اقناع جورج بوش او الدفاع عنه. الأرجح ان مثل هذا الخطاب يستهدف الحيارى والمستهجنين والذين لا يجدون اجوبة عن اسئلة شائكة. 

جمهور غفير من الفاعلين الصامتين الذين اذا تسنى لهم طرح الأسئلة المناسبة والبحث في سبل حوار جدي عن اجوبة مناسبة، يستطيعون تشكيل قوة معنوية ليست مكبلة اليدين في طبيعة الحال. 

هؤلاء ايضاً معولمون، بمعنى انهم لا يقابلون بازدراء سؤال شايغان الشرق اوسطي والعالمثالثي من حيث موقعه ولا يتم حذفه والتأصيل على سواه. السؤال مطروح في وجه الجميع، على النحو الذي يفرض على شايغان العالم ثالثي ان يحاول الاجابة عن اسئلة شائكة اخرى يمكن طرحها عليه لتأسيس حوار مُجدٍ. 
 

حوار بين متساوين

     على النحو نفسه يطالب ادوارد سعيد بإنشاء حوار بين متساوين، معنوياً على وجه الخصوص. لأن وهم المساواة التي جرى التنظير لها والإعلان عنها لم يكن يعني مساواة على اي وجه من الوجوه. كان ثمة امتحانات ينبغي للعالمثالثيين اجتيازها ليتسنى لهم ان يدخلوا في نوادي اصحاب الرأي الذي يستحق ان يستمع إليه. ذلك يفسر إلى حد بعيد معنى ان تتعلق القضية الفلسطينية القائمة برأسها، على مشجب اوشفيتز. ينبغي للفلسطيني أكان من وزن محمود درويش او سمير صنبر ان يعلق ظلامته على اوجه تشابه مع ظلامة اليهود في المحرقة النازية. وغالباً ما كان ينزلق بعض مثقفينا إلى محاولة نكران بداهة محرقة اليهود في محاولة لجعل الأفكار والسياسات التي تأسست على هذه البداهات مرتبكة وفاقدة صدقيتها، فيخوضون في سجالات لا تجدي ولا تنفع في تحديد عدد الضحايا اليهود في المحارق النازية او إنقاصه. والحق، ان المسألة لم تكن، قطعاً، في عدد الضحايا، بل في ما تلاها من بداهات وتحديدات جعلت العمل السياسي يقوم على بعض اسسها. 
 

الاصغاء إلى المحلي

     نحو حوار مع متساوين يأخذ في اعتباره المعايير المحلية التي يتكىء عليها الاجتماع في كل مكان من العالم: قد يصلح هذا شعاراً مجدياً لافتتاح مناقشة تسفر عن بعض نتائج متواضعة، لكنها من دون شك انجح من هذين الموات والحوار الدموي اللذين لا نهاية لهما في ما يبدو. لكن مثل هذا الحوار، على ما يلمح شايغان، وهو يعود عن مقولته الأولى التي استحق عليها الثناء الغربي في كتابه الموسوم بالعربية "النفس المبتورة"، لا ينبغي له ان يعيد مقولة صراع الحضارات، إلى المتن، من الباب الموارب، بدعوى اننا يجب ان نقيم وزناً للاعتبارات المحلية إلى حد إعادة النظر في القيم الكونية التي اسست معنى الانسان المعاصر، فنرفض منها ما يبدو شائكاً ونقبل منها ما يبدو سهل التناول. ودائماً تحت الحجة نفسها: هذا يلائم مجتمعاتنا وذاك لا يلائمها. بل ربما يكون من الأجدى ان نسأل عن مدى الجدية في تطبيق القيم الكونية وشموليتها إلى الحد الذي يمكن جعلها ركناًً أساسياً من اركان السياسة الداخلية في دول العالم من دون استثناء. 

يسعنا ان نسأل مع مارسيل غوشيه لِمَ لم تستطع مقولة حقوق الانسان ان تخرج من حيز السياسات الخارجية في اوروبا إلى المدى الواسع والرحب للسياسات الداخلية في اوروبا الغربية واميركا على حد سواء؟ 
 

مرض الديموقراطية المزمن

     الحديث عن حوار بين متساوين لا يمكنه ان يكون حواراً بين شرقيين وغربيين حول سبل الخلاص من الارهاب الذي تنتجه المجتمعات المتخلفة، بل ينبغي ان تُسأل الديموقراطيات الغربية نفسها عن مدى نجاحها في تطبيق القيم الكونية التي يكثر الحديث عنها حين يتعلق الأمر بإصلاح العالم الثالث. ينبغي ان نسأل عن السبب الحقيقي الذي يجعل مرشحاً نال اقل عدد من الأصوات في الدورة الأولى، منتخباً في الدورة الثانية بغالبية ساحقة؟ وينبغي لنا ان نحاسب ايضاً انظمة ديموقراطية لا يمكن أياً كان ان يصبح فيها رئيساً إذا لم ينفق في حملته الانتخابية ما يفوق 200 مليون دولار. وربما علينا ان نفرق تفريقاً دقيقاً بين القوى والجهات والأطراف التي تنمو في ظل الديموقراطيات، فلا يكون انتاج التفاوت بين الطبقات والفئات الاجتماعية في مجتمع ما معطى مسلّماً به مثلما يريد ان يقنعنا بعض المتعلمين. وبالحماسة نفسها، ينبغي لنا ان نسأل: ما الذي يجعل مهمشي العالم الثالث يقاربون الشؤون العامة بحيواتهم واجسادهم العارية ولا يملكون غير لغة الموت والانتحار سبيلاً إلى جعل خطابهم يصل إلى الاسماع؟

على هذا، ليست الديموقراطية وصفة طبية يمكننا التداوي بها من امراضنا العالمثالثية. علينا ان نفتش عن عللها شرقاً وغرباً، في بلدان التخلف وفي بلاد التقدم. في الانظمة الديموقراطية وفي المجتمعات الأهلية من دون تمييز بين ملحّ واشدّ الحاحاً. في هذه الحال فقط يمكننا الحديث عن حوار بين متساوين. حوار لا يغمط المحلي حقه في ان يكون رئيسياً وفي صلب الأحداث، ولا يجبر المهمشين على افتعال الدوي لتحتل اخبارهم الشاشات. 

انتبه ساراماغو في "لو موند ديبلوماتيك" إلى مشكلات الديموقراطية البالغة العسر ودعا إلى التفكير جدياً في انشاء انظمة اكثر عدلاً. قد تكون الملاحظة صحيحة، لكن ما لم ينتبه له حائز جائزة نوبل، ان التغيير في معظم العالم تحفّ به الدماء من كل جانب، وان المسالمة التي يفضلها بعض الاوروبيين على الحرية في بعض الأحيان، قد لا تكون صفة بشرية عامة. والأرجح انه علينا، شرقاً وغرباً ان نتعايش مع مرض الديموقراطية المزمن ونأمل في ان لا تميتنا انفجاراتها المدوية.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic