قانا توأم ديربورن:
العمدة الكاثوليكي يصلّي حيث “معجزة المسيح”

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 6 تشرين أول «أكتوبر» 2003

عمدة ديربورن يضع إكليلاً على ضرائح شهداء قانا

     لم يحتج عنصر الدرك الى أكثر من كلمة واحدة بالانكليزية وحركة من يديه ليشرح للضيف الاميركي ما الذي يريده منه. “فوتوغراف” قال له وضغط على الالة الوهمية بين يديه كمن يصور. قفز عمدة ديربورن مايكل غيدو من كرسيه ومشى مع الدركي الى الباحة الخارجية للفندق الذي أقام فيه، في ايامه الخمسة التي أمضاها في لبنان. وخارجا كان الأعضاء الذين رافقوه ينتظرونه لإلتقاط الصور التذكارية معه. 

عند الحادية عشرة مساء كان الوفد اللبناني الاميركي يحتفل بغيدو في الفندق على أن يغادر هذا عند منتصف الليل. وبدا العمدة الاميركي الابيض على دراية تامة بالتقاليد العربية. مصافحة طويلة ثم ثلاث قبل وحديث ودي. والزيارة التي استمرت خمسة أيام كانت لإتمام واجب بروتوكولي لتوأمة بلديتي ديربورن وقانا. هذه التوأمة التي أقرت في عام 1998. لكن الزيارة تخطت هذا الواجب الى واجبات أخرى، يفترض وفد رجال الاعمال اللبنانيين الاميركيين انها مطلوبة منهم هنا، حيث الوطن الام وهناك في ديربورن العربية. 
 

لماذا قانا؟ 

     يحق للبلدية الاميركية أن تجري توأمة مع بلدية واحدة فحسب. هكذا، حين قررت بلدية ديربورن في سنة 1998 أن تجري توأمة كان لا بد من استشارة الجالية الافعل والاقوى في ديربورن: الاميركيون من أصل لبناني. على هذا “كانت قانا هي الدلالة الانصع سياسيا ورمزيا للبنان هناك”، يقول النائب علي بزي الذي كان يومها من قاطني البلدة والناشطين في جاليتها، “على الرغم من أن الثقل هو لبنت جبيل وتبنين”، يضيف بزي. لم يكن هناك من خلاف على قانا كتوأم لديربورن. “حين اقترحنا بنت جبيل” يقول غيدو، ساد تململ (من غير البنتجبيليين) وعندما اقترحنا تبنين حصل الامر نفسه.. ولكن حين اقترحنا قانا.. ارتفعت جميع الايدي موافقة من دون تردد”. وهكذا كان. وهكذا وجد غيدو نفسه بعد خمس سنوات من التوأمة يدخل حيث دخل المسيح يوما وصنع معجزة. هناك اختلى العمدة الكاثوليكي بنفسه وأدى صلاته وخرج فرحا بتتويج زيارته الاولى الى هذا الجزء من العالم بتجربة كهذه. 

“قانا رمز”، يقول جو بيضون منسق العلاقات في البلدية ومنظم الوفد، “والتوأمة فعل يستفاد منه في التبادل الثقافي والاجتماعي، إذ الفرصة متاحة لمنح دراسية مستقبلية وتبادل طلاب ودعم مشاريع انمائية في القرية اللبنانية”. غيدو، من جهته، يرى أن بيروت ربما تكون أكثر شبها بديربورن من حيث حيويتها التجارية ووسط البلد فيها وغيرها.. ولكن قانا، بما هي خليط ديانات تشبه ديربورن التي تتجاور كنائسها ومساجدها.. من ناحية القلب، قانا وديربورن تتشابهان أكثر مما تتشابه بيروت وديربورن، يقول غيدو. 
 

مشاريع انمائية 

     غني عن القول ان الوفد الاتي مع العمدة يتمتع بثقل مادي كبير في ديربورن. رجال الاعمال هؤلاء نموذج عن أغلبية عظمى تجهل كيفية الانفصال عن الوطن الاول. هل من دور لهم يلعبونه هنا؟ يقول النائب بزي إنهم قادرون على تدوير عجلة اقتصادية متعبة في القرى والبلدات الجنوبية. “ليس مطلوبا منهم اقامة مشاريع كبرى” يقول، بل “المطلوب أن ينشئوا مشاريع قليلة التكلفة بالنسبة اليهم وتقدر على تغطية نفقاتها كما تقدر على ايجاد فرص عمل كثيرة لقاطني هذه القرى البعيدة عن بيروت المركز”. ولاقى بزي في حواره مع أعضاء الوفد تجاوبا لدى الكثيرين منهم لكنه يتخوف من الوضع السياسي السائد لبنانيا والذي قد يبقيهم على حذر من هكذا خطوات. رجل الاعمال العربي الاميركي رئيس النادي اللبناني في ديربورن علي جواد يرى أن امكان الاستثمار في لبنان ممكن بشدة ولا يحتاج الى كثير من المخاطرة كون الرساميل المطلوبة لإقامة مثل هذه المشاريع تعتبر ضئيلة. 

وقد قام الوفد بزيارة مصارف لبنانية تهتم بالسوق العربية الاميركية الناشطة هناك. ويرى جواد أن الفرصة متاحة لمثل هذا التعاون الاقتصادي المفيد للطرفين اللبناني والاميركي. 
 

زيارة العمدة 

     لاقى غيدو حفاوة أينما حل في قرى الجنوب. وبدأ برنامج زيارته بلقاء أرفع مسؤولين لبنانيين، هما رئيسا الجمهورية والنواب. أين وجه الافادة في زيارة عمدة البلدية “العربية”؟ يرى بيضون أن الزيارة سمحت للأميركيين من أصل لبناني أن يعرفوا رئيس بلديتهم إلى طنهم الاصلي وأن يكسروا آخر الصور النمطية لديه، اذا جدت. الصور النمطية نفسها يشير اليها بزي في معرض كلامه عن زيارة الاميركيين الى لبنان. “فنحن بحاجة الى مخاطبة الفاعلين في الادارات الاميركية بعيداً من الشعارات الرنانة. نحن بحاجة الى فهم النظام الذي تعمل به الادارة. قد لا تكون زيارة عمدة أميركي فائقة الاهمية، لكنه عمدة معني بجالية عربية لا يستهان بها وقد يشكل حصانة مهمة ضد اي من أشكال العنصرية والتطرف الذين ربما يلحقان بالجالية هناك”. العمدة يعرف الكثير من الاميركيين من اصل لبناني في ديربورن، وزيارته الى لبنان جعلته يلتقي بهم في قراهم ويعرف معنى العلاقة بين الاميركي وقريته الام.” يقول بيضون. 

على أن غيدو ليس غريبا عن الخليط الاميركي المعقد. هو مثلا نشأ مع جيران عرب. وهو من أصل ايطالي، زوجته من أصل أرمني من غير الجذور اللبنانية.. لكنها أرادت التوقف في برج حمود للتفرج على ديربورن أرمنية في لبنان. برج حمود التي تعرفها ولها أقارب فيها. معصرة الثقافات الاميركية تنتج صورا كهذه. رئيس بلدية أميركية من أصل ايطالي يرافق فاعلين في أقلية من أصل عربي الى مسقط رؤوسهم. يلقى حفاوة بالغة في زيارته اللبنانية القصيرة الأمد ويتناول طبعا مختلف أنواع المطبخ اللبناني التي يعرفها أصلا. هل زاد وزنه في الزيارة اللبنانية؟ ينظر غيدو الى بطنه الذي لا تقاس بحجمه ويقول: لا.. كنت حذرا في هذا لأن شركة الطيران لن تسمح لي بأي زيادة في الوزن، وينفجر ضاحكا، ثم، كمن يستعيد ذكريات ايامه اللبنانية القليلة بشيء من الحزن، يربت على معدته ويكرر بالعربية: شاورما.. شاورما.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic