سوريّا تملك خيارَي "التوازن المقاوم" والمعركة السياسية

نصير الأسعد

جريدة المستقبل (لبنان)

الثلاثاء، 7 تشرين أول «أكتوبر» 2003

     حرّك العدوان الإسرائيلي على بلدة عين الصاحب السورية شمال غرب دمشق بزعم وجود موقع لـ"الجهاد الإسلامي" فيها نقاشاً واسعاً حول الاحتمالات التي يفتحها هذا العدوان.

ومن متابعة لهذا النقاش الذي دار في مختلف الأوساط السياسية، يمكن القول أن الآراء تقاطعت حول أبرز النقاط الآتية:

أولاً ـ من الواضح أن الغارة الإسرائيلية في عمق الأراضي السورية تمّت بمعرفة الإدارة الأميركية وبموافقتها، ما يعني أن سوريا معنيّة باعتبار الغارة واحداً من الضغوط الأميركية عليها لا بل انتقالاً أميركياً بهذه الضغوط الى مرحلة متقدّمة.

ثانياً ـ لم تكن الغارة موضع إدانة من جانب الولايات المتحدة، لا بل اكتفت أميركا ـ بعد العدوان ـ بدعوة الطرفين الى "ضبط النفس"، وانطوى الكلام الأميركي عن "وقوف سوريا في الجانب الخطأ من الحرب على الإرهاب" على تحميل سوريا المسؤولية، وعلى ما يشبه التهديد لها من الإقدام على أيّ ردّ.

ثالثاً ـ إن حصول الغارة الإسرائيلية بعلم أميركا وموافقتها، ثم اعتماد واشنطن للهجة تهديدية حيال سوريا، يؤشران الى أن العلاقات السورية ـ الأميركية بعيدة جداً من التوصل الى صياغة "تسوية" بين دمشق وواشنطن. وأكثر من ذلك، ثمة تقدير ان الليكود في إسرائيل لا يريد للعلاقات السورية ـ الأميركية أن تتوصّل الى تسوية معيّنة، وأن اليمين المسيحي الصهيوني في الإدارة الأميركية لا يرغب في حصولها أيضاً، وأن كليهما ـ الليكود واليمين الصهيوني ـ يريدان من سوريا موافقة متكاملة على الشروط ـ المطالب الأميركية التي سبق لوزير الخارجية الأميركي كولن باول أن حملَها الى العاصمة السورية في زيارته اليتيمة بعد الحرب على العراق. كذلك ثمة تقدير أن هذا التشدّد الأميركي حيال سوريا سيأخذ منحى تصاعدياً خلال سنة الانتخابات الرئاسية الأميركية، لا سيما أنها ستكون "سنة ميّتة" في ما يتعلق بالعملية السياسية في المنطقة. والى ذلك يضاف بحسب كثيرين أن ما تعرضه سوريا من مواجهة للتطرّف الأصولي، وهي مواجهة مبنيّة على الفهم والتحديد السوريين لـ"الإرهاب"، لا يبدو مرغوباً من الجانبين الأميركي والإسرائيلي، لأن الجانبين لا يريدان خسارة هذا "العدوّ" (التطرّف الأصولي) الذي يشكّل مسوّغاً للحروب التي يخوضان والتي تشكّل وسيلة التحكّم بالمنطقة الى فترة معيّنة.

رابعاً ـ تشكّل الغارة الإسرائيلية داخل سوريا، إيذاناً بمحاولة "معاقبة" مزدوجة لها، من زاوية علاقتها بالمسألة العراقية حيث الاختلاف السوري ـ الأميركي في مقاربتها وحيث تتّهم واشنطن دمشق بدعم المواجهات التي تحصل في العراق ضد القوات الأميركية، ومن زاوية علاقتها بالمسألة الفلسطينية أيضاً حيث سوريا "متهمة" بالتعاطف مع الفلسطينيين وبعدم تفكيك المنظمات التي تسمّيها أميركا وإسرائيل "إرهابية"... أي أن الضغط على سوريا يتزاوج ضمنه الاعتباران العراقي والفلسطيني.

خامساً ـ وكان ثمة تقدير كبير للأداء السوري بعد العدوان الإسرائيلي، وقد تمثّل بالتوجه الى مجلس الأمن الدولي لخوض معركة سياسية ـ ديبلوماسية، في مسعى الى وضع الأمور في نصاب "الشرعية الدولية". لكن إذا كان الخيار السياسي ـ الديبلوماسي الذي اعتمدته سوريا حيال العدوان، هو الأسلم بطبيعة الحال، فإن "الساحة" التي دار فوقها الصراع، بدت محكومة الى توازنٍ جديدُهُ أنه يشهد مزيداً من الاختلال لصالح أميركا (وإسرائيل) خاصة أن عنواناً مثل "الإرهاب" في ظل تقارب أوروبي ـ أميركي بشأن تحديده والذي لا تعدّل كثيراً في محصّلته (التقارب) "تلاوين" أوروبية هنا أو هناك، أن عنواناً كهذا يضغط على الصراع، ويحول دون تسجيل مكسب ديبلوماسي ذي وزن حقيقي.
 

معادلة خطيرة على سوريا

     تشكّل النقاط الآنفة إذاً، خلاصة إجمالية لما تتقاطع بشأنه الآراء التي تبلورت خلال النقاش في الأوساط السياسية، وهي خلاصة لا مفرّ من القول أنها تقدّم صورة عن تطوّر خطير يضع سوريا في دائرة ضغوط استثنائية جداً. ويكفي للدلالة على خطورة الوضع، أن يشار الى أن سوريا بعمقها باتت هدفاً عسكرياً معلناً من جانب إسرائيل (وبموافقة أميركية)، وأن أي عملية فلسطينية ستحمّل مسؤوليتها الى سوريا فضلاً عن السلطة الفلسطينية. وإذا أخذ في الاعتبار أن انسداد الأفق أمام تجديد المسار السياسي بالنسبة الى القضية الفلسطينية لا سيما في موازاة "السنة الميّتة"، فمعنى ذلك أن منحى التطورات سيكون شديد الخطورة.

لكن في المقابل، هل يمكن سوريا أن "تسلّم" بهذه المعطيات؟ وفي الجواب عن هذا السؤال، برز تقاطع في الآراء على أن سوريا لا يمكنها "التسليم" وذلك للحيثيات والاعتبارات الرئيسية الآتية:

1 ـ ان استهداف سوريا عسكرياً من جانب إسرائيل الآن، وربما من جانب أميركا في مرحلة مقبلة، في مقابل كل عملية فلسطينية في الداخل الفلسطيني أو غداً في مقابل عمليات عراقية، إنما يعني فرض معادلة جديدة على سوريا سيعني قبول "التعامل" معها تكبيلاً لها.

2 ـ وعلى افتراض أن الغارة الإسرائيلية لا تعدو كونها "رسالة"، أي على افتراض أن ليس في الأمر فرض لمعادلة جديدة بشكل حاسم، فإن دمشق معنيّة بعدم "تمرير" هذه "الرسالة" كي لا يتكرّر توجيه "رسائل" مماثلة، لأن سوريا معنيّة عندما يحين أوان التفاوض بأن لا تكون مقيّدة اليدين.
خيارا الردع والصراع السياسي

3 ـ يجب أخذ ما أعلنه وزير الخارجية السوري فاروق الشرع لجهة "عدم عجز سوريا عن خلق توازن مقاوم رادع" بحرفيّته. ذلك أن سوريا تستطيع الاتّكال على دعم المقاومة في فلسطين كما تستطيع الاتّكال على دعم المقاومة في لبنان، ومعنى ذلك أن التهديد الموجّه الى سوريا بأن إمّا التسليم بالشروط وإمّا الاستهداف ليس إنذاراً على خط واحد، وسوريا تملك أن تقول إمّا التوقف عن الاستهداف وإمّا فلتتحمل أميركا وإسرائيل مسؤولية دفع المنطقة الى "دوّامة عنف".

4 ـ ولأن التجربة تفيد بما لا يقبل الجدل أن سوريا لا تغامر، ولا تلجأ الى الخيارات القصوى بل تُفرض عليها وتعرف كيف تتعامل معها، فإنّ أغلب الظنّ هو أن سوريا بما تمثّله من موقعية مركزية في المنطقة، ستواصل في المدى المباشر المعركة السياسية ـ الديبلوماسية التي بدأتها في الأمم المتحدة، باتجاه الدول العربية والأوروبية، متسلّحة بـ"أوراق" رئيسية: ان استهداف سوريا هو محاولة إسقاط للوضع العربي برمّته أولاً، وسوريا تملك علاقات رئيسية على الصعيد الدولي ثانياً، وهي متّصلة بمقاومتين فلسطينية ولبنانية ثالثاً، وعلى علاقة تحالفية مع إيران رابعاً، وتدرك أن إدخال المنطقة في حرب إقليمية أو فوضى، سلاح ذو حدين

5 - وإذا كانت سوريا تقرأ جيداً المتغيّرات وتتعامل معها برويّة، فإن ما تملكه يسمح لها بالسعي الى فتح باب المفاوضات مرة أخرى.

وفي جميع الأحوال فإن سوريا التي لا يمكنها تقبّل معادلة تقيّدها، تعلم كيفية الحذر من الانزلاقات، وهي "محترفة" في مجال "تدجين" وقائع معيّنة و"عدم إمساك الثور الهائج من قرنيه".

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic