ما من شيء يعوّض عن العجز الموضوعي أكثر من الوعي الخرافي. نحن في ذروة العجز (في انتظار ذرى أخرى) إذاً نحن في ذروة الخرافة. نداوي الضعف بالشعوذة والسحر ونبتذل اللغة والمعنى.
هذه عينة من تعليقات لبنانية على الغارة العدوانية الإسرائيلية فجر الأحد. “في كل مرة تعاني إسرائيل من فشل وإحباط...”. “إن إسرائيل التي ترفض الاعتراف بواقع فشل خيارها العسكري إنما تعتقد، بهروبها إلى الأمام، أنها تخرج من مأزقها الأمني والسياسي”. “إذا كان العدوان محاولة للخروج من المأزق الكبير الذي تعانيه إسرائيل...”. “إنها محاولة مكشوفة للهروب إلى الأمام من المأزق الداخلي الذي يعاني منه شارون... إلى الهاوية”. “تهديد الأمن الإقليمي في محاولة للهروب من المأزق الأمني الداخلي”. “محاولة لإعادة خلط الأوراق بعد فشل سياسة شارون”. “لا يمكن عزله عن حالة العجز الكامل التي يواجهها العدو الإسرائيلي جراء تصاعد الانتفاضة الباسلة”. “يلعب ورقته الأخيرة بعد فشل جداره الأمني النازي في إسكات المقاومة الفلسطينية”. “هروب إلى الأمام في ظل انكشاف العجز المتزايد عن مواجهة العمليات الفدائية الفلسطينية”... إلخ.
“فشل”، “إحباط”، “مأزق”، “هروب إلى الأمام”، “عجز كامل”، “ورقة أخيرة”، هذه هي الأوصاف التي نطلقها على المشروع الإسرائيلي، وهي أوصاف لا تقتضي منا جهداً لإيجادها لأنها “مكشوفة”.
إذا كانت هذه هي سمات الوضع الإسرائيلي فإن المرء يكاد لا يتمنى لأمته إلا فشلاً من هذا النوع. وربما كان ضرورياً أن يبذل العرب جهوداً جبارة في بناء أنفسهم وخوض مواجهات ناجحة من أجل أن يصلوا إلى أسفل درك هذه الأزمة التي يعيشها عدوهم.
يغفل هذا الوعي الخرافي الوردي تماماً عن أن يرى حالة الطرف الآخر المباشر في الصراع. فالعلاقة الجدلية، أي الصراعية، بين إسرائيل والفلسطينيين تستوجب القول، إذا كان الأول فاشلاً أن يكون الثاني “ناجحاً”. وربما كان في ذهن أصحاب هذه الصفات أن هذا هو الحال الأمر الذي يخالف ألف باء الواقع، ويخالف، في السياق نفسه، كل توقع للمستقبل القريب يتمتع بحد أدنى من العقلانية.
نعم إن إسرائيل في أزمة. غير أنها في أزمة تخمة، في أزمة مواجهة صعوبات يطرحها عليها تحدي النمو والتوسع. والفلسطينيون (والعرب) في أزمة من نوع آخر. أزمة عجز وجوع وتراجع. أكثر من ذلك إنهم في أزمة وعي حادة طالما أنهم، من القعر الذي هم فيه، ينظرون إلى جلادهم فيرون أمارات التعب عليه فيتجاهلون أنه تعب من كلّت يداه من الضرب.
نعم إن إسرائيل في أزمة ليس لأنها لا تملك إلا إيجاد حل عادل لقضية فلسطين بل لأنها لا تجد حلاً مناسباً لتصفية قضية فلسطين: لا القمع ينفع، ولا الضم وارد، ولا الترانسفير ممكن. وهي تدور حول نفسها مفتشة عن مخرج يؤمّن لها الحد الأقصى من الأرض والحد الأدنى من الشعب (الفلسطيني). وبما أن الأمر ليس سهلاً، وبما أنه يلقى ممانعة، وبما أنها توسع العدوان من أجل امتلاك قدرة تنفيذ هذا الحل، فإن هناك من يستنتج أنها هي التي تواجه مأزقاً وليس خصمها.
هذا التشخيص للوضع ليس بريئاً. إنه بوابة العبور إلى الراحة والكسل حيث يتحول تقدير الوضع إلى مجرد دعاء ضد إسرائيل التي لا بد أن تنهار تحت وطأة الانتصارات التي تحققها، وتحققها لها الولايات المتحدة.
يخيّل للمرء أن هذا الهذيان عن عجز إسرائيل وعن دور الانتفاضة الباسلة في ذلك، يخيّل إليه أنه سيقود إلى موقف إيجابي من الفلسطينيين. وهم. إن معظم الذين ينعون إسرائيل يضنّ على الفلسطيني المقيم في لبنان بتملّك شقة!
هذه عينة أخرى مما قيل في مشروع قانون لإلغاء التمييز العنصري بحق الفلسطينيين والقاضي بحرمانهم من حق الملكية في لبنان.
“إن أي نص أو تشريع أو حتى معاملة فردية تتعارض مع مبدأ رفض التوطين سيكون مصيرها الفشل”. هذا كلام لمسؤول لبناني كبير يختلف مع مسؤول آخر في قضايا لا حصر لها إلا هذه طالما أن الثاني “مستاء بشدة من طرح اقتراح القانون بهذا الظرف بالذات”. وفي حين يعتبر نائب أن المشروع، مثل “اتفاق القاهرة” مدخل إلى “الفتنة”، يكتشف نائب آخر، بتذاكٍ، أن المطلوب انتظار مصير “خريطة الطريق” قبل بت الموضوع: اقتراح بتأجيل العنصرية اللبنانية إلى أن تفعل العنصرية الإسرائيلية فعلها فتريح وتستريح!
ويكتب زميل ترهات من هذا النوع: “ما بال الفلسطينيين يضعون في سلم أولوياتهم، في هذا الظرف الدقيق والعصيب بالذات الذي تمر به الانتفاضة والداخل الفلسطيني والوضع في لبنان والمنطقة بشكل عام، حق تملّكهم في لبنان مطلباً رئيسياً وقضية أساسية... وينادون، ويصرخون، ويوقعون العرائض”. ويتساءل “من أين لهم الأموال للتملك؟”. ويضيف أنه “لو كنت فلسطينياً لما فعلت حتى لا أنسى بيتي وأرضي”. ويكشف السر الشائع القائل بأن لبنان يقف “إلى جانب القضية الفلسطينية العادلة” ما يمنعه من السماح لفلسطيني بالانتقال من وضعية مستأجر إلى وضعية “مالك شقة”.
إن لم يكن هذا هو التمييز العنصري فماذا يكون؟ السؤال حاد بعض الشيء. غير أن حدته تخالطها المرارة عندما يحصل ما يحصل في لبنان الذي حسم انتماءه العربي، واحتضن المقاومة، وحرّر أرضه، وكاد يطارد رياض سلامة وجان عبيد باسم “أموال حماس”.
إن عقلاً يعتبر المسافة معدومة بين امتلاك شقة والتوطين هو بحاجة إلى معالجة. ولكن، هنا أيضاً، ليس الأمر بريئاً إلى هذا الحد. إن من الشروط الداخلية للعبة السياسية الطوائفية الاحتفاظ بهذا النوع من رصيد العداء للفلسطينيين. وهنا بالضبط يكمن سر التركيز على “رفض التوطين” بدل “حق العودة”.
يمكن لأي مراقب أن يلاحظ أن مدافعين عن مشروع القانون الجديد يكثرون من الكلام عن حقوق الإنسان. هذا من حقهم طبعاً ولكنه غير كاف. فاللبنانيون مطالبون بغير ذلك حيال الفلسطينيين المقيمين بينهم. لقد كان الأخيرون طرفاً فاعلاً في أحداث ثلث العقد الأخير. ويخطئ من يعتقد أن القفز فوق هذه الحقيقة ممكن من دون مصارحة ومصالحة. غير أن بعض اللبنانيين معذور. فهو لم يمارس لا مصارحة ولا مصالحة كمقدمة لترسيخ الخروج من الحرب، فهل يفعل مع “مقيم” ما لم يفعله مع مواطن آخر؟
إن “رفض التوطين” تأسيس لإجماع لبناني على خرافة. ولذلك يمكن، بسهولة، لمن يروّج أسطورة المأزق الإسرائيلي نتيجة الانتفاضة أن يشهر سلاحه في وجه فلسطيني لم يفعل سوى تفضيل الملكية على الإيجار.