الفواتير المتأخرة لمعركة المالكية

شوقي بزيع

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 19 تشرين أول «أكتوبر» 2003
Shawqi Bzeia - شوقي بزيع

 

     تريثت ُكثيراً قبل ان أعقد العزم على طرش المنزل الذي أقطنه في الطرف الغربي لشارع الحمراء وطلاء ابوابه. وكان ذلك التريث عائداً الى ثقتي المهزوزة ببعض اصحاب المهن الحرة الذين يرون في جهلي شؤون الدنيا وتفصيلاتها السقيمة فرصة ثمينة لرفع سقف مطالبهم الى حدوده القصوى. وظل الامر على حاله الى أن اتصل بي أحد الاصدقاء ليخبرني بعثوره على مقاول شعبي وكفوء من الذين يعتبرون القناعة كنزاً لا يفنى. 

في الصباح التالي وقبل موعد نهوضي من النوم بساعات ثلاث دق جرس الباب دقات عنيفة تكفي لايقاظ الموتى من قبورهم. وما ان فتحت الباب متثاقلاً ونصف مستيقظ حتى وجدتني امام جبل صغير، شبيه بأحد عناوين روايات الياس خوري، يتبعه رجلان هزيلان بقامتين خيطيتين تشبهان قامات السيخ في الهند. لم أذكر قبل أن أعود الى النوم سوى صوت أجشّ قال صاحبه إنه يدعى أبو السبع قبل أن توشك كفه الممتدة للمصافحة على اقتلاع كتفي من جذورها. 

حين استيقظت للمرة الثانية كان الرجلان الخيطيان قد شرعا في العمل فيما أعاد ابو السبع التعريف بنفسه مردفاً انه أحد أمهر الطرّاشين في البلد وأنه سليل عائلة مشهود لها بالصلابة وقوة الشكيمة. فجده لأبيه، كما قال، أحد ابطال انتفاضة بنت جبيل عام ،1936 وجدّه لأمه أحد ابطال معركة المالكية الشهيرة والتي خاضها الجيش اللبناني والمقاومة الشعبية في وجه العصابات الصهيونية الزاحفة عام .1948 وخلال ساعتين متتاليتين لم يترك لي أبو السبع فرصة لالتقاط الانفاس او السؤال عن كلفة الطرش والطلاء. كنت أشيح بوجهي الى اليمين فينتقل بجثته الهائلة الى يميني، والى اليسار فينتقل الى يساري، متابعاً الحديث عن بسالة جديه كما لو ان المعركتين قد حدثتا قبل ثوان قليلة. 

خجلتُ بالطبع ان اسأل الرجل، الشبيه بأحد الابطال السينمائيين الذين شاهدتهم في أحد افلام رعاة البقر الاميركية، عن السعر الذي يطلبه لانجاز المهمة المنوطة به. لكنه، وقد أدرك ما يجول في ذهني، بادرني الى القول ان المال بالنسبة اليه شأن ثانوي وان كل ما يهمه الحفاظ على ارث جديه الكفاحي وتحرير ارض الوطن السليبة حتى آخر شرش زلوع في مزارع شبعا ومرتفعات جبل الشيخ. ولم يكد ينهي كلامه حتى أحسست بانني بتّ أكثر طولاً من ذي قبل وبأن شعوري الغامر بالكرامة يجعل اي حديث عن الأجر وضيعاً وتافهاً وفي غير محله. كل ما تبقّى لي في تلك اللحظة، وأنا المهجوس بالنوم، هو السؤال عن عدد الايام التي ينبغي لي فيها ان افتح الباب في السابعة صباحاً. وكان رأيه ان الامر لن يستغرق سوى ايام خمسة في اسوأ الاحوال. 

لم يطابق حساب حقل أبي السبع حساب بيدري المنهوبة صباحاته. فالخيطان النحيلان راحا يعملان ببطء سلحفاتين مصابتين بالربو! اما أبو السبع فكان لا يطل الا ساعة في النهار ليسرد لي ما تبقّى من اخبار انتفاضة بنت جبيل ومعركة المالكية، حتى شعرت بعد ثلاثة وعشرين يوماً بأن المعركتين لن تنتهيا ابداً الا اذا أسدل ستارهما على جثتي بالذات. خلال تلك الاسابيع المترامية كان أبو السبع يستدرج جيوبي الى الفراغ منتزعاً منها الدولارات المئة بعد المئة قبل أن تصل المبالغ المدفوعة اضعاف ما كان متوقعاً وأدرك ان الرجل يريد مني ان أدفع ديّة جديه الباسلين وكل التعويضات الاخرى المترتبة على المعركتين السالفتين! 

فجأة تنبهت الى أن أبا السبع ليس رجلاً بعينه بقدر ما هو حالة مجازية، لها نظائرها في كل دسكرة وقطر من ارض العرب. وفجأة ايضاً اتسعت المالكية، وهي احدى القرى السبع المحتلة ايضاً! لتصبح في حجم فلسطين الضائعة منذ خمسة وخمسين عاماً. فلسطين التي بحجة استرجاعها تُحرَم شعوب بأسرها من النوم وقهوة الصباح. وبحجة ان "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" تعلّق الدساتير والحريات والمشانق وأحلام المستقبل. وبحجة عودتها المرتقبة تتم جباية الاموال والاعمار والكرامات وعرق الجباه ويتحوّل اثنان وعشرون نظاماً عربياً الى نظام واحد للمقاولة بالسلاح الصدئ والاسمنت المغشوش والمعلبات الفاسدة. 

لقد تماهى أبو السبع المقموع مع سلطته القامعة ولبست الضحية لبوس جلادها وأتقنت اساليبه وشعاراته. ألم يصبح الانتماء القومي للنظام اللبناني ذريعة اهل النظام لإفلاس الخزينة وقضم الحريات وتلويث البيئة وارتكاب المحرمات؟ ألم يصبح شعار التحرير جواز المرور الطبيعي للهيمنة والتسلط والاستحواذ على المقدرات وتخوين الآخر وقتل الحياة المدنية؟ لم يكن أبو السبع في هذا المعنى سوى النموذج المصغر لبطولة الخديعة التي تحول الشعارات الكفاحية والقومية قشرة موز تنزلق فوقها اجيال كاملة من المخدوعين والمغرر بهم في غفلة من الزمن؟ اما الثمن الذي دفعته شخصياً فلم يكن سوى جزء يسير من الفواتير المتأخرة لمعركة المالكية. وكل مالكية وجيوبكم سالمة!

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic