أنت من حزب الله؟

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 22 تشرين أول «أكتوبر» 2003

     أتاه اتصال هاتفي. وضع علي جهازه الخلوي على أذنه وراح يمشي بينما يحكي.. هو عند تقاطع الشهيدين في الشياح. يحكي ويمشي بمحاذاة جدار. يده اليمنى تحمل الخلوي.. اليسرى تتلهى بالجدار. تلتقط من دون إذن صاحبها طرف ورقة ملصقة على الجدار. يتمزق قسم كبير من الورقة ويبقى في اليد. ينتبه الشاب إلى فعلته غير المقصودة: مزق صورة للشاب الذي قتل منذ مدة في اشتباك بين شبان حزب الله وحركة أمل نتيجة خلاف على تعليق صور ولافتات. مزق صورة حسين علاء الدين. حين انتبه جرب أن يعيدها. مستحيل. لم يرمها. “ليه خزقت الصورة؟” سأله شاب من أولاد المنطقة يعرفه شخصيا.. وأكمل: “ولو؟ هيدي صورة شهيد!”. عفواً. لم أكن أقصد. تاني مرة ما تعيدها. قال له ابن المنطقة ومضى. عاد علي إلى التقاطع حيث كان وأصدقاءه يساعدون رجلا وعائلته اصطدم بسيارة أخرى. رجل لا يعرفه علي ولا أصدقاؤه. مجرد خدمة. 

بعد نصف ساعة أتاه اتصال هاتفي آخر. راح يحكي من دون أن يتحرك من مكانه. بغتة وجد نفسه محاطا بخمسة رجال. سأله أحدهم: أنت بحزب الله؟ فوجئ الشاب وقال للرجل السائل: لحظة. “سكرلي التلفون”. أنهى علي اتصاله. انت بحزب الله؟ سأله ثانية. “تفضل معي”. تفضل علي مع الشبان من دون اعتراض. إما أن يضرب وإما أن يتفضل. وهكذا.. سحبه خمسة رجال بثياب مدنية في الشارع من دون أن يعرّفوا حتى عن أنفسهم. وضع أحدهم يده على كتفه أما الثاني فالتقطه من معصمه.. وشد عليه كي لا يفلت. حاول أصدقاؤه اللحاق به فمنعهم الرجال. أخذ علي الى غرفة بجرار حديد من جهة الطريق وبباب جانبي، “مكتب” لحركة أمل. هكذا عرف علي من الرايات الموضوعة في الصندوق في الداخل ومن حيثيات الموقف. دخل رجل سمين يلف حزامه الجلدي حول كفه. علي يراقبه بينما الرجل يباعد الاغراض الى أطراف الغرفة ويمشي في الغرفة ذهابا وإيابا من دون أن يحدث الشاب الذي صار يتوقع أن ينهالوا عليه ضربا بين لحظة وأخرى. وضع الرجل حزامه على الطاولة ونادى أحدهم: تعا يا حاج ارويلي شو صار. روى له “الحاج” ما رأى. “مش قصدي.. وبعتذر منك..”. علي راح يفسر للرجل الموقف. قد يكون في يدك قلم فتروح ترسم به.. قد.. تجمع الرجال في الغرفة. الجميع يسأله في آن. “شو اسمك؟.. ليه خزقت الصورة؟.. ضاع الشاب. ليسألني واحد منكم فحسب. تطوع حامل الحزام. “شو اسمك؟”.. مين حضرتك قال علي.. مسؤول الحركة في المنطقة. أعطني هويتك. أعطاه علي هويته. علي للمناسبة من “المنطقة”.. من الغبيري. علي للمناسبة ليس متدينا وليس حزبيا وليس مسيسا. أجرى المسؤول اتصالا هاتفيا بمسؤوله.. يقول إنه لم يكن يقصد تمزيق الصورة ويقول إنه لا ينتمي الى حزب. أصدقاء علي ينتظرونه خارجا ويتناقشون مع شبان الحركة.. يسمع علي أحد الشبان يقول: “ولو؟ بعد ما برد دم الشهيد (يقصد علاء الدين)”. بعد الاتصال صار علي حراً في الذهاب.. ولكن.. “ما بقى تعيدها..”. أفرج عنه؟ أخلي سبيله؟ حكم عليه بالبراءة؟ نجهل التسمية الملائمة لذهاب شاب مع زمرة من المدنيين واحتجازه في غرفة ثم إطلاقه. 

شعر علي بأن حقه قد استبيح، أنه أخذ عنوة أمام عيون المارة وأنه احتجز من غير حق. شعر بأن من حقه عليهم أن يعتذروا منه. لكنهم لم يعتذروا.. بل رأوا من حقهم أن ينصحوه: ما بقى تعيدها.. أما هم فما فعلوه سيعاد على الارجح عند كل إحساس داهم بالخطر.. كمثل تمزيق ورقة عن جدار. لا بأس ببعض الخروقات العامة لحقوق مواطن لبناني. القضايا السامية تضطرنا أحيانا.. أو دائما. 

يقول علي: لم أفكر للحظة بالذهاب الى الدرك. أعرف أن الدرك لن يقدر على فعل أي شيء. 

يقول علي: شعرت بأنني يهودي.. شعرت بأنني أنا من قتل الإمام الحسين.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic