التظاهر بالتظاهر

جوزف سماحة

جريدة السفير (لبنان)

السبت، 25 تشرين أول «أكتوبر» 2003
Joseph Smaha - جوزف سماحة

     يحصل هذا فقط في لبنان. يقدم وزير المالية مشروع موازنة فيرد رئيس الجمهورية بما يوازي اقتراح نظام اقتصادي اجتماعي بديل. يكاد فؤاد السنيورة يقول إن موازنته عكس ما يطمح إليه. ويكاد إميل لحود يقول إن اقتراحاته هي ما يطمح إليه لو كان في... الحكم! 

يحصل في لبنان فقط أن نكون الثلاثاء الماضي أمام صدام بين مشروعين مختلفين جذرياً فنصبح الخميس أمام هامش لقاء واسع يمكن له أن ينقلب، الثلاثاء المقبل، إلى تناحر. يوم للدخان الأسود. يوم للدخان الأبيض. هل يمكن، والحالة هذه، استغراب تحول المواطنين إلى متفرجين يمعنون في طلاقهم للشأن العام؟ أليست المشكلة أن المسؤولين لا يعتبرون هذا الطلاق مشكلة؟ هل يحصل في بلد آخر أن يلقى الامتناع عن المشاركة في الانتخابات تمجيداً بحجة أنه دليل على وجود أولويات أخرى؟ أليس طبيعياً أن من لم يقترع لن يتظاهر عندما تكون هذه الأولويات مطروحة؟ 

كانوا ستة آلاف في ماراتون بيروت، وخمسة آلاف في حفلة نانسي عجرم البحرينية، وثلاثة آلاف في تظاهرة الرد على الأزمة والمطالبة بتقديمات اجتماعية. ثبت أن لملحم زين قدرة تعبوية تفوق الاتحاد العمالي العام. هذه أزمة. إضراب جزئي جداً وتظاهرة ضئيلة جداً. وهي أزمة تتجاوز اختناق الوضع النقابي لتطال موات الجسم الاجتماعي. لم يعد قادراً ولا راغباً في رد ضربات يتعرض إليها. لا ثقة له بالسلطة ولا بالمعارضة ولا بمعارضة المعارضة ولا بالمعارضة ضمن السلطة. جسم يستقيل من أداء مهماته الحيوية. نبتة. ربما كان “الموت الوديع” حلاً. 

إن توزيعاً عادلاً للمسؤوليات لا يمكنه أن يعفي الحكام والقيادات السياسية والأحزاب والنقابات والهيئات الأهلية والإعلام... لا يستطيع أحد أن يدعي البراءة. بالمقابل هناك من يستطيع الزعم بأن آلاف المتظاهرين كانوا سيكونون أقل لو لم يكن هناك من هو متحمس للدخول في الصراع على قمة السلطة. فالتوازن، في هذه القمة، يدار ضمن دائرة لا علاقة لها بالتوازن الاجتماعي المنكسر. إن مباراة بين “الهيئات الاقتصادية” و”الاتحاد العمالي” هي مباراة بين ملاكمين ينتمي كل منهما إلى وزن وفئة. يقضي العدل منع المبارزة. فهي، بمجرد حصولها، تزيد اندفاع “الهيئات” نحو أقصى الطموح والمطامع. وبما أنها (أي الهيئات)، لضيق أفقها، تتمنى بلداً لا نقابات فيه فإنها مضطرة إلى التعايش مع وضع تصر فيه هذه النقابات على الخسارة من الجولة الأولى فتخرج دامية ولا تلملم أشلاءها. 

إذا صدق الانطباع، وهو صادق، أن “الهيئات” ميالة إلى أحد طرفي الصراع ضمن السلطة فما يجب قوله إنه عند حسن ظنها به. لقد أحسن استنفارها وسيحسن استثمار الفشل المدوي للطرف الآخر. ويمكنه إذ ذاك أن يتجاوب مع صورته عن نفسه: محسن كريم يتبرع بماله رافضاً “التفريط” بالمال العام ومستفزاً أقرانه، في القطاع الخاص، على فعل الخير خارج محاولات التحريض على “صراع طبقي” يمكنه أن يهز مناعة الطوائف والمذاهب. 

لا أمل بأن يراجع دعاة الإضراب حساباتهم. لا أمل بنقد ذاتي أو باستخلاص دروس. ستحاول البهورة الكلامية أن تردم الانقطاع المتزايد عن الواقع. هل سيجرؤ أحد على طرح السؤال التالي: ما معنى الدعوة إلى إضراب عام؟ هذا سلاح “دمار شامل” لا يجوز العبث به أو استخدامه بخفة. إنه الدرجة ما قبل الأخيرة في سلم تصعيدي ينتهي بالإضراب العام المفتوح. والهدف من استخدامه فرض خيارات صعبة: إما النجاح ومحاصرة السلطة، وإما الفشل ومحاصرة الحركة الشعبية. النتيجة ماثلة ولكن ليس من يستنتج. 

فوّت الإضراب والتظاهر قدرة التأثير على مناقشة الموازنة. لن يستطيع رئيس أو وزير توسل الضغط الشعبي لطلب تعديل. قد يعزز ذلك الميل إلى ارتكاب أحد خطأين: خطأ التعديل شبه الانقلابي، أو خطأ الاعتقاد بأن اللبنانيين الذين يشعرون بوطأة الأزمة لا يتجاوز عددهم بضعة آلاف. 

ماذا لو كان فشل الخميس تعبيراً عن عمق الأزمة؟ الماركسيون المبتذلون فقط، ومعهم الشعبويون، ينكرون أن الإضرابات والتظاهرات والاحتجاجات تتراجع في بلدان ترتفع فيها نسبة البطالة ويقطع التدهور خط اللاعودة. الهزال النقابي، في العالم، هو نتيجة فرعية للأزمة. وقد يكون هذا هو الوضع في لبنان مع إضافة انعدام المصداقية واليأس. نحن بلد لا وجود فيه لوجه اجتماعي واحد يثير أي حمية خارج النطاق الطائفي أو المذهبي. هذا إذا استثنينا السهولة النسبية في استثارة العصبية التي شكلت، تاريخياً، نواة “الاقتصاد الحر”. وما دام الوضع كذلك، كما هو مرجح في الأمد المنظور، فإن أي “تناقضات” في قمة السلطة لن يسعها أكثر من تأخير المستقبل المحتوم: الفوز الكاسح للنيوليبرالية. 

لهذه الأخيرة قوتها الدافعة. في مقابلها لا شيء. أو لا شيء تقريباً غير الأنين أو “الاستعراض”. المثال الأخير على ذلك هو نص الملاحظات التي قدمها رئيس الجمهورية على مشروع الموازنة. لن نعرف من وضع الملاحظات، ولم يشرحها لنا أحد، ولم يعلق عليها كائن، ولم يدرس كلفتها خبير، ولم يتوقف لبناني عند تقديماتها، ولم يتوسع معني في شرح الإصلاح الذي تريده والذي وجه إليه مشروع السنيورة ضربة قاسية. صرخة في واد من قائد لا جيش له ولا أركان ولا مبشرين ولا مؤمنين. ثم إنها صرخة تقول، أكثر ما تقول، إن صاحبها، على قمة السلطة، يريد ورشة عمل تنير له أوضاع الدولة. هل انتبه أحد، كفاية، إلى أن الرئيس طالب بما يلي: 

1 قانون ضمان الشيخوخة. في مهلة شهر كحد أقصى. 
2 حلول لمؤسسة كهرباء لبنان. في مهلة أسبوعين. 
3 خفض مستويات الفائدة. دراسة في مهلة شهر. 
4 تعديل النظام الضريبي. المهلة شهران. 
5 إعادة النظر في الغرامات الضريبية. اقتراحات خلال شهر. 
6 برمجة دفع بدلات الاستملاك. دراسة خلال ستة أشهر. 
7 برنامج زمني لإقامة المباني الحكومية. المهلة شهر. 
8 استخدام القروض الممنوحة من البنك الدولي. المهلة شهران. 
9 تعديل الميزان التجاري بحماية الإنتاج وتعزيز الصادرات وإعادة النظر في اتفاقات ليست لصالح البلد. المدة شهران. 
10 تقرير مفصل عن مستحقات 2004 وإدارتها. لا مهلة محددة. 
11 موجودات الدولة وممتلكاتها والإيجارات الرمزية. اقتراح خلال شهر. 
12 وضع مخطط توجيهي شامل للشاطئ اللبناني تعزيزاً للسياحة. لا مهلة. 
13 توسيع عمل البورصة وهيئة رقابة عليها. اقتراحات خلال شهر. 
14 إعادة درس القوانين الخاصة بقطاع التأمين. اقتراحات خلال شهر ونصف. 
15 وضع نصوص قانونية جديدة للإسراع في بت دعاوى المودعين والمقرضين. شهر. 
16 حماية المستهلك واستحداث جهاز فاعل. المدة أسبوعان. 
17 خطة شاملة لدعم الزراعة والصناعة. شهر ونصف. 
18 إنشاء وزارة تخطيط. اقتراح النصوص خلال شهر. 
19 إنشاء هيئة خاصة لإدارة الدين. 

هذا بعض ما يحتاج رئيس الجمهورية إلى معرفته. وهو كثير. سنراقب الثلاثاء المقبل ماذا سيحصل. سنتظاهر بالمراقبة كما تظاهرنا بالتظاهر. لكن الحقيقة هي أن فيض الإحباط بات جارفاً.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic