"حزب الله" .. الفتى الشيعي وقد كبر واشتد عوده

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 24 تشرين ثاني «نوفمبر» 2003
Sayed Hassan Nasrallah - سماحة السيد حسن نصرالله

     سرق الشاب الملتحي الوقت كي يقوم بواجبه اليومي. أتى بعبوة مياه بلاستيكية. خلع حذاءه وشمر عن ساعديه وساقيه. توضأ وحدد وأمّ وجهه جهة الجنوب ثم أقام صلاته وحده فوق سطح المبنى الشاهق. بالقرب منه كانت البداية المثبتة لجسر يعبر إلى المبنى الآخر المواجه. في الأسفل، على امتداد الجادة التي تمر عريضة بين المبنيين، كانت تقوم مراسم يوم القدس العالمي. 

سرق الشاب الملتحي صلاته. فهو واحد من آلاف المنظمين المولجين بتنظيم هذا "اليوم الكبير" في حياة الضاحية الجنوبية. وقد أدى صلاته في استراحة محارب قصيرة. كان عليه مرافقة المصورين الصحافيين إلى سطح المبنى فوجا بعد فوج.. هناك حيث الصورة تغري عدسة الكاميرا.. وحيث المشهد أكثر اتساعا وأقرب من ذروة مراسم العرض السنوي ل"حزب الله": شبان ببزات عسكرية يقومون بمناورات على الحبال من سطح مبنى إلى آخر، ومن هذه الأبنية هبوطا سريعا إلى منتصف الجادة التي تفصل بين الأمين العام للحزب وجمهور المشاهدين. 

من أعلى المبنى يبدو الجزء الذي تقام بين حافتيه المراسم جديدا نسبيا وأكثر رخاءً من جواره.. هنا حيث الأبنية فخمة تعلو أطراف السطوح فيها صفوف قرميد للزينة. ومن أعلى يظهر عناصر المراقبة موزعين على السطوح كما الشرفات المليئة بالمشاهدين. وبينما يوحي الوقوف في منتصف الجادة بأن طرفي الاحتفال من المشاهدين ضفتان لامتناهيتان من البشر، فإن السطح يحدد مشهد الحضور الضخم. وتبدو في آخر المدرجات مكعبات الشبان التي تشكل السرايا وكانت قد مرت قبل واحدة بعد أخرى بخطوات مرصوصة أمام المنصة على وقع موسيقى النحاس الملائمة لمثل هذه الخطوات العسكرية.

الساعة الآن تشير إلى الثانية والنصف. الاحتفال يوشك على الختام. خمسون سرية تشكل خمسة ألوية. لنفترض أن عدد العناصر في كل سرية هو مئة عنصر (العدد أكبر من هذا بقليل). هناك إذاً خمسة آلاف عنصر يشاركون في عرض الألوية. جيش صغير. جيش من وجوه لم تنبت لحاها بعد إلى وجوه تحمل سن الاربعين كحد أقصى. هذا الجيش ينتظر عند طرف العرض. منصات المدرجات عند طرفي الجادة مليئة بآلاف من المتفرجين.. معظمهم من الذكور الذين ينتمون إلى جيل الشباب. في صدر المنصة يجلس شاب بلحية سوداء وشعر لا تقدر على إخفاء غزارة جبهته العمامة السوداء التي يعتمرها. السيد الشاب الامين العام.

نعود إلى السماء. يرتقي خمسة شبان بداية الجسر المعلق. خامسهم يثبت الكاميرا في جبهته. يتحركون ببطء وثقة حتى يصلوا إلى منتصف الجسر. هناك يمدون سواعدهم عاليا ويجددون ثقتهم: "لبيك يا نصر الله". هم معلقون على ارتفاع نحو أربعين مترا عن اسفلت الجادة. تنظر آلاف الدوائر الصغيرة إلى السماء. وعن قرب يبدو الخطر أدنى من هؤلاء المعلقين بالحبال يرتبون أمورهم الشاقة لإكمال عرضهم الذي منه اقتحام "كومندوسي" لشقة مواجهة وصنع أشكال هندسية متناسقة تنتهي بجسد ينتصب نزولاً ويلوّح برايتين صفراوين. الدوائر في الأسفل مفتوحة العيون على الدهشة.

الشاب يسرق الوقت ليصلي. لا بد أن السيد الشاب الذي يتفرج من المنصة يشعر بالزهو. الشبان يقومون بمناورتهم الجريئة بحرفة عالية. تتكرر كلمة شاب كيفما التفت في هذا اليوم المشهود من أيام الضاحية الجنوبية. شاب. أمر بديهي. ابن بعلبك والجنوب والضاحية هذا، الشاب الملتحي الرصين المعتد بفتوته. الشجاع الغامض الذي يوحي صمته بأنه يخفي الكثير. هذا الذي لم يخسر معركة بعد. فتانا القوي هذا اشتد عوده بما لا يقاس.. وعلى الرغم من أنه لم يتجاوز الواحدة والعشرين من عمره، فإن الشاب الشيعي المتدين الذي يدعى حزب الله هو من دون منازع الحالة الأكثر فرادة في حاضر لبنان اليوم.. ولا شك في أن عمره السابق كما مستقبله الآتي سيكون ركناً من تاريخ أحداث هذا البلد. 

حزب الله ليس عاديا. هو استثناء. ليس في الكلام من جديد. لكن المشهد يستدعي دوماً الرجوع إلى ما يشبه الدهشة. ليست مسألة أرقام لمن يقدر عند الحاجة على حشد نصف مليون إنسان. ليست مسألة تنظيم دقيق لا يترك شاردة أو واردة.. هي مسألة التزام ومهنية خارجين عن مألوفنا اللبناني. لنأخذ نموذجاً ما ونعممه. الشاب سارق الصلاة مثلاً: وجه عربي بلحية مشذبة لا توحي بأصولية بقدر ما تدل إلى أناقة. هادئ. يفعل المطلوب منه من غير أن يحيد عنه ومن دون التدخل في عمل أي شخص آخر. مليء بحماسة شديدة ويستميت في أداء واجب طوعي. شديد الاعتداد بنفسه وفخور بانتمائه التنظيمي إلى الراية الصفراء. هناك نسخة تحمل صفاته ذاتها تقف إلى المدرجات وتراقب الناس. نسخة تقف عند شارع بعيد تمنع مرور السيارات. ثانية تتسلق الحبال وتهتف باسم "حزب الله". ثالثة تهتم بإيصال المدعوين إلى المنصات.. وهكذا. وصولا إلى هذا الذي يلتصق كتفه بكتف السيد تعلو ملامحه سمات رعب خوفاً على سيده. وصولاً إلى السيد حسن نصر الله نفسه. ليس في لبنان هرم متناسق إلى الدرجة التي يتناسق فيها بناء هرم "حزب الله". 

"حزب الله" هرَم مصمم بدقة متناهية.. لنعد إلى قاعدته. إلى صفوف المتفرجين. هناك تحفز عظيم يقبع تحت قبعة علي ابن الثالثة عشرة. هو في النقطة الأقرب من المنصة منذ الحادية عشرة صباحا. يجلس في أسفل المدرج هو وابن خالته الذي من عمره. يحمل راية صغيرة للحزب وأخرى لفلسطين. ينظر بين فينة وأخرى إلى السماء حيث الجسر والحبال، ولما يبدأ العرض بعد. المصورون يقفون أمامه بأجسادهم وآلات تصويرهم الكبيرة الحجم يعيقون عنه الرؤية. يتأفف الصبي من جودهم وقد وعد نفسه بالفرجة الأفضل. من مركبا. من قرية كانت محتلة ولد وعاش في الضاحية الجنوبية. خجول حينما يوجه السؤال إليه. أنت ملتزم؟ يومئ برأسه موافقا. لا تسلم باليد (أي لا تصافح النساء)؟ يرفع حاجبيه، اي كلا. لا تسمع الاغاني؟ كلا. هل بلغت؟ يصاب بالذعر حياءً من السؤال ولا يجيب. هذه المرة الاولى التي تأتي فيها إلى هذا العرض؟ نعم. في الماضي كان يشاهده عبر التلفزيون. لماذا أتيت؟ "الإمام الخميني يقول..." ثم يصمت بعدما تخونه العبارة المفترضة للإمام الذي كان السبب في كل ما نراه اليوم. بيد أن علياً يعلم على الأقل من كان الحجر الأساس في الهرم. العرض لن يمر على عينيه المراهقتين عرضياً بل سيحفر في ذاكرته كل المشاعر التي ستنتابه وهو يحدق طول الوقت من غير أن يرمش. جيش يمر بخطوات مرصوصة. رجال يقفزون من مبنى إلى مبنى. جيش يعود فينتصب لأكثر من ساعة صامتاً يواجه السيد. السيد يقول بثقة: الجيش الاسرائيلي صار عاجزاً. حين يقصفوننا في العمق نقصفهم في العمق. يحكي السيد وذاكرة الولد تسجل. يبتسم للتشبيه المضحك: "شارون هذا ضفدع مخيف منظره". ويشعر بالحسد من الأولاد يركضون نظامياً بينما الصوت المسجل يهدر في سماء الضاحية مليئاً بإيقاع واثق يصر على عبارة واحدة لا خطأ فيها ولا لعثمة: "يا قدس... إننا... قادمون". 

يمكننا أن نظن أن علياً الذي أتى قبل الموعد بساعات كي يفتن بالعرض يفكر في هذه اللحظة بأنه أقل من غيره. يمكننا أن نظن أن علياً يحلم أن يكون في العام المقبل مشاركاً ببزة عسكرية بين الأولاد. يمكننا أن نظن أن علياً يطمح ألا يكون متفرجاً في العام المقبل. يمكننا أن نظن أن علياً يرى أن من حقه الطبيعي أن يرتقي درجة في هذا الهرم الذي سيبلغ في الجمعة الاخير من العام المقبل عامه الثاني والعشرين. يمكننا أن نظن أن علي سيكبر وتنبت له لحية وربما يصير بدوره مشاركاً لا متفرجاً على عرض عسكري، وعلى سطح مبنى ما ربما يصير يوماً سارق صلاة.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic