"الانجيل برواية المسلمين"

طريف الخالدي

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 30 تشرين ثاني «نوفمبر» 2003
طريف الخالدي

     صدر عن "دار النهار للنشر" للباحث الدكتور طريف الخالدي كتاب بعنوان "الانجيل برواية المسلمين"، وهو تعريب لكتابه الذي صدر بالانكليزية بعنوان "The muslim Jesus Saying and stories in Islamic Literature" عن منشورات جامعة هارفرد.

إضغط لشراء هذا الكتاب

الكتاب جمع لنحو 300 حديث وقصة منسوبة الى المسيح، اوردتها المدونات العربية الاسلامية، وتشكل اوسع مادة عن عيسى المسيح خارج المصادر المسيحية. المرويات المنسوبة الى المسيح لا يعثر عليها كنص كامل في اي من المصادر العربية الاسلامية، بل نجدها مبعثرة في مدونات شتى من القرن الثاني للهجرة / الثامن للميلاد حتى القرن الثاني عشر للهجرة/ الثامن عشر للميلاد، وتتناول مواضيع مختلفة كالاخلاق والادب والتصوف والحكمة وقصص الانبياء والاولياء الصالحين.

على امتداد هذه المرويات يتجلى يسوع المسيح، في المخيلة الشعبية الاسلامية، بوصفه "روح الله" و"كلمة الله"، زاهدا في الدنيا، متعبدا لله الواحد الاحد، نافيا عن نفسه الصلب والالوهة والفداء، منسجما مع التصور القرآني عنه، كنبي من انبياء الله، وان متميزاً، ومعجزاً في ولادته ورفعه. المسيح، في ما يخلع عليه التراث الاسلامي من صفات، يبدو فوق التاريخ، هدفا للحب والود، صورة عن الانسان الاكمل.

صفحة "اديان ومذاهب" – جريدة النهار، تقديرا منها لهذا الكتاب / المرجع الاستثنائي، تنشر اقساما وافية من مقدمته ومتنه، وتعليقا للسيد هاني فحص، على ان تكون لها عودة. 
 

الخلفية التاريخية

     تبلورت صورة المسيح في الإسلام في القرآن، ومنه ظهر الإنجيل الإسلامي. وعلى الرغم من أنّ المسيح في الإنجيل الإسلامي له شخصيّة مختلفة عن المسيح القرآني، يبقى الأخير الأساس الذي بُنيت عليه صور المسيح الإسلامي اللاحقة. وهناك الكثير من الدراسات عن المسيح في القرآن، وقد اعتمدت عليها في هذا القسم من المقدمة. لكن علينا ترسيخ الموضوع في إطاره الإسلامي قبل المضي قدماً في فحص الإنجيل نفسه. 

من المتعارف عليه أنّ الإسلام ظهر في زمان ومكان كانت فيه شخصيّة المسيح معروفة جدّاً. إذ تُظهر لنا النقوش، والمصادر السريانيّة والأثيوبيّة والبيزنطيّة، والدراسات الحديثة للشعر الجاهلي، ومؤلّفات إسلاميّة قديمة مكتشفة اخيراً، واقع تعدّد الفرق والجماعات المسيحيّة في شبه الجزيرة العربيّة قبل الإسلام وفي ما حولها من الأمصار. ويُبرِز كلّ ذلك صوراً عديدة وقيّمة للمسيح. ومن الجدير الإشارة إليه أنّه عند ظهور الإسلام، لم تكن ثمة في الشرق الأدنى كنيسة موحّدة تطبّق تعاليم المجامع المسيحيّة بخصوص الاعتقاد المسيحي. بتعبير آخر، ولد الإسلام وسط تشرذم مسيحي، بعضه عدائي جدّاً لبعضه الآخر، وغير منصهر بعد في إطار كنيسة عالميّة واحدة. 

وبالإضافة إلى الوجوه المتعدّدة للمسيحيّة، كان ثمة وجود لمجموعات يهوديّة عربيّة، لكن معتقداتها غير واضحة التفاصيل. ويجب التنبّه في هذه الحالة أيضاً، إلى أنّ اليهوديّة في شبه الجزيرة العربيّة كانت مبنيّة على خليط مؤلّف من الكتاب المقدّس والأدبيّات الدينيّة والأساطير. وكانت شبه الجزيرة العربيّة عند ظهور الإسلام تدور في فلك الحضارة الإغريقيّة، وعلى هذا الأساس يجب تصوّرها حاوية لمزيج غنيّ ومتشعّب من التيّارات الدينيّة، حظيت المسيحيّة واليهوديّة دون غيرهما من الأديان باهتمام حصري من قبل الباحثين المعاصرين. 

وعلى الرغم من ذلك، فإن منطلق دراسة وتحليل الأخبار والقصص المشمولة في هذا الكتاب هو القرآن، وليس شبه الجزيرة العربيّة قبل الإسلام. فالقرآن، كنص مؤسس، يدشّن لفكر جديد ولنشر جديد لعبارات واعتقادات دينيّة. وفي ما يخصّ المسيح القرآني، كان همّ المستشرقين الغربيّين تتبّع الخيوط المؤدّية إلى مصادر التأثير على صورته القرآنيّة تلك. وركّز عدد قليل جدّاً من الأبحاث على دراسة بنية أو تحليل الإشارات العديدة لعيسى المسيح في القرآن. 

إذا بدأنا بمراجعة دراسات المستشرقين الغربيّين عن صورة المسيح في القرآن، نستشعر ذهنيّة مسيطرة في طريقة التحليل تركّز على الإصرار بأنّ أصول تلك الصورة هي من الأناجيل المسيحيّة المنحولة [الأبوكريفا]، أو من أفكار فرق مسيحيّة هرطوقيّة أو يهوديّة - مسيحيّة. في بدايات القرن العشرين، ترعرعت هذه الذهنيّة في إطار المحاججة والتي قد نوجزها كما يأتي: كانت للنبيّ محمّد، (ونادراً ما يقال القرآن)، فكرة مشوّشة عن المسيحيّة، ربّما أخذها عن فرق مسيحيّة هرطوقيّة. على هذا الأساس، فالقصص والأخبار عن المسيح التي رواها النبيّ هي خرافات وأوهام، أو هي مادّة مأخوذة من الأناجيل المنحولة التي على المرء أن يتصوّر أنّها كانت متداولة بسهولة في المناطق شبه المعزولة من العالم البيزنطي. أمّا في تلك الحالات حيث من غير الممكن تتبّع أصل خبر معيّن، فكان الحكم بأنّها نتاج "خيال مشرقي خصب". وأقرّ بعض هؤلاء المستشرقين بأنّ المسيح شغل مكانة مرموقة من بين الأنبياء المذكورين في القرآن. لكن مستشرقين آخرين رفضوا فكرة أنّ القرآن يُبرز المسيح بصورة خاصّة، مقارنةً بأنبياء آخرين كإبراهيم وموسى ويوسف وداود، الذين لهم أيضاً مكانة مرموقة في القرآن. أمّا على المستوى اللاهوتي، فقد زعم بعض الباحثين أنّ مفهوم الفداء عند المسيحيّة غائب عند المسيح القرآني، وعلى هذا الأساس فمن غير الممكن التوصّل إلى مصالحة كاملة بين الإسلام والمسيحيّة. 

لكن عدّة عوامل ساعدت على الأقل في خلق توازن في صياغة هذه التصوّرات والمفاهيم عن المسيح القرآني عند المستشرقين الغربيّين ومن أهمّها الاهتمام العلمي بدراسة الأدب والعادات الشعبيّّة [الفولكلور]، وكذلك إعادة التقييم الجذريّة لمكانة ودور الفكر الميثي في بلورة أنماط الاعتقاد الديني. أدّى هذا الأمر إلى تقبّل أكبر "للقصص" القرآنيّة وبشكل عام للأدب الإسلامي في صدر الإسلام. وفي بعض الحالات، اعُتبر أنّ لهذه القصص أهميّة خاصّة، ليس بالضرورة في ذاتها، بل لدورها في حفظ أخبار وتقاليد يهوديّة ومسيحيّة لولاها لربّما ضاعت واندثرت. 

ثانياً، أدّى اكتشاف ونشر الكتب المعروفة الآن بـ "مكتبة" نجع حمّادي Nag Hammadi، وهي مجموعة من النصوص الغنوصية ومؤلّفات مسيحيّة قديمة أخرى عثر عليها في مصر سنة 1945، إلى تغيير جذري في مفهومنا ومعرفتنا لأشكال وطرق تناقل الكتب الدينيّة المسيحيّة القديمة وكذلك لمعتقدات فرق مسيحيّة كانت حتّى ذلك الوقت شبه مجهولة. بكلام آخر، نحن الآن نعرف أكثر بكثير ممّا كان عليه الأمر قبل نصف قرن مضى عن أشكال المسيحيّة في الشرق الأدنى (أو المسيحيّة الشرقيّة)، وعن الإطار التاريخي المباشر الذي خرج منه مسيح القرآن. وقبل اكتشاف مجموعة نجع حمّادي بقليل، ساعد تحقيق ونشر أعمال مسيحيّة سريانيّة وقبطيّة وأثيوبيّة على إبراز، ولو بدرجة أقل من مجموعة نجع حمّادي، التنوّع المسيحي في أقطار لها تواصل مع شبه الجزيرة العربيّة قبل الإسلام. 

ثالثاً، نتيجة للعاملين السابقين، تمّ تجميع وترجمة ونشر الأناجيل المنحولة، وأُلحقت بها دراسات تحليليّة أكثر دقّة من قبل. ومن بين الاستنتاجات الجديدة لهذه الأبحاث الحديثة، الإجماع المتزايد على أن هذه الكتب المنحولة الكثيرة العدد ظلت متداولة في الأوساط المسيحيّة الشرقيّة والغربيّة لفترة أطول بكثير من الزمن الذي تم فيه إقصاؤها خارج العهد الجديد من قبل المجامع الكنسيّة في القرنين الرابع والخامس للميلاد. إذاً، لهذه الاستنتاجات الحديثة أهميّة قصوى في فهم صور المسيح والمسيحيّة في القرآن. فإذا كانت هذه الصور مأخوذة ولو جزئيّاً من الكتب المنحولة، فالقرآن إذاً على أقل تقدير يخاطب تراثاً مسيحياً حيّاً في ذلك الزمن، لا تراثاً خياليّا. 

أخيراً، أدى دخول التقنيّات العديدة للنقد الأدبي الحديث على الدراسات القرآنيّة إلى تغيير في المقاربة لدراسة القرآن بعيداً عن وصف عوامل التأثير، ونحو فهم أفضل للنصّ من خلال لغته الخاصّة وسياقه. ورغم غياب الإجماع حول نتيجة هذه الجهود، إلا أنها تشكّل على الأقلّ انطلاقة جديدة في تحليل صورة المسيح في القرآن، بعيداً عن عاملي الأصل وطرق التأثير التي تَبيّن حديثاً أنّها أكثر تعقيداً ممّا كان يُعتقد.
 

المسيح القرآني: إمام المساكين

     يستعرض القرآن مجموعة كبيرة من الأنبياء، مذكورين في قصص بأسلوب إنذاري/تحذيري تختلف كثيراً عمّا نجده في الكتاب المقدّس. وهذا الأسلوب القصصي، بسجعه وقصره، أقرب إلى الشعر منه إلى النثر، ويجد فيه بعض المستشرقين وغيرهم أصداءً من أسلوب الكهان والحنفاء في فترة ما قبل الإسلام. لكن الرأي الحديث المجمع عليه بخصوص الأسلوب الأدبي الفريد للأناجيل يبدو لي أنّه ينطبق أيضاً على القرآن. فالقرآن يركّز بكثرة على أنّه كتاب فريد من نوعه إن في المضمون أم في الشكل; فهو ليس كمثله شيء من الكلام، وتأثيره كالزلزال المدمّر: 

"لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدّعاً من خشية الله" (سورة الحشر 59: 21). 

وليس ثمة من فارق أساسي في أسلوب القرآن بين مادّة القصص وغيرها من المواد. من الأوّل إلى الآخر، نجد اللغة مصاغة في إطار نحوي يمكن تسميته بـ"المضارع الأزلي". فالماضي والحاضر والمستقبل مجبولين معاً في تواصل مستمرّ. قصص الأنبياء يسبقها بالإجمال عبارة "وإذ" والتي تحمل معنى "تذكّر حين ...."" أو حتّى معنى "ألاّ تتذكّر حين ...". وكثيراً ما يستوقف المرء في القصص القرآني جمل اعتراضيّة تُذكّر بقدرة الله حيال الذي يُروى. فالله عرف في الماضي ويعرف الآن كيف تكون نهاية القصّة البشريّة، خصوصاً أنّه الخالق والراوي لحوادث التاريخ. والقرآن يشهد على ذلك بقوله: "فتبارك الله أحسن الخالقين" (سورة المؤمنون 23: 14)، "ومن أصدق من الله حديثاً" (سورة النساء 4: 87). إذاً ما يُروى هو الأفضل والأصدق مقارنةً بما يرويه البشر: إنه الخبر النهائي. وبسبب أنّ المجتمعات الدينيّة السابقة "حرّفت" الوحي المرسل إليها وغيّرت فيه، يعلن القرآن صراحةً أنّه يريد تصحيح الأمور بإعادة رواية الأحداث التاريخيّة السابقة بين الأنبياء والله وتنقيتها. 

العلاقة بين الأنبياء في القرآن بيّنة، إن على مستوى الأسلوب القصصي أم بخصوص تجربة النبوّة. وتبرز تلك العلاقة جليّاً في حقيقة كون قصص الأنبياء غير مجموعة في مكان واحد، بل نجدها متفرّقة في القرآن. وهي تكمل بعضها البعض في عدّة جوانب. نجد مثلاً أن الكلام المذكور على لسان نبيّ ما أو وحي من الله إليه يتكرّر، وفي بعض الحالات حرفيّاً، مع أنبياء آخرين. ونفس الشيء يمكن قوله بخصوص أعمالهم وتجربتهم مع أقوامهم. لذلك، يمكن للمرء أن يتحدّث عن نمطيّة لأنبياء القرآن: عن نموذج للنبوّة يمكن التعرّف عليه من خلال طريقة إرسال نبيّ معيّن إلى قوم متعجرفين مستهزئين جهلاء، ورفضهم العنيف للرسالة التي يأتيهم بها، انتهاءً بنجاة النبيّ ومعاقبة معظم قومه. وهذه النمطيّة يؤكّدها القرآن نفسه إذ نجده يعلن أنّه ليس هناك من فارق، ولا يجب أن يكون هناك من فارق أصلاً بين الأنبياء، وأنّ الإيمان الصحيح يجب أن يشمل الاعتراف بجميع الأنبياء: 

"إنّ الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتّخذوا بين ذلك سبيلاً" (سورة النساء 4: 150). 

وفي خلاصة الأمر، من الضروري وضع المسيح القرآني في هذا الإطار النمطي للنبوّة، وهو بالإجمال غير معمول به عند الكثير من المستشرقين. 

وعلى الرغم من أهميّة إيجاد الإطار النبوي الصحيح للمسيح القرآني، يبقى السؤال المطروح بإلحاح: إلى أيّ مدى يخصّ القرآن شخص عيسى المسيح بمديح خاصّ، وإلى أيّ مدى نجده يتساوى في المديح مع كافّة الأنبياء؟ بالإجمال، دار النقاش في هذا الأمر حتّى الآن حول تفسير لقبين قرآنيّين للمسيح. فالقرآن يصفه بـ"كلمة" الله و"روح" منه. هل يضع هذان اللقبان المسيح في درجة خاصّة من الوقار على قائمة الأنبياء، أم أنّهما من أجناس البيان؟ وما هو مصدرهما؟ إن البحث المستفيض عن هذه الأمور يتعدّى هدف كتابنا هذا. لكن بما أنّ المسيح القرآني هو الأساس لكافّة التفرّعات الإسلاميّة اللاحقة لشخصيّته، لربما كان من المفيد أن نتطرق إلى أطراف هذا الموضوع. 

للبحث عن جواب لهذا السؤال، حاول بعض الباحثين تحديد عدد المرّات التي يُذكر فيها كل نبي في القرآن كدليل على أهميّته مقارنة بغيره من الأنبياء. لكن هذا الأسلوب هو بنظري ذو فائدة ضئيلة، بالتحديد في ما يتعلّق بالمسيح. مثلاّ، ثمة أنبياء كإبراهيم وموسى ويوسف قد يكون لهم ذكر عددي أكبر. لكن عندما يتعلّق الأمر بالتأثير والإيحاء والفعالية والدلالة وبدرجة أهمّ نوعيّة ومضمون السرد القرآني فهذه أمور لا يمكن قياسها عدديّاً. إذاً لمقاربة هذا الموضوع، سنحصر اهتمامنا بالأنبياء المعروفين بأنبياء بني إسرائيل. وهنا، يمكن للمرء أن يقول بأنّه في حين لن يجد يهودي متديّن معاصر من شيء لاهوتي يعترض عليه في طريقة وصف القرآن لموسى ويوسف وداود، من غير الممكن قول نفس الشيء عن قارىء مسيحي متديّن للوصف القرآني للمسيح. من الواضح أنّ هناك شيئاً خاصاً بالمسيح يجعل صورته القرآنيّة مختلفة جذريّاً عن مسيح الأناجيل. ليس الإختلاف أساساً في لهجة السرد القصصي، مع العلم بأن الاختلاف هنا ايضاً جذري، فالأمر نفسه قد يقال أيضاً في حالة الأنبياء الآخرين ولهجة السرد القصصي لأخبارهم في القرآن مقارنة بالكتاب المقدّس. لكن الواضح أنّ المسيح القرآني شخصيّة مثيرة للجدل. إنّه النبيّ الوحيد في القرآن الذي ينحّي بنفسه عمّا يعتقده أتباعه عنه، وفي هذا الخصوص يستخدم القرآن في سورة آل عمران (3: 55) كلمة "مطهّرك": فالله سيُطهّر المسيح من المعتقدات الفاسدة لأتباعه. وأكثر من ذلك فالمسيح سيلعب بنفسه دوراً في هذا التطهير. نجد مثلاً إجابةً لاستفسار من الله كيف ينفي المسيح أيّة مسؤوليّة له في إشاعة معتقد الثالوث الأقدس (سورة المائدة 5: 116)، والله بدوره ينفي حصول الصلب (سورة النساء 4: 157). فالمشكلة في موضوع المسيح، بعكس كافّة الأنبياء، تتعلّق ليس فقط في إعادة سرد قصّته الصحيحة، بل أيضاً في مجموعة الإعتقادات المسيحية اللاهوتيّة حياله والتي يعالجها القرآن المرة تلو الأخرى. المسيح القرآني، على عكس الأنبياء الآخرين، مجبول في جدليّة لاهوتية. 

ثمة أساساً، موضوع صلب المسيح، الذي يصفه القدّيس بولس بأنّه عِثار لليهود وحماقة للوثنيّين (الرسالة الأولى إلى أهل قورنتس 1: 23). فهل نتج النفي القرآني لحصول الصلب عن حالة شبيهة لتلك التي يصفها القدّيس بولس؟ أم أنّ القرآن أخذ ذلك عن فرق مسيحيّة كمذهب الرائيّة Docetic كما يزعم بعض المستشرقين؟ لعل الافتراض الثاني مشوّق أكثر، خصوصاً وأنّ الرائيّة (وهي من الجذر اليوناني dokeo، بمعنى يتراءى أو يبدو) هي المقابل الدقيق للتعبير القرآني: "ولكن شبّه لهم" (سورة النساء 4: 157)، المستخدمة في القرآن لنفي حصول الصلب. ويقول معظم الباحثين المعاصرين إنه على الرغم من أنّ فكرة التأثّر بمذهب الرائيّة غير مستبعد كليّاً، لكن مسيح القرآن هو بالشكل والمضمون مخالف كليّاً لمسيح الرائيّة. فمسيح القرآن هو إنسان من لحم ودمٍ، على عكس مذهب الرائيّة التي تعتبره مجرّد خيال. والقرآن بنفيه لحصول الصلب ينفي أن يكون اليهود قتلوا المسيح، إنّما رفعه الله إليه منجياً إيّاه منهم، كما هي الحال في نمطيّة تجربة النبوّة في القرآن. فالرفع وليس الصلب يرمز إلى أهمّ اللحظات في حياة عيسى المسيح وفقاً للقرآن، كما هي الحال في التراث الإسلامي بشكل عام. 

ثانياً، ينبذ القرآن معتقد الثالوث الأقدس ويصفه بمذهب عبادة آلهة ثلاثة Tritheism. والآية الأكثر تمثيلاً لهذا هي المصاغة بأسلوب استنطاق للمسيح من قبل الله: 

"وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقّ إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنّك أنت علاّم الغيوب" (سورة المائدة 5: 116). 

هذه الآية هي من دون شكّ الأكثر جدلاً. ومن غير المبالغة القول بأنّ الشرك بالله هو أعظم الذنوب طراً إذ نجد آيات عدة، منها ما ليس له علاقة بالمسيح بتاتاً، تعيد ذكر إشكاليّة أنّ لله ولداً أو أنّه اتّخذ صاحبة. وتصف إحدى هذه الآيات بلغة من الغضب الشديد ردّة الفعل على تدنيس كهذا لله: 

"تكاد السموات يتفطّرن منه وتنشقّ الأرض وتخرّ الجبال هدّاً أن دعوا للرحمن ولداً " (سورة مريم 19: 90-91). 

لذلك، يمكن القول بأنّ المسيح وأتباعه يشكّلون أكثر المواضيع اللاهوتيّة إشكاليّةً في القرآن. 

ويقدّم القرآن تفسيراً لذلك. فقد كُتب على المسيحيين الفرقة والخلاف حتّى يوم القيامة: 

"ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظّاً ممّا ذُكّروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" (سورة المائدة 5: 14). 

فالقرآن إذاً يلخّص عقيدة ذات منحى محدّد هدفها وضع حدّ للنزاع والجدال المستمرّين بين أتباع "أهل الكتاب"، وهؤلاء هم المجتمعات الدينيّة السابقة للإسلام التي لديها كتب الوحي، لكنّهم حسب المعتقد الإسلامي غيّروا في تلك الكتب إمّا عن قصد لما فيه مصلحتهم، أو لجهلهم بتفسيرها تفسيراً صحيحاً، أو لاتّباعهم التقليد الأعمى لعاداتهم السابقة. لذلك، فقصص الأنبياء في القرآن ليست روايات مستقلّة عن بعضها البعض، بل، على العكس من ذلك، هي عظات مترابطة نصيّاً عن السلوك الأخلاقي السليم المناقض جهارةً لسلوك ومعتقدات أتباعهم. فالأتباع الحقيقيون لجميع هؤلاء الأنبياء كانوا وما زالوا "مسلمين". 

وفيما يختص بالشكل، يمكن تقسيم المادّة القرآنيّة عن المسيح إلى أربعة أقسام. (1) قصص عن ولادته وطفولته، (2) عجائبه، (3) حوارات بينه وبين الله، أو بينه وبين بني إسرائيل، و(4) كلام إلهي يؤكّد أنّه بشر وعبد من عباد لله ويعرّف مكانته بين أنبياء الله ويهدف للتشديد على ضرورة نبذ الغلو في الإيمان به. ففيما يخص القسمين الأوّلين، ليس هناك ما يدعو للشك أن القصص الواردة فيها تشبه كثيراً قصص الأناجيل المنحولة وتلك التي في الأدبيّات السريانيّة والقبطيّة والأثيوبيّة. فولادته من العذراء - والتي في القرآن حدثت تحت جذع النخلة (سورة مريم 19: 23) - والكلمات التي يقولها وهو رضيع في المهد هي آيات تشير إلى النعمة الإلهيّة المعطاة له ولوالدته. أمّا عجائبه فهي غير مرويّة بإسهاب، بقدر ما هي مذكورة فقط للتذكير بالقوّة التي جعلها الله فيه لشفاء المرضى وإحياء الموتى. فعلى عكس الأناجيل، يميل القرآن إلى التركيز على ولادته المباركة أكثر من آلامه في أيامه الأخيرة. لذلك نجد الإشارة إليه بشكل شبه متواصل بعبارة "ابن مريم"، وكثيراً ما نجده إلى جانب أمه. فهي بجانبه تؤكّد ولادته العجائبيّة. أما "موته" فهو أمر لا يقل عن هذا عجائبيةً إذ يرفعه الله إليه، حيث وفقاً للمعتقد الإسلامي لا يزال ينتظر تكملة دوره مع قرب نهاية العالم، وهو الدور المشار إليه بغموض في القرآن (سورة مريم 19: 33 وسورة الزخرف 43: 61). ويصف القرآن أيضاً المسيح بأنّه آية بحدّ ذاته، أي برهان على قدرة الله. وعلى الرغم من أنّ أنبياء آخرين لهم أيضاً هذه الصفة في القرآن وعندهم القدرة على إحداث المعجزات، لكن المسيح وحده يخلق إشكاليّة في القرآن، الهدف منها تثبيت الحقيقة النهائيّة عن شخصه. 

أما طريقة كلامه والخطاب الإلهي عنه فتبدو وكأنها تحاكي تجربة النبيّ محمّد، وهي تبدو مدبّرة لتشير إلى أنّه مجرّد عبد من عباد الله. والمسيح نفسه لا يستهين بهذه الصفات أو بهذه الحقيقة. لا نجد الخطبة على الجبل ولا الأمثال ولا التعليمات عن الشريعة والروح، وبالتأكيد لا نجد شيئاً عن آلامه في أيامه الأخيرة. على العكس من ذلك، نجده بين تلاميذه الأتقياء المؤمنين به، ونجده متواضعاً جدّاً تجاه والدته، ونجده يحمل رسالة إلهيّة تثبت وحدانيّة الله وتؤكد ما سبقها من الرسائل. والعدد الأكبر من الإشارات القرآنيّة إلى المسيح يأتي في إطار تصريحات إلهيّة تتكلّم عنه وبالنيابة عنه، وهي تصريحات تذكّر المسيح نفسه وتذكّر البشريّة بأنّ الله هو الخالق الحقيقي ومقرّر حياة ومصير المسيح والبشريّة جمعاء. هنا إذاً نجد المسيح الصحيح "المطهّر" من "تحريفات" أتباعه، والنبيّ الوفيّ المطيع لخالقه. وهو بذلك يشكل بديلاً حقيقياً عن المسيح المصلوب وعن مسيح القيامة وعن مسيح الفداء. 

لكن اللهجة القرآنيّة ليست حادّة على الدوام. في الحقيقة، يتمّ مقاربة موضوع المسيح والمسيحيّين بطرق مختلفة. فهناك لهجة المصالحة، ولهجتا التطمين والدبلوماسيّة، وأيضاً لهجة الوعد والوعيد. وأبواب رحمة الله متروكة على الدوام مفتوحة. فمع كلّ شجب لناحية من نواحي "إلحاد" المسيحيّين، يُستثنى من ذلك "قلّة" منهم صحيحو الإيمان، والمشار إليهم في القرآن على أنّهم "الراسخون في العلم" (أنظر سورة النساء 4: 162) والأكثر حكمة. فتراث المسيح رقّة قلبه ورأفته وتواضعه، أما السلام عليه فيأتي على لسانه كما يلي: 

"والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أُبعث حيّاً" (سورة مريم 19: 33). 

يدعو القرآن النصارى باستمرار لمراجعة كتابهم المقدّس بخصوص النبوءة عن قدوم محمّد، فقد منح الله المسيح ميزة الإعلان عن هذا القدوم (سورة الصفّ 61: 6). لذلك فالعلاقة بين هذين النبيّين علاقة حميمة. والقرآن يصنّف النصارى على أنّهم أقرب الناس للمسلمين، "ذلك بأنّ منهم قسّيسين ورهباناً" (سورة المائدة 5: 82) نذروا أنفسهم لله، "وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع" (سورة المائدة 5: 83) لمعرفتهم بأنّه الحقّ. 

وحصيلة الأمر أنّه من الصعب الاستنتاج من هذه الصور المتناقضة خلاصة واحدة، أو الإتيان بوصفة تلخّص جوهر صورة المسيح في القرآن. وهناك في الإطار العام بعض الاستمراريّة بين القرآن من جهة وعدد من أسفار العهدين القديم والجديد، الأصيلة والمنحولة، من جهة أخرى. إن قراءة دقيقة للقرآن مبنية على الاعتناء بهيكليّته وصياغته قد تشير إلى أنّه أُنزل في محيط مليء بالنقاش والمحاججة، وأنّه كتاب يجاهد ليثبت سيادته في خضمّ تهكّم واستهزاء المشركين وتشدّق المجتمعات الدينيّة المتنازعة. فالإله هو دوماً رحيم، يقول القرآن، لكن الكثير من الضرر قد حصل نتيجة الجهل الديني والغلوّ، وحدث الكثير من الأذى من جانب الدجّالين والمنافقين. "وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً"(سورة الكهف 18: 54)، وهو حكم يؤكّده القرآن من خلال تدخّله لفضّ النقاش الإنساني الذي ليس له نهاية في بعض المواضيع ويترك الباقي لله، ولتلقين المؤمن درساً في ما يجب قوله للردّ على تعيير وتحدّي الأعداء له. وأتباع المسيح المشار إليهم في القرآن هم مَثَل بارز لميل الإنسان نحو التحريف والمبالغة في الرسالة الواحدة التي أوحاها الله إلى أنبيائه أجمعين. مسيح القرآن هو حجّة على أتباعه الضّالّين هدفها إقناع الصادق منهم وإخافة غير التائب. لذا ومن هذا المنظور بالذات فهو لا يشترك بشيء تقريباً مع مسيح الأناجيل، الصحيحة منها والمنحولة. فالصورة القرآنيّة تحمل رسالتها الخاصّة والمصحِّحَة التي هدفها تقليم وتصويب وإعادة ترتيب وحي سابق انتهى إلى تشرذم وتخاصم أتباعه. والمسيح القرآني نجد ما يقابله في المسيحيّة "المستقيمة" orthodox وكذلك في المسيحيّة "غير المستقيمة" un-orthodox والمصادر المنحولة. لكن بعد ذلك يأخذ حياة ودوراً بعيدين عنها، وهو الشيء الذي يحدث عندما ينبثق فكر ديني من فكر آخر. 

في دراسته عن كتاب Shepherd of Hermas وعلاقته بتقاليد قديمة، يستخدم العالم الشهير في علم الكتاب المقدّس مارتن ديبليوس Martin Dibelius مفردات تنطبق أيضاً على المسيح القرآني وتشعّباته الروحانيّة، مع الأخذ بالاعتبار الفارق بينهما. يقول ديبليوس: "ليس هناك من مبرّر لتفسير العلاقة القويّة بين هذا الكتاب والتقليد اليهودي أن نفترض أنّ مؤلّفه ينتمي إلى جماعة يهوديّة - مسيحيّة. فالعبارات الساميّة المألوفة المبنيّة على قراءة الكتاب المقدّس وعلى طقوس وعظات يهوديّة أخذها المسيحيّون اعتباراً من القرن الثاني للميلاد كإرث لهم. من هنا لا ينبغي لنا أن نعتبر أن كل وصيّ على هذا الإرث هو في الواقع نسيب للموصيّ". وعلى هذا المنوال فإن مسيح القرآن وصيّ على الإرث وليس نسيباً للموصي.
 

المسيح في الانجيل الاسلامي

     فترة فجر الإسلام، أو الإسلام البدائي كما يُسمّى أحياناً، هي الآن أكثر المواضيع جدلاً في حقل الدراسات الإسلامية. ويدور هذا الجدل أساساً حول الرواية الإسلاميّة التقليديّة لنشوء الإسلام وتطوّر الفكر الإسلامي الديني. من جهة، غيّرت محاولات التحليل النقدي للنصّ القرآني والنتائج المتوصّل إليها الرواية التقليديّة عن تدوين القرآن وانتشاره وتجميعه في مصحف. من جهة أخرى، أظهرت بعض نظريّات وتقنيّات النقد الأدبي التي طُبّقت على الطبقة الأولى من مرويّات التراث الإسلامي وعلم التأريخ الجهد المستخدم من قبل الرواة المسلمين المتأخّرين في إعادة صياغة الأخبار الأصليّة وصهرها، لدرجة يستحيل معها في بعض الحالات معرفة الأصل. إذاّ، اجتاحت نظريّتا التحليل النقدي والنقد الأدبي المستخدمتان في دراسات الكتاب المقدّس حقل الدراسات الإسلاميّة، لكن النتائج في هذا الحقل متفاوتة. وفيما يخصّ مسيح الإنجيل الإسلامي فيبدو أنّه بدأ بالظهور في المئة والخمسين سنة الأولى من عمر الإسلام، لذا فهو ينتمي إلى فترة الإسلام "البدائي". 

يمكن اعتبار الفترة الأولى من العصر الإسلامي فترة الانفتاح على الآخر. فالفتوحات السريعة والدراماتيكيّة وفقاً لمقاييس العالم القديم وضعت المسلمين في حالة من الاتّصال المباشر مع حضارات متنوّعة جدّاً. فبعد نحو جيلين من وفاة النبيّ محمّد في سنة 632 للميلاد، نجد مراكز الجيش الإسلامي ومجموعات مسلمة منتشرة من إسبانيا، التي معظم سكّانها من الغوط الغربيّين المسيحيّين، وصولاً إلى أفغانستان، التي معظم أهلها في ذلك الوقت بوذيّون. كذلك هناك المسيحيّة واليهوديّة وتشعّباتهما في شمال إفريقيا وفي الشرق الأوسط، والسامريّون والصابئة والزردشتيّون في بلاد الشام والعراق وإيران. ونسأل: هل خرج الإسلام من رحم التاريخ كامل التطوّر كالإلهة أثينا التي خرجت بسلاحها الكامل من رأس الإله زيوس؟ الإجابة هي من دون شكّ النفي، فلا نظام الحكم ولا العلوم الشرعيّة والفقهيّة ولا العناصر المشكّلة للمعتقدات الإسلاميّة كانت في فترة الإسلام الأولى مفهومة ومزاولة على ذات الدرجة في جميع بلاد الفتوح الشاسعة. 

وفي ما يخصّ القرآن، ليس هناك من داعٍ للشكّ وذلك بالرغم من شكوك بعض المستشرقين بأنّه كان مجموعاً في نصف القرن الأوّل من عمر الإسلام في نسخة شبيهة إلى حدّ بعيد بالنصّ الذي لدينا الآن. لكن مكانته عند المسلمين لم تكن على نفس الأهميّة التي احتلّها في ما بعد. لم يكن القرآن الدستور الأساسي أو الوحيد، بل نجد إلى جانبه المادّة التي سمّيت في ما بعد الحديث، وبعضها له صفة الوحي. إذاً، فالوحي المُنزل على الأنبياء عامّةً وكلام بعض المسلمين الأوائل المشهورين بالتقوى وحِكم أخلاقيّة غير معروفة المصدر وقصص الأنبياء والأولياء كل هذه ساهمت وأغنت الإسلام: وتحديداً في ما يخصّ مفاهيم التقوى والعبادة والآداب العامّة. يمكن على هذا الأساس القول بأنّ المسلمين في القرن الإسلامي الأوّل كانوا متقبّلين للتراث الديني اليهودي والمسيحي ولأديان أخرى موجودة في الإمبراطوريّة الإسلاميّة الجديدة. ويجب الانتباه هنا إلى أنّ هذا التقبّل والتأثّر بما هو غير إسلامي لم يكن متراخياً أو غير مشروط. على العكس من ذلك، كان الإسلام "البدائي" قد أرسى عناصر أساسيّة في مجال الفكر الديني، وأساليب في ترتيب وتفسير الواقع، الأمر الذي جعل ذلك التقبل والتواصل ممكنِين. 

وعلى الرغمّ من أهميّة الانتباه إلى فترة الانفتاح الإسلامي هذه، يجب أن نتذكّر أيضاً أنّ المسيحيّة الشرقيّة في القرنين السابع والثامن للميلاد كانت، وفقاً لتعبير أحد أشهر الباحثين في مجالها، "غارقة" في جميع أنواع الكتب المنحولة، معظمها منسوب إلى روّاد المسيحيّة الأوائل من أجل إعطائها قيمة وفعاليّة. إذ إن ميادين التواصل بين الإسلام والمسيحيّة في صدر الإسلام لم يحدّدها القرآن فحسب، لكن أسهبت فيها أيضاً العوامل التاريخيّة والاجتماعيّة والروحانيّة وبالطبع أيضاً الصراع العسكري. وما رشح من مجتمع إلى آخر كانت تلك العناصر التي رآها كلّ منهما في تراث الآخر مكمّلة له ومفيدة، وذلك نظراً للعلاقة الروحانيّة الحميمة بينهما. ولم يجد المسلمون الأوائل من سبب بديهي لرفض تقبّل قصّة أو تقليد أو مثل أو موعظة مسيحيّة خصوصاً إذا كانت داخل نطاق الإطار الفكري والأخلاقي الذي أوجده الإسلام لنفسه. 

يذكر القرآن باستمرار "التوراة" و"الإنجيل" و "الزبور" ويطلب من اليهود والنصارى التقيّد بما يجدونه فيها. هل كان الكتاب المقدّس معروفاً في فجر الإسلام؟ وبأيّ شكل؟ فإذا بدأ المرء من القرآن، يجد أنّه في ما عدا العلاقة العامّة بينه وبين الكتابين المقدّسيّن لليهوديّة وللمسيحيّة كأجزاء من الوحي، وكذلك العلاقة مع التقليدين والتراثين اليهودي والمسيحي، لا نجد إلاّ القليل من العبارات المأخوذة حرفيّاً من العهدين القديم والجديد. ثمة آيتان تبرزان بشكل لافت: الوصيّة بشأن العين بالعين ... والسنّ بالسنّ (سورة المائدة 5: 45)، وقول المسيح بخصوص الأغنياء لا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سمّ الخيّاط (سورة الأعراف 7: 40). ويشير هذا إلى أنّ مادّة الكتاب المقدّس التي أخذ منها القرآن بعض مادّته، معيداً صياغتها ضمن إطاره الخاص، كانت متشعّبة المصادر، وأنّه على الرغم من أنّ القرآن يشهد بمكانة التوراة والإنجيل، خصوصاً تأنيبه لليهود والنصارى وحثّهم على النظر فيهما للتأكّد من صحّة نبوّة محمّد، من غير الواضح ما يقصده القرآن عندما يشير إليهما. في ذات الوقت يشير القرآن إلى التحريف الوارد في هذه الكتب ويُعطي مثلاً على ذلك التحريف (سورة النساء 4: 46)، ويدين أولئك الذين يزوّرون كتب الوحي (سورة البقرة 2: 79). إذاً من المرجّح أن يكون الدافع الأساسي للتعاليم القرآنيّة بخصوص الوحي، أي دعوة أهل الكتاب للاعتراف وقبول القرآن كخاتم للوحي، يطغى على جميع الاعتبارات الأخرى. بكلام آخر، القرآن هو القاعدة النهائيّة التي على أساسها تقيّم كلّ كتب الوحي السابقة. وفي وقت تجلّياتها السابقة، يجب أن تشهد كتب الوحي الأولى هذه على نزول القرآن. وإذا لم تشهد على نزوله، فالحكم عليها أنها محرّفة. 

لكن إذا وضعنا جانباً الإشكال الخاص عن نظرة القرآن لذاته وعلاقته بكتب الوحي السابقة، نطرح سؤالاً آخر: هل هناك من دليل على أنّ كتب الوحي السابقة كانت متوفّرة وباللغة العربيّة في فترة فجر الإسلام؟ البحث عن الجواب هنا أيضاً يبدأ من القرآن. ففي مقطع غريب لما له من إيحاءات عن علاقة ما بين النبيّ محمّد ومصدر غير معرّف (على الأغلب شخص يهودي أو مسيحي)، يدحض القرآن تهمة أن يكون محمّد يُلقَّن ما يقوله: 

"ولقد نعلم أنّهم يقولون إنّما يعلّمه بشر لسان الذي يُلحِدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" (سورة النحل 16: 103). 

فالموضوع هنا ليس "وجود" ذلك الشخص، بل اللغة التي استخدمها للتكلّم مع محمّد. والتراث الإسلامي حفظ العديد من الأخبار، ليست بالضرورة ملفقة، عن أفراد من مكّة لهم معرفة بالكتب المقدّسة لليهوديّة والمسيحيّة. وحسب الاعتقاد الإسلامي، كان لبعض هؤلاء الأفراد علاقة قريبة مع النبيّ محمّد حتّى أنّهم أثّروا بتجربته وروحانيّته. لكن ما ينفيه التراث الإسلامي قطعاً هو أنّه لم يكن لهؤلاء الأشخاص أي دور في إلهام أو إملاء الوحي على محمّد. كما لا يمكن الاستنتاج من هذه المعرفة بالتراثين اليهودي والمسيحي في مكّة إذا ما كان أيٌّ من أجزاء الكتاب المقدّس مترجماً إلى العربية أم لا. فالألفاظ والعبارات القرآنية التي لها ما يشابهها في الكتاب المقدس لا تدل هي الأخرى على وجود أو عدم وجود الكتاب المقدس باللغة العربية في تلك الفترة. والأرجح أن القرآن صاغ بعض ما كان متداولاً من تراث الكتاب المقدس، وأن هذا الكتاب لم يكن مترجماً إلى العربية لا جزئياً ولا بشكل كامل. 

وليس ثمة من دليل على أنّ هذا الأمر قد تغيّر في القرنين الأوّلين من العصر الإسلامي. فالأبحاث الحديثة تؤرّخ ظهور أوّل ترجمة للكتاب المقدّس إلى اللغة العربية، جزئيّة كانت أم كاملة، إلى حوالى منتصف القرن الثالث للهجرة/التاسع للميلاد. إذاً بأيّ شكل عَرف المسلمون الكتاب المقدّس في القرنين الأوّلين؟ الأبحاث في هذا المجال متردّدة، خصوصاً كون التراث العربي الإسلامي من تلك الفترة تظهر فيه كلّ سنة تقريباً كتب ومؤلّفات مهمّة عديدة، إما يُعثر عليها صدفةً أو تحقّق من مخطوطات. فكثير من المؤلّفات العربيّة الإسلاميّة من قبل القرن التاسع للميلاد، بالتحديد كتب التقوى والزهد، تشير إلى "التوراة" أو "الحكمة" عادةً بعبارة: "جاء في التوراة" أو "جاء في الحكمة"، وتتبعها العظة. وقد جهد المستشرقون الأوائل لتحديد أصل هذه العظات، وكانت النتيجة أنّ القليل منها يمكن تتبّع أصله حقّاً إلى الكتاب المقدّس. لكن الأمر تغيّر بعض الشيء مع مستشرقين معاصرين تمكّنوا من اقتراح مجموعة مصادر أخرى، لكن تحديد مصدر كلّ خبر بدقّة يبقى صعباً. 

وهذا الجهد العلمي المستمر له علاقة مباشرة بالإنجيل الإسلامي، كون كتب التقوى والزهد تلك والتي تشير ببعض الغموض إلى "التوراة" و"الحكمة" هي نفسها التي تنقل أخباراً وقصصاً منسوبة إلى أنبياء، أهمّها تلك المنسوبة إلى المسيح. وفي تعليقي على كلّ خبر في هذا الكتاب، قمت حيث أمكن بالإشارة إلى مصادر ممكنة أو أخبار مشابهة له. وقبل التحوّل إلى معالجة الإنجيل الإسلامي، من الضروي تقديم الإطار الذي يظهر فيه المسيح الإسلامي، والمؤلّفين الذين رسموا لنا صوره الأولى.
 

قصص وأقوال عن عيسى روح الله وكلمته

1 رأى عيسى بن مريم رجلاً يسرق، فقال له عيسى: سرقت؟ فقال: كلاّ والذي لا إله إلاّ هو. فقال عيسى: آمنت بالله وكذّبت عيني. 

4 قال عيسى بن مريم: إذا كان صوم يوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته ويمسح شفتيه لئلاّ يرى الناس أنّه صائم، فإذا أعطى بيمينه فليخفِ من شماله، وإذا صلّى فليرخِ ستر بابه، فإّن الله تعالى يقسم الثناء كما يقسم الرزق. 

5. لقي جبرائيل عيسى بن مريم فقال: السلام عليك يا روح الله، قال: وعليك السلام يا روح الله. قال: يا جبرائيل، متى الساعة؟ قال: فانتفض جبرائيل في أجنحته ثمّ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلاّ بغتة، أو قال: لا يجليها لوقتها إلاّ هو. 

8 قال عيسى بن مريم للحواريين: كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك فدعوا لهم الدنيا. 

9 عيسى بن مريم كان يقول: يا ابن آدم، إذا عملت الحسنة فالهِ عنها فإنّها عند من لا يضيّعها، ثمّ تلا هذه الآية: إنّا لا نضيّع أجر من أحسن عملاً (سورة الكهف 18: 30)، وإذا عملت سيّئة فاجعلها نصب عينيك. وقال ابن الورّاق: عند عينيك. 

13 قال عيسى بن مريم: أربع لا تجتمع في أحد من الناس إلاّ يعجب - أو إلاّ يعجبه - الصمت، وهو أوّل العبادة، والتواضع لله، والزهادة في الدنيا، وقلّة الشيء. 

15 قال عيسى بن مريم: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم. أنظروا إلى هذه الطيور تغدو وتروح، لا تحصد ولا تحرث والله يرزقها. فإن قلتم نحن أعظم بطوناً من هذا الطير، فانظروا إلى هذه الأباقر من الوحش والحمر، فإنّها تغدو وتروح، لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها. اتّقوا فضول الدنيا فإنّ فضول الدنيا عند الله رجز. 

18 يحيى بن زكريّا لقي عيسى بن مريم صلّى الله عليهما فقال: أخبرني بما يُقرّب من رضا الله وما يُبعد من سخط الله؟ فقال: لا تغضب. قال: الغضب، ما يبدأه وما يعيده؟ قال: التعزّز والحمية والكبرياء والعظمة. قال: فغير ذلك أسألك عنه؟ قال: سل عمّا بدا لك. قال: الزنا ما يبدأه وما يعيده؟ قال: النظر، فيقع في القلب ما يُكثر الخطو إلى اللهو والغنى فتكثر الغفلة والخطيئة، ولا تدم النظر إلى ما ليس لك، فإنّه لن يعسك ما لم ترَ ولن يرسك ما لم تسمع. 

23 أتى الحواريّون عيسى بن مريم فقالوا له: يا روح الله وكلمته، أرِنا جدّنا سام بن نوح ليزيدنا الله يقيناً. فسار بهم عيسى إلى قبر سام فقال: أجب بإذن الله يا سام بن نوح. فقام بقدرة الله كالنخلة السحوق. قال له: كم عشت يا سام؟ قال له: عشت أربعة آلاف سنة تنبّيت ألفين وعمّرت ألفين. قال له عيسى: فكيف كانت الدنيا عندك؟ قال له سام: كبيت ببابين دخلت من هذا وخرجت من هذا 

24 ممّا أُنزل على لسان عيسى بن مريم: أنّ اللعنة تكون في الأرض إذا كان أمراؤها الصبيان. 

25 أوحى الله إلى عيسى عليه السلام: أن يا عيسى، عظ نفسك فإنّ اتّعظت، فعظ الناس، وإلاّ فاستحِ منّي. 

27 قال المسيح: أكثروا ذكر الله عزّ وجلّ وحمده وتقديسه وأطيعوه، فإنّما يكفي أحدكم من الدعاء إذا كان الله عزّ وجلّ راضياً عنه أن يقول: اللهمّ، اغفر لي خطيئتي، وأصلح لي معيشتي، وعافني من المكاره، يا إلهي. 

29 كان عيسى بن مريم عليه السلام يقول: إذا تصدّق أحدكم بيمينه فليخفها عن شماله، وإذا صلّى فليدنِ عليه ستر بابه، فإنّ الله عزّ وجلّ يقسم الثناء كما يقسم الأرزاق. 

30 قيل لعيسى بن مريم عليه السلام: يا رسول الله، لو اتّخذت حماراً تركبه لحاجتك؟ قال: أنا أكرم على الله من أن يجعل لي شيئاً يشغلني به. 

32 قال عيسى بن مريم عليه السلام: ما لي لا أرى فيكم أفضل العبادة؟ قالوا: وما أفضل العبادة يا روح الله؟ قال: التواضع لله عزّ وجلّ. 

33 عيسى بن مريم عليه السلام قال: اجعلوا كنوزكم في السماء فإنّ قلب المرء عند كنزه. 

37 أوحى الله عزّ وجلّ إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى، إنّي قد وهبت لك حبّ المساكين ورحمتهم تحبّهم ويحبّونك ويرضون بك إماماً وقائداً وترضى بهم صحابة وتبعاً. وهما خلقان. إعلم أنّه من لقيني بهما لقيني بأزكى الأعمال وأحبّها إليّ. 

41 قال عيسى بن مريم: يا معشر الحواريين، أيّكم يستطيع أن يبني على موج البحر داراً؟ قالوا: يا روح الله، ومن يقدر على ذلك؟ قال: إيّاكم والدنيا فلا تتّخذوها قراراً. 

46 قال المسيح صلّى الله عليه وسلّم: من تعلّم وعمل وعلّم فذاك يُسمّى - أو يدعى - عظيماً في ملكوت السماء. 

47 قيل له (لعيسى بن مريم): كيف تمشي على الماء؟ قال: باليقين. قال: فقيل له: فإنّا نوقن. قال: أرأيتم الحجارة والمدر والذهب، سواء عندكم؟ قالوا: لا. قال: أظنّه قال: فإنّ ذلك عندي سواء. 

53 يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له يحيى: استغفر لي، أنت خيرٌ منّي؟ قال له عيسى: أنت خير منّي، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك. فعرف الله عزّ وجلّ فضلهما. 

61 عيسى بن مريم قال: رأس الخطيئة حبّ الدنيا، والنساء حبالة الشيطان، والخمر مفتاح كلّ شرّ. 

62 كان عيسى بن مريم عليه السلام يقول: حبّ الدنيا أصل كلّ خطيئة، والمال فيه داء كثير. قالوا: وما داؤه؟ 

63 عيسى بن مريم قال: بحقّ أقول لكم، إنّ أكناف السماء لخالية من الأغنياء، ولدخول جمل في سمّ الخيّاط أيسر من دخول غنيّ الجنّة. 

69 قال المسيح ابن مريم عليه السلام: ليس كما أريد ولكن كما تريد، وليس كما أشاء ولكن كما تشاء. 

73 المسيح عيسى بن مريم صلّى الله عليه وسلم كان يقول: يا معشر الحواريّين، لا تطلبوا الدنيا بهلكة أنفسكم، واطلبوا أنفسكم بترك ما فيها، عراة جئتم وعراة تذهبون، ولا تطلبوا رزق ما في غدٍ، كفى اليوم بما فيه وغداً يدخل بشغله، واسألوا الله أن يجعل رزقكم يوماً بيوم. 

78 كان عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يأكل الشجر ويلبس الشعر ويبيت حيث أمسى، ولم يكن له ولد يموت ولا بيت يخرب ولا يخبّىء غداء لعشاء ولا عشاء لغداء وكان يقول: كلّ يوم يجيء رزقه معه. 

81 رأوه (عيسى) يخرج من بيت مومسة فقيل له: يا روح الله، ما تصنع عند هذه؟ قال: إنّما يأتي الطبيب المرضى. 

82 وقال عيسى بن مريم صلوات الله عليه: الدنيا لإبليس مزرعة وأهلها له حرّاثون. 

97 عيسى بن مريم قال لأصحابه: إن كنتم أخواني وأصحابي فوطّنوا أنفسكم على العداوة والبغضاء من الناس، إنّكم لا تدركون ما تطلبون إلاّ بترك ما تشتهون، ولا تنالون ما تحبّون إلاّ بالصبر على ما تكرهون. 

99 قال المسيح عليه السلام: الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمّروها. 

102 قال المسيح عليه السلام: لا يزني فرجك ما غضضت بصرك. 

103 مرّ عيسى عليه السلام على بقرة قد اعترض ولدها في بطنها، فقالت: يا كلمة الله، ادعُ الله أن يخلّصني؟ فقال: يا خالق النفس من النفس ويا مخرج النفس من النفس، خلّصها؟ فألقت ما في بطنها. 

111 قال عيسى بن مريم: كانت الدنيا ولم أكن فيها، وتكون ولا أكون فيها، وإنّما لي فيها أيّامي التي أنا فيها، فإن شقيت فيها فأنا شقي. 

119 مرّ إبليس بعيسى بن مريم وهو متوسّد حجراً فقال له: يا عيسى، قد رضيت من الدنيا بهذا الحجر؟ قال: فأخذه من تحت رأسه فقذف به إليه فقال: هذا لك مع الدنيا لا حاجة لي فيه. 

127 مرّ عيسى عليه السلام والحواريون على جيفة كلب فقال الحواريون: ما أنتن ريح هذا. فقال عيسى عليه السلام: ما أشدّ بياض أسنانه. يعظهم، ينهاهم عن الغيبة. 

128 مرّ بعيسى بن مريم عليه السلام خنزير فقال: مر بسلام. فقيل له: يا روح الله، لهذا الخنزير تقول؟ قال: أكره أن أعوّد لساني الشرّ. 

131 سُئل عيسى بن مريم صلوات الله عليه عن النصح لله، قال: إذا عرض لك أمران، أحدهما لنفسك والآخر لله، فابدأ بأمر الله. 

133 ويروى عن عيسى عليه السلام أنّه قال: استكثروا من شيء لا تأكله النار. قيل: وما هو؟ قال: المعروف. 

136 قال عيسى بن مريم عليه السلام للحواريّين: لن تنالوا ما عند الله حتّى تلبسوا الصوف على لذّة، وتأكلوا الشعير على لذّة، وتفترشوا الأرض على لذّة. 

146 إن كنت تريد صوم ابن العذراء البتول، يعني عيسى بن مريم عليهما السلام، فإنّه كان يصوم الدهر كلّه ويأكل الشعير ويلبس الشعر الخشن، وكان حيثما أدركه الليل صفّ قدميه يصلّي حتّى يرى علامة الفجر قد طلعت، وكان لا يقوم مقاماً إلاّ صلّى ركعتين فيه. وإن كنت تريد صوم أمّه، فإنّها كانت تصوم يومين وتفطر يومين. 

154 النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: مرّ أخي عيسى عليه السلام بمدينة وإذا وجوههم صفر وعيونهم زرق فصاحوا إليه وشكوا ما بهم من العلل فقال: دواؤه معكم، أنتم إذا أكلتم اللحم طبختموه غير مغسول، وليس شيء يخرج من الدنيا إلاّ بجنابة. فغسلوا بعد ذلك لحومهم فذهبت أمراضهم. و[قال:] مرّ أخي بمدينة وإذا أهلها أسنانهم منتثرة ووجوههم منتفخة فشكوا إليه فقال: أنتم إذا نمتم تطبقون أفواهكم فتغلي الريح في الصدور حتّى تبلغ إلى الفم فلا يكون لها مخرج فتردّ إلى أصول الأسنان فيفسد الوجه، فإذا نمتم فافتحوا شفاهكم وصيّروه لكم خلقاً. ففعلوا فذهب ذلك عنهم. 

167 قال عيسى بن مريم عليه السلام: كن في الدنيا ضيفاً واتّخذ المسجد بيتاً. 

169 وعظ عيسى عليه السلام بني إسرائيل فبكوا وأقبلوا يمزّقون الثياب فقال: ما ذنب الثياب؟ أقبلوا على القلوب فعاتبوها. 

186 ذُكر والله أعلم أنّ عيسى عليه السلام مرّ ذات يوم بوادٍ يقال له وادي القيامة فإذا هو بجمجمة بيضاء قد نُخرت عظامها فأعجبه بياضها وقد مات صاحبها منذ اثنتين وسبعين سنة، فقال عيسى عليه السلام: اللهمّ، إنّي أسألك يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون أن تأذن لهذه الجمجمة أن تخبرني من أيّ أمّة كانت؟ فأوحى الله إليه: يا عيسى، كلّمها تكلّمك بقدرتي وأنا على كلّ شيء قدير. قال: فتوضّى عيسى عليه السلام وصلّى ركعتين ودنا منها وقال: بسم الله الرحمن الرحيم. فأجابته الجمجمة بلسان طليق وهي تقول: يا روح الله، لقد سمّيت على خير الأسماء. فقال لها عيسى عليه السلام: سألتك بالله العظيم، إلاّ أخبرتني أين الحسن والبياض، وأين اللحم والشحم، وأين العظام والروح؟ فقالت له: يا روح الله، أمّا الحسن والبياض فقد غيّرهما التراب، وأمّا اللحم والشحم فقد أكلهما الدود، وأما العظام فقد نخرت، وأمّا الروح فهو اليوم عند النار في عذاب شديد. فقال لها عيسى عليه السلام: سألتك بالله العظيم، من أيّ أمّة كنت؟ فقالت له: يا روح الله، أنا من أمّة سخط الله عليها في دار الدنيا. فقال لها: كيف سخط الله عليكم في دار الدنيا؟ فقالت: يا روح الله، أرسل الله إلينا نبيّاً جاءنا بالصدق فكذّبناه، وأمرنا بطاعة الله فعصيناه، فأنزل الله علينا المطر سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيّام بالصواعق، فلمّا كان ذات يوم نزل علينا ملائكة من ملائكة العذاب ومع كلّ ملك منهم سوطان، سوط من حديد وسوط من نار، فما زال الملك يقبض روحي من مفصل إلى مفصل ومن عرق إلى عرق حتّى بلغ الروح الحلقوم. قالت الجمجمة: فعند ذلك مدّ يده ملك الموت فأخرج روحي. فقال لها عيسى عليه السلام: سألتك بالله العظيم، إلاّ ما وصفت لي ملك الموت. فقالت له: يا روح الله، له يد بالمشرق ويد بالمغرب، ورأسه في أعلى عليّين ورجلاه في تخوم الأرضين السابعة السفلى، والدنيا بين ركبتيه، والخلائق بين عينيه. قالت: يا رسول الله، ثمّ لم تلبث إلاّ ساعة إذ أتاني ملكان أسودان أزرقان، كلامهما كالرعد القاصف وأعينهما كالبرق الخاطف، يقطّان في شعورهما ويخرّان الأرض بأنيابهما فقالا لي: من ربّك ومن نبيّك ومن إمامك؟ ففزعت منهما يا روح الله وقلت لهما: ما لي ربّ ولا نبيّ ولا إمام سوى الله. فقالا لي: كذبت يا عدوّ الله وعدوّ نفسك. وضربوني بمرزبة من حديد ضربة شديدة حسست من شدّة الضربة عظامي قد تكسّرت ولحمي قد تمزّق، وألقوني في قعر جهنّم وعذّبوني فيها ما شاء الله، فبينما أنا كذلك إذا بالحافظين الكاتبين اللذين يكتبان أعمال الخلايق في دار الدنيا فقالا لي: يا عدوّ الله سر معنا إلى منازل أهل الجنّة. قالت: فسرت معهما إلى أوّل باب من أبواب الجنّة فإذا بالجنّة لها ثمانية أبواب بنيانها لبنة ذهب ولبنة فضّة، ترابها المسك وحشيشها الزعفران وحصاها الدرّ والياقوت، أنهارها اللبن والماء والعسل، سكّانها الجواري والكواعب الأتراب المقصورات في الخيام صنع ذي الجلال والإكرام. ففرحت بها يا روح الله فقالا لي: يا عدوّ الله وعدوّ نفسه، لم تصنع خيراً في الدنيا فيكون لك هذا، ولكن سرْ معنا إلى منازل أهل النار. قالت: فسرت معهما إلى أوّل باب من أبواب أهل النار تصفّر فيه الحيّات والعقارب، فقلت لهما: لمن هذا العذاب؟ فقالا لي: لك وللذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً. قالت: ثمّ سرت معهما إلى الباب الثاني فإذا رجال معلّقون من لحائهم مثل الكلاب تعلف من بين أيديهم دماً وقيحاً فقلت لهما: لمن هذا العذاب؟ فقالا لي: لك وللذين يشربون الخمر في دار الدنيا ويأكلون الحرام. قالت: ثمّ سرت معهما إلى الباب الثالث فإذا برجال تدخل النار من أفواههم وتخرج من أدبارهم فقلت: لمن هذا العذاب؟ فقالا لي: لك وللذين يرمون المحصّنات في دار الدنيا. قالت: ثمّ سرت معهما إلى الباب الرابع فإذا بنساء متعلّقات من ألسنتهنّ والنار تخرج من أفواههنّ فقلت لهما: لمن هذا العذاب؟ فقالا لي: لك وللذين هم تاركون الصلاة في دار الدنيا. قالت: ثمّ سرت معهما إلى الباب الخامس فإذا بنساء متعلّقات من شعورهنّ والنار من فوقهنّ فقلت لهما: لمن هذا العذاب؟ فقالا لي: لك وللذين يتزيّنون لغير أزواجهنّ في دار الدنيا. قالت: ثمّ سرت معهما إلى الباب السادس فإذا بنساء معلّقات من شعورهنّ وأفواههنّ فقلت لهما: لمن هذا العذاب؟ فقالا لي: لك وللطيّحات في دار الدنيا. قالت: ثمّ سرت معهما إلى الباب السابع فإذا برجال وتحتهم بئر يقال لها بئر الفلق، فأُرميت فيها يا روح الله وأنا في شدّة العذاب ورأيت من الأهوال كثيراً. فقال عيسى عليه السلام: اسأليني إن شئت بإذن الله يا جمجمة؟ فقالت: يا روح الله، ادعُ الله لي أن يردّني إلى دار الدنيا؟ فدعا الله لها فأحياها له وردّها له [بشراً] سويّاً بقدرة الله سبحانه. فمكثت اثنتي عشرة سنة تعبد الله مع عيسى عليه السلام حتّى أتاها اليقين وهو الموت وماتت على الإيمان وجعلها الله من أهل الجنّة برحمته. 

207 روي أنّه لمّا ولد عيسى بن مريم عليه السلام أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها. فقال: هذا حادث قد حدث، مكانكم. فطار حتّى أتى خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثمّ وجد عيسى عليه السلام قد ولد وإذا الملائكة حافّين به فرجع إليهم فقال: إنّ نبيّاً قد ولد البارحة، ما حملت أنثى قطّ ولا وضعت إلاّ وأنا حاضرها إلاّ هذا، فأيسوا من أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل العجلة والخفّة. 

218 روي عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنّه قال: يا معشر الحواريّين، أنتم تخافون المعاصي ونحن معشر الأنبياء نخاف الكفر. 

220 قال المسيح صلّى الله عليه وسلّم: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمّروها. وقيل له: يا نبيّ الله، لو أمرتنا أن نبني بيتاً نعبد الله فيه؟ قال: اذهبوا فابنوا بيتاً على الماء. فقالوا: كيف يستقيم بنيان على الماء؟ قال: وكيف تستقيم عبادة مع حبّ الدنيا. 

233 قال عيسى عليه السلام: يا معشر الحواريّين، ادعوا الله تعالى أن يهوّن عليّ هذه السكرة-يعني الموت-فقد خفت الموت مخافة أوقفني خوفي من الموت على الموت. 

245 قال عيسى عليه السلام: إنّ لي حبيبين اثنين فمن أحبّهما فقد أحبّني ومن أبغضهما فقد أبغضني، الفقر والجهاد. 

248 بينما هو (عيسى بن مريم) في بعض سياحته إذ مرّ بجمجمة نخرة فأمرها أن تتكلّم، فقالت: يا روح الله، أنا بلوان بن حفص ملك اليمن، عشت ألف سنة، وولد لي ألف ذكر، وافتتضت ألف بكر، وهزمت ألف عسكر، وقتلت ألف جبّار، وافتتحت ألف مدينة، فمن رآني فلا يغترّ بالدنيا فما كانت إلاّ كحلم نايم. فبكى عيسى عليه السلام. 

256 عيسى بن مريم كان يقول: إنّ الذي يصلّي ويصوم ولا يترك الخطايا مكتوب في الملكوت كذّاباً. 

262 كانت مريم تقول: كان عيسى إذا كان عندي أحد يتحدّث معي سبّح في بطني، وإذا خلوت فلم يكن عندي أحد حدّثته وحدّثني وهو في بطني. 

281 لقي عيسى عليه السلام إبليس فقال: أسألك بالحيّ القيّوم، ما الذي يقطع ظهرك؟ قال: صهيل الخيل في سبيل الله. 

289 قال عيسى عليه السلام: عالجت الأبرص والأكمه فأبرأتهما، وعالجت الأحمق فأعياني، والسكوت عن الأحمق جوابه. 

301 قال عيسى بن مريم عليه السلام: يا بني آدم، لدوا للموت، وابنوا للخراب، تفنَ نفوسكم وتُبلَ دياركم.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic