أضيف توقيعي الى توقيع الخالدي

السيد هاني فحص

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 30 تشرين ثاني «نوفمبر» 2003
السيد هاني فحص

     مع كتاب طريف خالدي أشعر بأننا شرعنا بنقل الحوار من راهنيته الى ذاكرته، أي من الاستجابة المسؤولة الى املاءات الحياة، الى الوصلة المطلوبة مع صورة الحياة المنجزة على نصاب من المعرفة التوحيدية التي تتيح لوعينا الايماني أن يلمس الحيوية في جدل الوحدة والكثرة. لربما فهمت ان الكتاب يقول لي: ان مثالك الحواري وراءك فلا تولِّ وجهك. هذه الشهادة أقدمها خالية من نية الانتقاص من جهود محمودة مهمومة بانساننا وانسانيتنا، في تاريخنا الحديث، قاربت المساحات المشتركة بين الاسلام والمسيحية، في المعارف الايمانية والقيم، ما مكننا ان نستند اليها ونتذرع بها، لننفي عن انشغالنا في الحوار الاسلامي المسيحي تهمة البدعة. ولكن هذه الجهود المخلصة قطعت عنها او قطعنا عنها بالحروب المتعاقبة، والتي كان لا بد لها ان تقطع الحوار لتتواصل، ولا بد أن تتغطى بالدين لكي تستعر وتحول الاختلاف التكاملي الى تقابل حاد وتناحري... أما عمل طريف الخالدي فانه يأتي على مفصل يتعاور آذاننا فيه نداءان، كل منهما يأتي من واد ويصّب في واد من دون ان يتلاقيا او يترافدا، ما يضعنا على طريق الاختيار بين السباحة في نهرين، نهر الدم الحرام، ونهر الحياة الحلال، نهر السياسة التي تنزع من الدين أحلى ما فيه، ونهر الايمان، بالله ومعادله التاريخي، الانسان، أي المقدس المتموضع في التاريخي والتاريخي المتجوهر في المقدس. أنسنة الدين، كتعبير متسامح عن اعادة كشف الانسان في غاياته ومقاصده (الدين)، او دنيوة الدين أي طرده من الانسان او طرد الانسان منه، ما يتم في الأعم الأغلب على نسق ديني يحول الآخرة الى مصادرة للدنيا، أو يلغي الانسان بالله، وفي المحصلة يلغي كل شيء. 

أهمية كتاب طريف الخالدي، أو اهمية ما يمكن ان ينبني عليه كتأسيس في الحوار، هو أنه يشكل نموذجا يحتذى في مراكمة معارف مشتركة مشتقة من مصدر جامع مشترك، التوحيد (في مقام الايمان) والكتابية (في مقام المعرفة)، لنتمكن من حل الاشكال، أو الاجابة على السؤال المحرج الذي يواجه المشتغلين بالحوار من اجل الحياة، الحياة في الذات وفي الآخر، الحياة بالله من نافذة الوحي والنبوة والعناء البنوي الرسولي الذي يؤهل الانسان للنبوة، التلقي والتبليغ، عنيت السؤال عن المستوى اللاهوتي العقدي للحوار، امكانه او ضرورته؟ نجاعته أو ضرره؟ حيث يبلغ الخوف اقصاه على باب الجواب، الخوف من ان يشتغل المنفصلون عن الحياة بهذه المسألة، فتعد المعرفة المفرغة من مقاصدها، انتاج الفوارق والحواجز واغراءات التمايز عن الآخر، أي آخر حتى في الجماعة الواحدة او المذهب الواحد في النهاية، ما يعني العودة الى اخلاء الدين من الدين، وتحويله والى الابد، الى مصدر للتوترات التي تنتج العنف المدمر. 

مع طريف الخالدي ننتقل من معالجة الراهن الى اكتشاف الوقاية في المنجز من دون مخاطر، فهذا الكتاب بوابة على حقل تحاوري معرفي بامتياز، ولكنه ارتقاء بالمعرفة الى مكانها الجميل في اعادة تشكيل الوعي الديني على موجب الكشف والتكاشف والاكتشاف، اكتشاف الشرط التاريخي والديني والانساني، المشترك، أي التشارط، أي شرطية الآخر للذات، معرفة ووجودا، واشتراط الذات للآخر معرفة ووجودا، ما يعني أن سلامة الذات مرهونة بسلامة الآخر في الذات وفي ذاته، ذات الآخر، أي سلامته مبنى ومعنى، وأولى الثمرات لهذا الوعي التبادلي أي التكاملي في النتيجة، هو تحويل الاستشعار للهوية من حالة الشعار الى حالة من الصيرورة، أي تحول المستجد المعرفي والحياتي من الاستفزاز للدين الى سؤال للمتدين يلزمه بتجديد ايمانه، واكتشاف غائيته في الآخر، أي تحول الآخر من احتمال نفي الذات الى محدّد من محدّدات الهوية. 

مرة أخرى، وبأسلوب معاصر في تقنيات البحث، وعلمي بامتياز في مصدريته وأدوات تحليله، يثبت طريف الخالدي بفرادة ملحوظة، هي ثمرة اهتمام ودأب وشفافية وحساسية لغوية عالية، أن النص الديني الموازي للنص التأسيسي، هو انتاج انساني تمليه ضرورات الحياة والتعدد على نصاب التوحيد، ولكن الذين ينتجون هذا النص من اهل العلم والايمان والحياة، يجدون من حالة صدورهم الكلي عن النص التأسيسي، ضمانة لجعل الموازين امتدادا لما يوازيه ظاهرا، وهو في الواقع آت من مائه المشترك، من النبع الفياّض الذي يصعب استيعاب فيضه ما لم يتحول الى اوعية معرفية أضيق من مساحة وأقل عمقا، ولكنها في مجموعها هي تشكيل له او اعادة تشكيل، كما هو طموح المحدود الى ملاقاة المطلق كدحا في السلوك والمعرفة، حيث يصل كما في الاشارات والتصريحات القرآنية والانجيلية ومجاهدات اهل التقوى والعرفان وأهل الذوق. 

يصل في تجليات المطلق في المحدود كائنات تجمعها روح كونية يختلف نبضها وايقاع الحياة فيها، ولكنها تسبح الواحد، وسواء كان الوجود واحدا او الموجود واحدا، فان الوجود متواطىء وليس مشككا، والتشكيك أو التفاوت هو في تمظهرات هذا الوجود. تمظهرات في التاريخ بين رسالة ورسالة، وتمظهرات في المشهد البشري بين عارف وعارف مع وحدة المعروف الذي نساوره ويساورنا فيأتينا بعضه أو كله او نأتيه، ومن معرفة الى معرفة ومن كدح الى كدح حتى تعود النفس المطمئنة الى بارئها. 

من شواهدي في القراءة الاولى كما اجترحه الخالدي من قناديل على الطريق الطويل، قوله: "يجب ان نتصور ان السياق العام الذي أنتج الانجيل الاسلامي لم يأتِ من خلال ظهور مفاجىء بل من خلال انبثاق، اي من رشح من تراث ديني الى تراث ديني آخر عبر مصادر مكتوبة واخرى غير مكتوبة، فالوجود المسيحي الكثيف في قلب العالم الاسلامي في القرون الاسلامية الثلاثة الاولى، أي في بلاد الشام والعراق ومصر، خلق ارضية لتواصل حميم للمسلمين مع مجتمعات مسيحية حية مشبعة بصور ومعتقدات غنية ومتشعبة عن المسيح" (ص42). 

ولأنني في عجالة من أمري بسبب "النهار"، لم اتمكن من تدوين قراءة تفصيلية لنص الخالدي تضارع فعله علمية وموضوعية وجمالا. آثرت ان أكتب نصا راهنيا موازيا لنص يقرأ المستقبل في الماضي، وكأنه يدفعنا دفعا الى استقبال هذا الماضي ثانية، من دون ان نذهب اليه ننحبس فيه، أي لا نقع، كما تقع الأصوليات غير الأصيلة، في الغاء المستقبل بالماضي، وبالتالي الغاء الماضي بالماضي، مع التسليم، تبعا لما يفضي اليه كلام الخالدي في مقدمته، بأن هناك جزءا أو حيزا من الماضي لا يمضي. ولا بد من الفرز اذن بين الثابت والمتحول، تبعا لتكوينات النصوص المؤسسة واشواق ورغبات الانسان في الحياة واعمار الارض بالشراكة.. أي بالسلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر... هو الله. 

وهذه اضاءة للعتمة التي تتكاثف بسبب هذا النزوع التدميري المتفاقم نحو تفكيك الأواصر وقطع القلوب عن القلوب، وهل يبقى للعقول مكان لتلتقي فيه، اذا ما انقطع القلب عن القلب!؟ حسنا فعل الخالدي في تكراره للتعبير عن ارتياحه لاطلاق نعت "نبي القلب" من قبل الغزالي على السيد المسيح. 

يختم خالدي مقدمته بفقرة اعتبرها بدايتي أو من بداياتي يقول (ص56): "من الواجب والمستحب ان نستعيد الى الذهن فترة طويلة من الزمن وتراثا أدبيا عريقا شهد انفتاح المسيحية والاسلام على بعضهما البعض، واعتماد كل منهما على شهادة الآخر. ولعل للانجيل الاسلامي المجموع هناك بعض مزية التأثير والتجديد، فهنا نجد المسيح مجردا من ألوهيته، لكنه من جهة أخرى مرصّع بصفات تجعله يسمو فوق ميدان التاريخ، وحتى فوق الاديان، يصبح المسيح في بيئته الاسلامية هدفا للحب الفائق والوفاق الشديد والود الحميم، ويبدو عليه جليا ختم النبوة القرآنية، لكن مع نموه داخل التراث الاسلامي يتحول عن كونه مصدرا للاختلاف العقائدي ليصبح صونا اخلاقيا حيويا يفرض نفسه على كل من يسعى نحو العمل الاخلاقي الانساني والشهادة العقائدية الانسانية". 

عالما وأديباً وبلاغياً وباحثاً اكاديمياً دؤوباً وأخلاقياً وشجاعاً بدا الخالدي في مقدمته وفي تنضيده لنصوص انجيله الاسلامي، هذا الاختراع المعرفي الذي يسجل له، ولا يسعني الا ان اضيف توقيعي الى توقيعه على الكتاب شهادة له واعجابا به والتزاماً بالمنحى الذي حدده لأهل الحوار. فهل يقبل توقيعي؟ ان لم يقبله سحبته ووقعت على الكتاب بقلبي الممتلىء حبراً وحبوراً وحباً. 

صدرت هذه المأثورات عن مصادرها حسب الروايات أم لم تصدر فانها دليل رغبة في مشاركة السيد المسيح معرفة وحبا... شكراً إذن لمهندس الاعماق المعرفية التوجيهية طريف خالدي على كشف لهذا الفرع الإسلامي من نهر المحبة المسيحية.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic