كوابيس في 24 تشرين الثاني

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 3 كانون أول «ديسمبر» 2003

24 تشرين الثاني 2003: 
يلعن حظي. لم يعد يفصل بيني وبين الحاجز الطيار إلا أمتار قليلة. الدرك دائما هكذا. يقفون في العتمة كي يصطادوا هؤلاء المصرّين على عدم وضع حزام الأمان. لدي أقل من ثلاثين ثانية حتى أرتب وضعي وإلا عاقبني عناصر الحاجز بضبط لست بحاجة إليه أبدا. التقط الحزام كيفما اتفق وأسحبه صوب أسفل المقعد. لكنه، اللعين، يعلق قبل وصول ملقطه إلى مكانه المخصص بسنتمترات. 

مطربي المفضل فضل شاكر يغني. السيارة تقترب من الحاجز بسرعة مجنونة. لا أقدر على التوقف لأن رتلا من السيارات يتبعني. أنا أشد الحزام كمجنون. الحزام لا يتحرك قيد أنملة. سنتمترات! يلعن حظي. لا. هذا كابوس. استيقظ. 

24 تشرين الثاني 1993: 
أقود سيارتي. مطربي المفضل راغب علامة يغني. له! حاجز درك. أفزع. ألتقط حزام الأمان لاشعوريا لأسحبه، لكني أنتبه الى أنني في العام 1993 ولم يخرج قرار الحزام إلى النور بعد. أصل إلى الحاجز بأعصاب باردة لأن الدولة ما زالت في طور الخروج من الحرب التي افتعلها الآخرون على ارضنا. أصل إلى الدركي وأنظر في عينيه. أتذكر أن الدولة عادت بشراسة وأن وزارة الداخلية صارت من قبضايات البلد. أتذكر أنني لم أدفع الميكانيك! أكلناها! كابوس آخر. استيقظ. 

24 تشرين الثاني 1983: 
أقود سيارتي الترانس أم وينفلش على غطاء محركها رسم نسر أسود. أستمع إلى مطربي المفضل سامي كلارك. حاجز للفرقة 16. أخاف لأن من واجبي أن أخاف. فالدولة عادت من جديد ولا شك في أنني فعلت شيئا خلال الحرب الطائفية التي عصفت في البلاد وانتهت لتوها. أقترب من حاجز الفرقة 16 وأنا خائف. لكنني أتذكر شيئا. في العام 2000 كنت أشاهد فيلما لبنانيا عن الشرطة اللبنانية تلاحق العصابة المتعددة الجنسيات. وفي المشهد الأخير، وبعد معركة حاسمة بين البطل والعصابة، تصل سيارات الفرقة 16. ينزل هؤلاء من السيارات ويصطفون صفا واحدا ثم يبدأون بإطلاق النار من رشاشاتهم. الذخيرة ليست حية بالطبع وإلا لكانوا قتلوا بعضهم بعضا بسبب سوء توزيعهم في العملية القتالية. هذا أولا. ثانيا، راحت البنادق تطلق دخانا أبيض كثيفا تحول بعد لحظات إلى ضباب حجب رؤية الجميع عن الجميع. يومها ضحكت بشدة. والآن، بينما أدنو من حاجز الفرقة 16 بعد عودة الشرعية، كنت أفكر: إذا ما صرت بمحاذاة عنصر ال16 فسأنفجر ضاحكا. ستهتز هيبته وهيبة الشرعية. سيطلق علي النار من بندقيته. قد أموت اختناقا من دخانها الأبيض. يا إلهي. أنا أهرب من كابوس لأسقط في آخر. 

24 تشرين الثاني 1982: 
لا. ليس مجددا. الرئيس الياس سركيس ما زال يبكي. ولا يوجد إلا شاشة تلفزيون لبنان. أرجوكم. 

24 تشرين الثاني 1973: 
أقود سيارتي البيجو وأستمع إلى مطربتي المفضلة صباح. الدولة في عزها. الدركي شرطي السير يستخدم قبضته للجم مخالفات السير. لبنان ملك جمال الكون. الناس ينامون وأبوابهم مفتوحة. ولكن، خلف كل باب يقف حارس مدجج بالسلاح. باق عامان وتنفجر حرب مصالح الدول الكبيرة على ارضنا. هل أنا مستعد لخوض هذه التجربة من يومها الاول مرورا ب15 سنة من الحرب. عفوا.. لكنني لن ابقى هنا. 

24 تشرين الثاني 1963: 
ينعم لبنان بأحلى أيامه. الدولة في أحلى ايامها. هذه سويسرا الشرق. مملة؟ أليست كذلك؟ 

24 تشرين الثاني 1953: 
باق خمس سنوات على قيام حرب الآخرين الأهلية الأولى. لدي ما يكفي من الوقت للاستمتاع بالفرجة على مسببات الحرب بينما أعيش في بلد اكتشف لتوه قرب شاطئه من جبله وأهمية موقعه الجغرافي كبوابة الشرق والغرب. ولكن.. بوابة؟ لبنان مجرد بوابة؟ أرفض بالطبع أن أحمل جنسية بوابة. ثم كيف أعيش في بوابة؟ لا... 

24 تشرين الثاني 1943: 
الله! لبنان عمره يومان. تقودني قدماي إلى مقهى شعبي. يقول الرجل لصديقه ما معناه: هل تصدق كل هذا؟ سجنوهم وأطلقوا سراحهم وعلم لبناني وأرزة. لعبة دول كبيرة يا صاحبي. بكرا بتشوف. 

العمى. البلد الوليد لم يفتح عينيه بعد وها هم بدأوا يشككون في معاني استقلاله. ماذا أفعل؟ 

24 تشرين الثاني 2003: 
يخرج صوت فضل شاكر من زجاج النافذة وأنا انزله. مساء الخير يا وطن. أقول مبتسما فيومئ الدركي بكفه. أكمل طريقي. كان الحزام قد استجاب في اللحظة الأخيرة لقوة الشد ودخل ملقطه في مكانه. نجونا. يطبق حزام الأمان على صدري، يكاد يخنقني. لكن شعورا رائعا ينتابني لأول مرة في حياتي ولا أعرف سببه. يُشعرني حزام الأمان بالأمان الهائل. أطمئن إلى كل شيء، إلى يومي وإلى مستقبلي. أمد وجهي من النافذة. يمر هواء تشرين على وجهي ويملأ رئتي. أتنهد بعمق ولا تسعني سعادتي. أقع فجأة على لافتة إعلانية تقول، بالحرف الواحد: 

" لا مستقبل لأحد في هذا البلد، حاكما كان أم محكوما، إلا بقيام دولة المؤسسات 
24 تشرين الثاني 1998 
24 تشرين الثاني 2003". 

تنقشع أمامي الصورة بغتة فأصفع جبهتي بيدي. لم أكن في كابوس. لقد كان كل شيء واضحا لكنني لم أنتبه إليه قبل أن أقرأ اللافتة الإعلانية. يا لغبائي. 

وأشعر بطاقة هائلة. أسمع نفسي أردد بأعلى صوتي مرة بعد مرة عبارة واحدة: ما أحلى العيش في دولة المؤسسات. 

11 أيلول 1952: 
الإضراب العام يشل المدن الرئيسية في لبنان. اضراب دعت إليه الجبهة الاشتراكية الوطنية (ضمت كمال جنبلاط وكميل شمعون معاً) ضد الرئيس بشارة الخوري الذي أعيد انتخابه لولاية ثانية سنة 1949. باق من حكم الخوري ثلاث سنوات. يرفض قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب طلب خوري تدخل الجيش لإنهاء الإضراب. يستقيل بشارة الخوري في 18 أيلول. 

لم أكن هناك حين استقال الخوري. كما لم أكن في 11 أيلول 1952. فأنا، منذ اللحظة التي رأيت فيها اللوحة الإعلانية، صرت محكوما بعهد اتخذته على نفسي: سأعيش ما تبقى من عمري في يوم واحد: 24 تشرين الثاني 2003. هذا يعني أن الزمن سيتوقف عند هذا اليوم ليكون 24 تشرين الثاني 2003 هو مستقبلي.. وبدلا من أن يأتي 25 تشرين الثاني 2003 بعد 24 تشرين الثاني 2003 سيعود يوم 24 تشرين الثاني 2003 من جديد وسيكون اليوم الذي يليه هو 24 تشرين الثاني 2003. وهكذا.. وإلى الأبد. وبهذا، لن أجازف برؤية كوابيس أخرى.. وسيظل حزام الأمان وشاحا على صدري نلته لأنني استحققت لقب المواطن المثالي في دولة المؤسسات الأبدية.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic