على الطريق 
دفاعاً عن القضاء .. وعن مقاومة العدو الإسرائيلي!

طلال سلمان

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 8 كانون أول «ديسمبر» 2003
Talal Salman - طلال سلمان

     لكأن اللبنانيين محكومون بأن يتحمّلوا، في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة على مختلف المستويات، محلياً وعربياً ودولياً، تصرفات غير مسؤولة، وأحياناً طائشة ومسيئة إلى كرامة الدولة ومواطنيها، تصدر عن كبار المسؤولين فيهم وعنهم (!!) المتربعين فوق قمة السلطة! 

ولكأن اللبنانيين محكومون أيضاً، وبالتبعية، بأن يتحمّلوا إجراءات غير مفهومة وغير مقبولة قد تصدر عن مرجعيات يفترض أنها فوق الغرض، سياسياً كان أم شخصياً، وفوق شبهة المكايدة والانتقام... فالقضاء تحديداً هو الملجأ الأخير للمواطن، وهو الحصن الذي يفترض أن يحمي المواطنين، في كراماتهم وحقوقهم، من الظلم فكيف بالتجني الذي قد يطالهم في وطنيتهم؟! 

ومع أن اللبنانيين قد تعوّدوا فوطنوا أنفسهم على “تقبّل” المهازل والمهاترات التي تجري فوق قمة السلطة بينما البلاد تغرق في بحر من الديون التي تنهك الاقتصاد الوطني وتفاقم الأزمة الاجتماعية، فتنعدم فرص العمل وبالتالي تعم البطالة فتدفع شبابنا إلى الهجرة لبيع عرق العيون للغير، وتتزايد نسبة العنوسة لعجز الشباب عن تأمين كلفة الزواج، فضلاً عن الخلل المريع في أداء المؤسسات العامة، كالكهرباء، وفضائح الصفقات المشبوهة والتعيينات المرتجلة إلخ... 

إلا أن ما حدث على امتداد الليل الطويل بين مساء أمس الأول، السبت، وعشية أمس الأحد قد تجاوز كل حد في تشويه معنى العدالة، والإساءة إلى حقوق المواطن، بل وإلى كرامة المقاومة والجهاد ضد العدو الإسرائيلي. 

ونبادر فنقول إننا لا نكتب هذا الكلام دفاعاً عن تحسين خياط، بل قبل ذلك وبعد ذلك دفاعاً عن القضاء ودوره في حماية المواطنين في حقوقهم، وأولها وأخطرها أن لا يُتهموا في وطنيتهم بغير دليل قاطع. 

فما جرى خلال ذلك اليوم الطويل قد أصاب سمعة القضاء بضرر فادح، بينما نحن بأمسّ الحاجة إلى القضاء لحماية المواطن في كرامته الوطنية بداهة، ثم لحمايته من أخطاء السلطة وتجنيها عليه أو تجرؤها على حقوقه الخاصة، فضلاً عن الحقوق العامة. 

ليس دفاعاً عن تحسين خياط أن نقول إنه ما كان يجوز أن تصدر عن بعض الجهات القضائية اتهامات لأي مواطن، تطاله في وطنيته، قبل التحقيق والتدقيق واطمئنان الضمير إلى أن الأدلة ضده لا تحتمل الخطأ أو التأويل... 

فماذا أخطر وأفظع وأشنع من أن يتهم مواطن بالتخابر مع العدو الإسرائيلي؟! 

وكيف يمكن التعويض على أي مواطن تُثار من حوله مثل هذه الشبهة وتعمّم على لسان من يفترض فيه أنه لا ينطق عن الهوى ولا يحكم إلا بالدليل القاطع، 

فالتهمة التي وجهت الى تحسين خياط، لتبرير اعتقاله، ومن قبل المباشرة في التحقيق معه، وتم تعميمها مسندة بتصريحات صادرة عمن كلامه بمثابة حكم، كانت خطيرة الى حد انها لا تحتمل التأويل، وبالتالي فلا يجوز توجيهها اصلا، او مجرد التلويح بها، او حتى الهمس او التفكير بها، الا اذا كان لها من الإثبات المادي والأدلة القاطعة ما لا يمكن دحضه او التشكيك فيه... بل حتى اذا توفر ذلك كله فإن الكلمة تكون للمحكمة وليس للنائب العام، وبعد سماع دفاع المتهم وإشراك الرأي العام في القضية ليكون شاهداً وشريكاً، في الإدانة. 

ولقد كان من المؤسف ان يتسرع بعض من يمثل النيابة العامة في توجيه التهمة القاتلة للسمعة الوطنية والكرامة الشخصية، من قبل أن يستكمل التحقيق، بل ومن قبل أن يستمع إلى إفادة المتهم، والمتهم في المبدأ بريء الى ان تثبت إدانته، فكيف اذا كانت التهمة على هذا المستوى من الخطورة القاتلة: التخوين؟! 

اي تعويض يمكن ان يمسح مثل هذا الاتهام، لا سيما اذا كان متسرعاً وبغير دليل، وبالتالي متجنياً؟! 

والطرف المتضرر الاول هو القضاء، وقبل تحسين خياط. 

فكيف يستوي الاتهام المرعب مع اطلاق المتهم بسند اقامة، وبعد اربع وعشرين ساعة فقط من توقيفه؟! 

ما هذا الابتذال في التعامل مع مسألة في خطورة التخابر مع العدو؟! 

ان مناعتنا الوطنية هي التي تواجه جبروت العدو الاسرائيلي. 

ان دماء الشهداء وصمود الوطن، بدولته وشعبه، وتضامن اخوانه، وسوريا منهم في الطليعة، بقيادتها القومية ممثلة بالرئيس الراحل حافظ الأسد ومن بعده الرئيس بشار الأسد ودعمها المفتوح... كل ذلك هو الذي اجبر المحتل العاتي، الذي نجح في اختراق الصف العربي باتفاقات الصلح المنفرد على الانسحاب، ومكن لبنان من تحرير ارضه المحتلة. 

بل ان القضاء (العسكري) تصرف بعد التحرير بوعي سياسي وحرص على كرامة المواطنين عموماً، حين اخذ بعين الاعتبار الظروف الاستثنائية التي عاش فيها اهلنا في الارض المحتلة والتي اجبرتهم على قبول “التعامل” مع العدو الاسرائيلي، المحتل، كأمر واقع مفروض ولا مفر من التملص منه الا بترك الارض... للاحتلال وزبانيته. 

فكيف اذن يستسهل البعض توجيه التهمة بالتخابر مع العدو الى من كان في وطنه، ومع وطنه، ومع اهله، ملتزماً الموقف الوطني البديهي؟! 

حتى في دول عربية سيقت إلى اتفاق الصلح المنفرد، بتهالك حكامها ومعه الضغط الأميركي، ما زال التخابر مع العدو الإسرائيلي يعادل الخيانة العظمى، يحاكم عليه المتورط فيه ويدان وقد يعدم، بغير ان يشفق عليه حتى أهله، 

فكيف في بلد يعتز بأنه، بإرادة أهله ومناصرة اخوانه، وبالذات منهم سوريا بقيادتها القومية، قد اسقط اتفاق الإذعان (17 أيار 1983)، ثم نجح في تحرير أرضه بالمقاومة الباسلة التي التف حول مجاهديها كل الشعب ومعه الدولة؟! 

ان لإسرائيل صورة واحدة في عيون الدولة والمواطنين: انها العدو. 

وهذا التسرع في اطلاق الاتهامات، بلسان مصادر قضائية، يسيء إلى القضية الوطنية، إذ حين يصبح الاتهام أداة انتقام سياسي يفقد قيمته بالمعنى الوطني، ويسيء إلى مصلحة الوطن إذ يصور أبناءه وكأنهم “مقبلون” على “التخابر” مع انه في حكم “الخيانة العظمى”! 

قد تكون لتحسين خياط اخطاء كثيرة في سلوكه الاعلامي كما يتبدى عبر أداء محطة التلفزيون التي يديرها، 

وقد يكون ارتكب مخالفة أو أكثر لقانون الاعلام المرئي والمسموع، وربما آثار حفيظة بعض المسؤولين بسبب من “تطرفه”، 

لكن هذا أمر آخر، يحاسب عليه بالقانون، وبحسب مستوى الخطأ، 

أما الاتهام المتسرع، وغير المستند إلى أي دليل، والتشهير الذي استبق التحقيق، ثم اطلاق سراح هذا المتهم بجرم شنيع، بسند اقامة، وبعد أربع وعشرين ساعة من توقيفه، 

... اما ذلك كله فيدل على استخفاف بكل المعاني الجليلة: من الكرامة الوطنية إلى الكرامة الشخصية للمواطن... كما يدل على استهانة لا تجوز بالعدو الإسرائيلي، 

وحسناً فعل القضاء حين نأى بنفسه عن هذا كله، فأفرج عن المتهم بلا دليل، تاركاً للحسابات السياسية ان تتابع لعبها على مسرح آخر... بعيداً عنه. 
 

********

... وما دمنا بصدد الحديث عن تعامل السلطة مع المواطن وكرامته فلا بد من إشارة، ولو سريعة، إلى الحملة الاعلامية المنظمة التي شنت على منطقة بعلبك البقاع الشمالي، عبر الحملة العسكرية المخيفة، والتي صورت الأهالي هناك وكأنهم مجموعات من قطاع الطرق والمهربين والمتاجرين بالمخدرات، والخارجين بمجملهم على القانون. 

لبس وزير الداخلية بزة الحرب، وتقدم الفهود والنمور والأشبال، وداهم بنفسه اوكار القتلة والطفار ونازلهم فهزمهم في عقر دارهم وعاد مكللاً بالغار، تتقدمه قافلة من حملة رؤوس “الطفار” الإرهابيين اعداء الحضارة... (وكان ينقص ان يضيف إليهم انهم من أنصار بن لادن وانهم أعضاء في تنظيم “القاعدة” لتكتمل المأساة المهزلة). 

لم نشهد مثل هذا المنظر المثير من قبل، في أي مكان من لبنان، 

ونتمنى ان تكون الشرائط المتلفزة والصور المعممة قد وفت بالغرض، فرفعت اسم لبنان وكل من يعنيهم الأمر فيه عن قائمة مبيضي الأموال وعن لائحة الدول راعية الإرهاب. 

مثل هذا الثمن تدفعه منطقة بعلبك بطيبة خاطر، لكي “تبيض” وجه لبنان، وتقبل ان تشرب “المر” لتجنب لبنان “الامرَّ” منه!

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic