أنا عميل

حسين أيوب

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 10 كانون أول «ديسمبر» 2003

     "أنت عميل إسرائيلي.. أنت عرفاتي ومشبوه" قالها لي المسؤول الحزبي الطلابي البعثي في باحة كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية (طبعا الفرع الأول). شهد على تلك الإدانة عشرات الطلاب ممن شهدوا المشادة الكلامية بيني وبين ذاك المسؤول الوافد إلى الكلية من خارجها لقيادة الطلاب غداة الدخول السوري المتجدد لبيروت في العام 1987. 

كانت تهمة "العرفاتية" في مرحلة "حرب المخيمات" اخطر من تهمة العمالة لإسرائيل، ولأنها كذلك انسحبت من الكلية إلى بيتي القريب. راجعت وصديقي بشار ورفاقي الحزبيين آنذاك الموقف فقررنا المواجهة؛ مواجهة محاولة إسقاط التهم ب"الباراشوت" على أي صوت طلابي يعترض على محاولة فرض الأمر الواقع في كليات الشطر الغربي من "اللبنانية". 

في اليوم التالي كان مطلوبا مني ألا اطأ بقدمي الزاروب المؤدي إلى الكلية في محلة وطى المصيطبة. لكنني غامرت وهذه المرة بصحبة رفاق آخرين. 

المفاجأة الاولى تمثلت بمدخل الكلية محتلا من المسؤول الحزبي البعثي نفسه وحوله شلة لم اعرف وجوهها. 

المفاجأة الثانية بدت من بعيد أيضا: "المحتلون" وجوههم ضاحكة. "الظاهر الشباب ناويين على الخير". صرت أفكر بالاشتباك قبل أن يقع وبالضربة من أي جهة ستأتي. 

المفاجأة الثالثة حصلت بأن المسؤول البعثي تخطى عتبة الكلية واندفع نحوي مهرولا، وقبل ان تبدر مني اي حركة وجدت نفسي في احضانه. راح "يتشتشني" ويقبلني وسط دهشة رفاقي المشمرين عن زنودهم من حولي. 

المفاجأة الرابعة وقعت علي خطابا بعثيا من "كعب الدست" حول تاريخي الوطني وتاريخ عائلتي ووالدي تحديدا وقريتي الجنوبية. قال احدهم لي في الكافيتريا: "نبشنا أرشيفك كله فلم نجد شيئا". 

الحكاية استعادت نفسها في ذاكرتي فور توقيف تحسين خياط صاحب محطة "نيو تي.في." بتهمة التعامل ليس مع إسرائيل بل "العدو". وصارت محسومة انه "الاسرائيلي". 

لم أتضامن مع هذا الرجل من قبل ولم تتسن لي فرصة التعرف إليه أو العمل في إحدى مؤسساته الإعلامية أو الإعلانية أو العقارية أو الطباعية. 

كل ما اعرفه انه شخص نزق، عنيد، بخيل، طموح، والاهم انه يغار من رفيق الحريري. أنا من صيدا وهو من صيدا. أنا ابن عائلة متوسطة الحال وهو كذلك. أنا سافرت إلى الخليج وهو سلك الدرب نفسه. أنا عندي مؤسسات وهو... أنا من الطائفة السنية وهو... أنا وطني وقومي عربي وهو... أنا عندي فيلا في لندن وموناكو وطائرة خاصة وشقق في بيروت والضواحي وعقارات ومنازل وسيارات وهو... أنا ابن خياط وهو ابن الحريري... انا عندي محطة تلفزيونية أرضية وفضائية وهو ... فلماذا يكون رئيس حكومة ولا أكون مثله. 

لا اعرف تحسين خياط قبل التوقيف ولا أجد حشرية في التعرف إليه لأنه من بطانة لا تغريني شخصيا. لكنني أشفقت على من اتهموه ونبشوا أرشيفه ولم يجدوا ضالتهم. عدت 15 سنة إلى الوراء. شعرت بأنه الزمان نفسه والتهمة نفسها. كلنا عملاء. كلنا مشبوهون، أما "المفبركون" فهم انفسهم لم يتبدلوا الآن ولا قبل حين. 

هل يُعقل أن شخصا بحد ذاته يتهدد ويتوعد ويستدرج البلد إلى هذه الخانة الصعبة، خانة الاتهام المجاني لأن هناك من يرفض الالتزام على قاعدة "نفذ ما آمرك به ولا تعترض". 

من سيصدق غداً إذا قالوا لنا انهم ألقوا القبض على شبكة اسرائيلية او عميل اسرائيلي؟ من سيصدق ان تحسين خياط صار عميلا في ما لو قرر ان يكون كذلك لا سمح الله؟

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic