صدام حسين... لا جزاء يكفي

عباس بيضون

جريدة السفير (لبنان)

الجمعة، 19 كانون أول «ديسمبر» 2003
صدام حسين

     قالت رغد صدام حسين إن والدها الذي ظهر على الشاشة مستكينا لقَدَره مخدر بلا شك. يبدو أن اعتقال صدام جعل رغد تستقر على صفة ثابتة لصدام، فالذي كان رئيسا وقائدا وكبير العشيرة وقاتل الزوج بات الآن والدا فحسب. وغدا في وسع رغد أن تسميه هكذا بلا حرج. لقد غسل الاعتقال الحزازات البيتية فهل يغسل الحزازات كلها أم انه يبعثها ويضريها ويؤسس لمنقلب دام لها؟

مات بول بوت على فراشه، ولم يندم بينوشيه لكنه سيلقى ربه على فراشه أيضا. هكذا مات ستالين، وفرانكو وسالازار ناهيك بالمستبدين العرب، ماتوا جميعاً على أسرّتهم، قتلهم الهرم والمرض ولم يقتلهم الندم. "ألندي" المسالم الديموقراطي وحده مات وهو يقاتل. لنقل إن الموت ليس جزءا إلزاميا للاستبداد. ثم ربما لأن الموت ليس جزءا كافيا لمن أزهق مئات ألوف الأرواح.

لقد نتّف العراقيون جسد نوري السعيد واختفى في برهة بين الأيدي التي تناتشته، ولم يكن نوري السعيد في طغيان صدام حسين ولا يساويه في عداواته وحزازاته، لكن تنتيف جسد نوري السعيد كان أمراً مروعاً بالتأكيد وهو يجازي جرائم فرد بجريمة شعب، لذا لا يشتهي أحد أن يسلّم صدام حسين الى العامة فينتفونه. ذلك بالطبع تجديد لجرائم صدام وابتداء من نهايته. فالسؤال الذي يكاد يبدو أنطولوجيا هو أن لا جزاء كافياً لما فعله صدام حسين وإن لف الحبل على عنقه لا يساوي بالطبع جرائمه. الأرجح ان رؤيته وهو يسلم رأسه وحلقه لقفازات الممرض الذي يتفحصه أشق على أنصاره من إعدامه. لقد سقط منذ تلك اللحظة حتى من عين ابنته التي بحثت له عن عذر فلم تجد سوى أنه مخدر. وسقط من عيون الذين انتظروا منه بعد ثكله ولديه وخسارته كل شيء أن ينتحر، أو أن يقاوم. إن أرخوا في عمره مدة المحاكمة وإن أعدموه أو لم يعدموه فسيقضي في السجن أيامه كلها. لقد ضاعت حياته بكل الحسابات ولا معنى لأن يتشبث بها، إلا أنه يؤثر حياته بأي شكل وفي أي مدة على حياة ولديه وعلى كرامته وكبريائه، وعلى سمعته واسمه والمضحين في سبيله بحياتهم أحيانا. في ذلك صغر لا يوازيه صغر، وفيه بالطبع قزمية طالما انتفخت وحاكت الفيل. لكنه دوي طبل يغدو أجوف طنانا لدى كل مجابهة. لقد تحدى العالم في حرب لم يطلق فيها رصاصة، وتصدى للأميركيين في حرب ثانية لم يخضها، وأعلن على إيران حربا تواطأ الغرب معه عليها لكي لا يخسرها.

سقط صدام من أعين الناس حين وجدوه يجعجع ولا يحارب، ثم عادوا وشالوه في أعينهم حين رجع الى الجعجعة ذاتها وسقط ثانية، لكن المقاومة لمته والاختفاء الطويل رده أسطورة، حق لصدام حسين أن يجعجع ولا يفعل وان يكون فعله في جعجعته وحدها، فالناس يجدون في جعجعته كفايتهم ولا يسألون عما قبل وعما بعد. ثم إنهم-أي الناس يصحون من صدمتهم سريعا ويُلدغون من الجحر ذاته مرات ومرات، ولا أعرف إذا كان مرأى صدام حسين مستكيناً مستسلماً لسجانه أو إذا كان مرأى الجحر الذي اختبأ فيه كافيين ليودعوا جعجعة صدام، أو أنهم لا زالوا ينتظرون منه إشارات أخرى. دعك من ذلك فأغلب الظن أن صدام وحزبه تسلقا الى السلطة بما يشبه الجعجعة. لقد نجحوا في انقلابهم العسكري الأول ولم يبادروا. كان الشيوعيون بحسب حنا بطاطو يفوقون البعثيين كانوا مئات ذلك الحين أضعافا مضاعفة في الجيش نفسه، لكن البعثيين على قلتهم كانوا ماثلين للسلطة والشيوعيين لا. صعقوا خصومهم المتفوقين بعنف رهيب وأغرقوهم بالدم والصدمة فاستسلموا. كانوا عصابة احتلت السراي ولم تجد من يردها. 

أخرج البعثيون عبد السلام عارف من السجن ونصبوه بعد انقلاب قام على أكتافهم، لكن عارف كان مبادراً ومغامراً وجسوراً فقلب الطاولة عليهم، ولم يستطيعوا، لقلتهم وضعفهم، إلا أن يتراجعوا. اضطهدهم عبد السلام عارف لكنه لم يقتلهم بل أبقى على أحمد حسن البكر حراً. ولم ينتفع من الدرس البعثي الذي يقضي بأن يكون الحاكم أعنف فأعنف ليبقي خصمه مشلولا. استغل البكر وحزبه أن عارف لم يكن قاتلا بما فيه الكفاية وان أخوه لم يكن البتة قاتلا ليتسللوا ثانية الى القصر من خروق الخلافات بين حاشية عبد الرحمن عارف. لقد وجدوا دائما خصوما أقل عنفا أو حلفاء سذجا لا يدرون ما هو العنف البعثي. دخل البكر مع النايف والداود الى القصر لكن العصابة سرعان ما أخرجت الاثنين بالتسلط والقدرة على القتل. لقد كانت هذه ميزتها، أقتل فوراً، اقتل احتياطاً واقتل لتخيف واقتل لتشل واقتل ليهرب الباقون واقتل ليبقى ميزان الجريمة منصوباً فحسب، واقتل لتتسلى. يمكن أن نفكر بالبونابرتية كما سماها ماركس معدلة. إنه حكم الحثالة. الرئيس يقتل ويمطر المقانق على الأعوان، لكن المهم أن نقتل، وان نجد من يقتل، بائع ثلج يغدو "منظراً اقتصاديا" ولكن مهنته الأولى هي القتل. عريف يتحول الى نائب للرئيس، عسكري مُراسلة يغدو فريقاً وصهراً للرئيس، أبناء عم يتحولون قادة وحكاماً. هؤلاء هم قتلة أولا. امتحانهم الأول كان هنا، القتل والإبادة بلا تردد، القتل والطاعة فقوانين العصابة لا تسمح بمراجعة الرئيس. الطاعة والقتل هما البطاقة المطلوبة وهذا بالطبع مطلوب أيضا من الكوادر والأعوان القدامى والجدد، كان عليهم أن يقتلوا وان يتباهوا بما فعلوا وان يتقربوا من الزعيم بهذه الشفاعة، لكن طبائع الحثالة متناقضة، فالجسارة على من يتردد ومن يرتجف يقابلها بالطبع استخذاء أمام القوى واستعداد لخدمة القوي. هكذا تبدل الحثالة بنادقها أو تنقلها دائما من كتف الى كتف، فالحثالة طفيلية متسولة أفاقة جشعة متنفجة ومستخذية في آن معاً، مرتزقة ومعتدية ولصة على الدوام. هذا ما يجعلها آخر الأمر غير قادرة على التضحية وما يجعلها طفيلية دائما، من هنا لا يفاجئ أن يسلك صدام حسين على هذا الغرار فيحتمي في جحر ويخرج مستسلماً، ففي اللحظة الحاسمة لا شيء يهم سوى أن يبقى "أنا رئيس العراق وأريد أن أفاوض"، لم يكن يعرف غير هذه الكلمات، لكن معناها اختلف هذه المرة. كان يعني "لا تقتلوني... اتركوني حياً"، لقد قالها الرجل الذي لم يفعل طوال ربع قرن سوى القتل المكثف اليومي، "لا تقتلوني ها أنا خارج مستسلم، لا تقتلوني حياتي أنفع لكم"، كان هذا هو معنى المفاوضة. لا شيء في ذلك يذكّر بميتافيزيق الطاغية، فالطاغية الأصلي يحسب أنه يتعدى الحياة والموت، يلعب مع القدر وما دون ذلك لا يستحق الانتباه، يحتقر الحياة ويريد أن يبيعها بشيء أفضل، يساعد مقتوليه على أن يتخلصوا من الشرط الإنساني البائس والضعيف، ويسعى الى اليوم الذي تعدو فيه الإنسانية على مستوى القدر، لم يكن صدام حسين وزبانيته أكثر من لصوص سلطة وتصرفوا كلصوص، وحين أتى اليوم كان كل همهم أن ينجوا بأنفسهم مع المال الذي نهبوه من البنك المركزي، وبخيالهم القاصر حسبوا أنهم يستطيعون، لقد تصرفوا كهاربين قبل أن يدخل الأميركيون، اختفوا جميعاً عن السلطة وعن السمع والبصر، لم يشكوا في أنهم هذه المرة أيضا سينجون، فمع مليار دولار وأكثر يمكن تدبير كل شيء. لم يكن هناك مستحيل أمام العصابة التي أتاح لها الجميع أن تصل الى كل شيء والى أكثر ما تريد، قليل من الجسارة، إرادة الشر وحدها ويتراجع الجميع، يصعقون ويتركونهم يمرون. تركوهم يصلون الى حيث يريدون مرتين أو ثلاثاً، كانت الطريق دائماً ممهدة، قليل من الجسارة وإرادة كافية للشر ويعودون للمحاولة وينجحون ثانية، سيكون الحال أفضل مع مليار دولار أو مليارين، سينجون هذه المرة أيضا وسينفدون من خروم 200 ألف جندي أميركي، لم لا، وربما يعودون الى السلطة ما داموا من مخابئهم لا زالوا يُرهبون العراقيين، ربما يعودون الى السلطة التي فقدوها مرارا وعرفوا كيف يعودون إليها. 

ليس العراقيون وحدهم هم الذين يتساءلون هل كان عليهم أن ينتظروا 200 ألف جندي أميركي ليتخلصوا من سلطة، هؤلاء هم رجالها. يتساءلون إذا لم يكن الأمر ممكنا إذا كرروا المحاولة. الى أي مدى كان في وسعهم أن يهزوا نظاما يتجوف وينهار ما تحته عاما بعد عام، نظاما قائما على جنون الشر والقتل وحدهما. ليس هذا سؤال فحسب، إنه حيرة مطبقة، فهنا بالضبط ميتافيزيقنا السياسي، هنا بالضبط سؤالنا العراقي وغير العراقي، بالطبع، لماذا تواتينا الجرأة والإرادة في الحروب الأهلية وأمام الأجنبي ولا تواتينا أمام طغيان السلطة، لماذا توجد تجاه الخصم الأهلي أو الخصم الأجنبي قوة تتبخر أمام السلطة الباغية، لماذا يوجد الشعب، على أي نحو كان، تجاه الخصم المحلي والأجنبي ولا يوجد إلا سلباً أي كتلة مطبقة صامتة تجاه السلطة الحاكمة. لا يسعنا ان نتكلم عن نزعة سلمية عند الشعوب، يمكننا أن نتكلم بالعكس عن عدوانية مكبوتة وعنف كامن، لكن كل ذلك يتبخر في مواجهة السلطة، لنقل انه ميتافيزيقنا السياسي، ولا نجد له جواباً. 

لكن علينا ان نفكر في مقام السلطة في تقليدنا، في نماذجنا البدئية، في مخيلتنا السياسية، في ثقافتنا السياسية، في موروثنا. لماذا تستطيع أي سلطة مهما كانت أقلويتها وبلغت ضآلة تمثيلها ان تمتلك مشروعية ومهابة يجعلانها قادرة على تشتيت المعارضة ومنعها من ان تبنى على قوى فعلية. الانقلاب يزول بانقلاب فقط، والشارع مهما كان رأيه يمنح صوته لكل سلطة ويعترف بكل سلطة. الذين رأوا صدام حسين مسكينا شعروا بأنهم تعرضوا لأكذوبة ضخمة، لقد احترموا الى هذا الحد رجلا ليس لديه ما يدافع عنه سوى حياته. خافوا الى هذا الحد شخصا مستعدا لأن يعيش في ثقب لكي ينجو. ماذا كان حصل لو واجه هجوماً مثابراً وغالباً بربع الضحايا الذين سقطوا قبل ان يتحركوا، ماذا كان حصل لو ان الشجاعة والتضحية اللتين تبديهما الجماعات في العنف الأهلي او ضد الأجنبي ابدتهما ضد قسوة الطغيان وانتهاكه. ثمة خطأ كبير في كل ذلك وشلل بسيكولوجي وربما عطل في التربية والثقافة. لا ندري لكن هذا "سحرنا" السياسي الذي طالما اتاح للمتسلقين والحثالة والمتنفجين ان يتنصبوا الى ما شاء الله فوق المجتمع والناس، وأن يتصرفوا كحثالة ومتسلطين وأوغاد، وأن ينهبوا علناً وينتهكوا علناً دون ان يجدوا من يسألهم. كأن السطة المطلقة الباغية والفاسدة، سلطة الطغمة هي فكرتنا الوحيدة عن السلطة، كأن الحرية ليست بعدُ مطلبا في واقع قائم على الدفاع عن الوجود وحق البقاء والنجاة بالحياة نفسها. 

صرح صدام حسين "أريد ان أفاوض" في النهاية هذه تقريبا، نهاية الجميع لكن بعد خراب البصرة وإغراق الدم والشحن الحربي الطويل، فالأرجح اننا لا نجد بين هؤلاء شخصاً يتعلم بلا كارثة، والكارثة تحيق بالطبع بالوطن والجماعات والشعب بعامته. 

يمكننا ان نسأل عن مدى اتزان هؤلاء، هل هم في النهاية مجانين حقاً أم هو الدماغ العجيب لمن ليسوا في النهاية سوى فتوات. هل هي بهورة القبضاي تتحول الى سياسة وغالبا تجهل النتائج التي تترتب عليها، حين يغدو للكلام في الهواء والادعاء ثمن. لا أحب الكلام على النظام العربي الواحد، فهذا من "إنشائنا" السياسي، لكن يمكننا ان نفكر في سلطات تفتقد الى أي حكمة وتتكلم وتتصرف جزافا ولا تملك أي تقاليد. انها مشيخات لكن للمشيخات اعرافاً وضوابط، أما هذه السلطات فلا تفعل سوى الهزء بالقانون وبالعرف وبالضوابط كلها. انه حكم صغار المثقفين الذي سرعان ما ينتهي في أيدي السوقة، الواضح ان مشهد صدام حسين، وهو يعلن فقط في ثقبه، انه سيفاوض، في ثقبه فقط والرشاشات مصوبة اليه من علٍ، فهم صدام حسين انه كان من الأفضل له وللجميع ان يرحل مكرماً الى البيلاروسيا لكن لات ساعة مندم، انه العناد، لكنه الحمق أيضاً. 

يروي غلوب باشا ان حروب القبائل تجري على وتيرة واحدة، تهاجم قبيلة أخرى فإن استبد بالثانية الرعب وهربت في الفلاة نُهبت قطعانها، وان استجمعت نفسها وارتدت على الغزاة هرب هؤلاء وعادوا الى حيث اتوا، الارجح ان هذه حرب صدام حسين، صيحة حرب ان جازت على الآخرين قضي الأمر وإلا فلا مفر من ان يرفع يديه مستسلماً معلناً انه سيفاوض، بعد ذلك لا يهم كيف يموت إذ لم يخترع الله ولا البشرية لما فعله جزاءً كافياً. 

لكن لنتذكر، قد يكون مفيداً أن نلاحظ أن صدام حسين أول رئيس عربي يحاكم ويؤدي حساباً عن أعماله، أول دكتاتور عربي يواجه سجل جرائمه وأخطائه. سنجد في هذا السجل غالباً ما يشبه سير حكّام آخرين وعائلات وحاشيات حكّام آخرين، فالمهم أن حياتنا السياسية ستكون كلها في المحكمة، وربما سنخرج من ذلك بوقود لشيخوختنا أو ببيان لمستقبلنا.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic