جسم الديكتاتور الهش

بلال خبيز

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 21 كانون أول «ديسمبر» 2003
Saddam Hussain - صدام حسين

     صرح الجنرال الأميركي ريكاردو سانشيز في المؤتمر الصحافي الذي اعقب اعتقال صدام حسين: "ان الرجل بدا منهكاً ومستسلماً لقدره". القوات الأميركية في العراق اعلنت انها وجدت في حوزة الرجل الأشعث الشعر واللحية الذي كان ذات يوم صدام حسين مبلغاً يقارب ال 750 الف دولار اميركي. هذا المبلغ الهائل، وليس لدى الرجل الذي كان صدام حسين مرآة يتملى فيها وجهه المتعب، لا يملك مشطاً يسرح لحيته الشعثاء. ما الذي كان يفعله او ينوي فعله بهذا المبلغ كله

الأرجح ان الرجل كان يشتري به حياته، كان يدفع بالمال عن نفسه غائلة اعتقاله. لم يكن صدام حسين كما حسب البعض يعيش في قصر منيف وهو ملاحق ومطارد. كان يعيش في مكان اشبه بالقبر، لكنه مع ذلك لم يسلم نفسه من تلقائه. لم يقاوم، ولم تطلق في العملية طلقة واحدة، لكنه ايضاً لم يسلم نفسه من تلقائه. الأرجح ان ما فكر فيه الرجل وما استصعب ان يتحول إليه ليس العيش الشظف في السجون، حيث يحكى عن طارق عزيز انه يكنس الأرض وينظف الحمامات في المعتقل، فعيش الرجل كان شظفاً ومرعباً بما يكفي ليكون السجن، بما فيها سجونه الدامية، ارحم وارق. كان يحاذر، على الأرجح، وحتى اللحظة الأخيرة ان يظهر امام العراقيين والعالم على غير صورته التي تعايشوا مع رعبها القاتم. اي ان يتحول انساناً ينصاع لرغبة الطبيب في فحص حلقه ولوزتيه وتفحص شعره المنبوش. ان يرضى بوقوفه امام الكاميرا من غير ان يستعد الاستعداد الذي يليق بجزار لا تلين له قناة. 

كان يخشى ان نمنحه لحظة اشفاق، اي ان ننتقم منه بتحويله مرة واحدة وإلى الأبد ضحية من ضحاياه. لم يكن الرجل الذي كان ذات يوم صدام حسين قادراً على الاستسلام لاحتمال وقوعه ضحية. حتى اللحظة الأخيرة، اي قبل ان تعلن صورته على الملأ، كان الرجل منذوراً لمصيره الدامي. مقاتل حتى الموت، او منتصر في نهاية المطاف. بعد اليوم في وسع طارق عزيز ان يتشاوف عليه او ان يخالف امره. في وسع طه ياسين رمضان ان يلومه على ما فعل. في وسع كل شخص ان يعاتبه وان لا يخشى عقوبته. واحسب ان هذا مصير كفيل في حد ذاته بجعل الرجل الذي رأينا صورته على الشاشات، يدرك فظاعة مسيرته، مستسلماً للحكاك الذي تتسبب به لحيته، ومدركاً من لحيته الكثة ان ثمة جسماً هشاً يحمل كل هذه الندوب والجرائم التي حفت بملايين العراقيين. بوسعه الآن، ربما، ان يدرك ان اجسام الضحايا التي انزل فيها عقابه الدامي هشة إلى درجة لا تستحق معها كل هذا العذاب كائنة ما كانت جرائم اصحابها. بوسعه ان يدرك ان الحكاك امر لا يطاق، وانه يمكن للمرء ان يستسلم للموت فقط لأنه لم يعد يطيق هذه الحكة اللعينة. 

الآن يستطيع القائد الذي لم يندم على ما اقترف طوال سنوات بعثيته ان يدرك ان الجسم إذ يخون لا يجدر بنا ان ننزل به كل هذا العقاب. 

صدام حسين تائهاً ومنهكاً ومستسلماً لقدره، ينبغي ان نتذكر جيداً هذه الصورة. لأنها الصورة الوحيدة التي سيحفظها له التاريخ وهو يدرجه في باب الذين ولدوا وقتلوا وانجبوا وشاخوا وخافوا واستجدوا لمسة الرقة. 

كأنما لمسة الرقة التي يستجديها الذي كان ذات يوم يرهب الملايين، لم تتحصل له من اي جانب. كان يمكن لأي كان من اتباعه ان يقتله ويأخذ ما تحويه حقيبته، ويبقيه سراً محيراً إلى أبد الآبدين، مدفوناً بالخيانة والطمع لا أكثر ولا أقل. كان يمكن للرجل الذي يشاع ان زوجته خانته وافشت سره، ان يتحول لغزاً من غير حل. لكن الخيانة لم تأخذه إلى هذا المجد. مجد ان يصير لغزاً. الوفاء سلّمه إلى مصيره المذل. إلى فحص دقيق امام الكاميرا جدير بفحص العبيد في سوق النخاسة قبل شرائهم. كان الأميركيون يريدون التأكد انهم لم يلحقوا به اية جروح. فحتى الجرح لم يجد من يهديه له مكرمة ووفاء لأيام خوالي. نقطة دم واحدة كانت تكفي ليشعر الرجل انه بذل شيئاً في سبيل ما ذهب من أجله إلى القبر طائعاً مختاراً، ولم يبق في حوزته من حطام الدنيا غير اوراق نقدية لا يصح استعمالها سريراً ولا يسعها ان تسقيه نقطة ماء حين يعطش. اوراق تحفظ لزمن قادم، زمن يحسب انه قد يأتي فيتسنى له ان يشتري بهذه الأوراق كل ما حلم به طوال زمن سجنه في القبر حياً. 

كان الرجل يحتفظ ايضاً بمسدسه. مسدسه الذي لم يفارقه في احلك الظروف. مسدسه الذي جعله علماً على حكمه مضى معه إلى السجن. بهذا المعنى يستطيع المرء ان يفهم ما صرح به عضو مجلس الحكم العراقي الدكتور عدنان الباجاجي حين قال مسروراً ان النظام باد إلى غير رجعة، وان زمن الخوف قد ولى. لقد اعتقل الرجل واداتيه: النقود والمسدس: وسيلتاه اللتان حكم بهما العراق كما يجدر بطاغية ان يحكم ترهيباً وترغيباً. 

صور الفيديو التي بثها الأميركيون عن الرجل كانت تعلن في وضوح ان الرجل لم يعد صدام حسين. كان صدام ولم يعد كذلك. منذ ان فقد حقيبته ومسدسه اصبح صدام حسين شخصاً آخر. متعاون على ما يقول الجنرال الأميركي، ويسهل على حلاقي الجيش ان يحلقوا له ذقنه من دون ان يتسببوا له بجروح. مثلما يسهل على الطبيب ان يعاينه ويداه غير مغلولتين. لم يعد صدام ذلك التمثال الذي هوى. صار وديعاً ومتعاوناً ولا خوف منه على الإطلاق. الأميركيون فكروا ملياً قبل بث الصور على ما يظهر. أرادوا القول ان كائناً ما كان المصير الذي سيلقاه الرجل في ما بعد فلن يتسنى له بعد الآن ان يكون صدام حسين. مات صدام حسين حين رأيناه على الشاشة. مات الطاغية وحل محله المستسلم لقدره، المنهك والمتعب والذي لم يعد يطمع بشيء من هذه الفانية. بعد اليوم يستطيع العراقيون ان يحاكموه لكن الجسد الذي سيقع عليه العقاب لم يعد موجوداً، ولن يكون بعد اليوم شافياً غلة احد من ضحاياه. لقد حولت الكاميرا الأميركية هذا الرجل من غرض لانتقام لا يحد إلى جسد هش لا يقوى ان يكون مادة للعقاب.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic