 |
سأمرح.
سأكون أنا صدام حسين. أرتدي بزته العسكرية وأطلق شاربين وأصير أنا سيادة الرئيس القائد المفدى صدام حسين حفظه الله.
والآن سأقفز إلى اللحظة التي لم يعد أحد يحسدني فيها. التيس جورج بوش انتقاني دوناً عن كل الناس في الكرة الأرضية لينطحني.
إنها النهاية، قلت وأنا أصفع وجهي. كنت أريد أن أتنحى... ولكني خفت من لسان العرب. كانت العرب لتقول: النذل... الخسيس... سلم العراق من دون مقاومة. تفوو عليه.
جلست أنتظر العاصفة في القصر... راحت ايام عيد الميلاد يا صدام... راحت القصور وراحت السلطة. لن تنطق بحكم بعد اليوم يا صدام. بسيطة... ما أنت إلا وحش صغير يا صدام وقد استمتعت ثلاثين سنة بحياة إمبراطور... يا صدام هكذا هو الدهر... يوم لك ويوم عليك... والتيس كالقضاء والقدر. لن تقدر على التيس...
ارتحت قليلا للفكرة. لكني عدت وتذكرت العرب. ماذا؟ لا... لن أهرب... سأحارب. لن تشتمني العرب ما بقي من تاريخ لأني تخليت عن المعركة... إيلام كلمة العرب في قلبي أشد من قني التيس. سأحارب يا عرب... لأكف لسانك عني...
وجاء التيس... رميت نفسي في أحضانه وراح ينطح وينطح وينطح... آه يا عرب... لو تعرفين أوجاعي. هناك ملاكم محترف لم يصمد أكثر من تسعين ثانية أمام مايك تايسون حين كان هذا في العشرين من عمره. تسعون ثانية ثم اقتلع تايسون دماغه من تحت جمجمته. أما أنا فصمدت واحدا وعشرين يوما أمام جورج بوش... ثم ماذا؟ ماذا تريدون من صدام حسين وولديه وعصابته الصغيرة أن يفعلوا؟ قمنا بما يقوم به أي عاقل... هربنا... لم أكن أعلم أن أمل العرب سيخيب: ماذا؟ هرب؟ تفوو عليه. ترك أصنامه كي يدوس عليها المحتل ويذلنا... تفوو عليه. نحن براء منه إلى يوم الدين... الخسيس. النذل. تفوو عليه.
قالت العرب: كما توقعنا... لم يستشهد في ساحة الوغى. كنا نعلم أنه جبان ولن يفعلها. غريب. هل ادعيت يوما أنني ممن يموتون في ساحات المعارك؟ لماذا تسقطون عني صفات تؤكدون دائما أنني لا أحملها. ماذا تريدون مني. إتركوني لمصيبتي مع التيس. أنتم تستحون بي. تنظرون إلي بصفتي عاراً عليكم. تقولون هذا ليس منا ولا يشبهنا. حسنا إذا. اتركوني وشأني. لا... تفو عليك يا صدام. لا شيء أفعله يعجب العرب... غريب أمرهم.
قتل التيس عدي وقصي. عرضهما على شاشات التلفزة فكنتم، في البدء متشككين. هه! هذان ليسا عدي وقصي. يا للذكاء الخارق. جلب حلاقين يحلقون للموتى كرمى لذكائكم. وبعضكم لا يصدق حتى اللحظة. حيرتم التيس في أمره. وحيرتموني.
وأخيرا جاء التيس إلى الثقب حيث اختبأت. أخرجني التيس ووضعني أمام عيونكم... لم يسمح لكم بأي تذاكٍ هذه المرة. حلق لحيتي وجلب صورة عتيقة لي بملامح مطابقة لملامحي أسيرا لديه. التيس محترف. أما أنتم فوصلتم في الموعد المحدد: لماذا لم تنتحر؟ تفوو عليك... لماذا لم تنتحر...
مهلا يا اهل الخير مهلا... لماذا تريدونني أن أنتحر. خرجت من الثقب كما يخرج أي جندي من خندقه حين يعلم أن معركته انتهت. <<أنا صدام حسين رئيس العراق وأريد ان أتفاوض>>. أنا رئيس العراق. من منكم يجرؤ على تكذيبي؟ كنت في بيتي، اضرب أولادي كل صباح... هذه عادتكم وعادتي. هجم التيس على بيتي وأوسعني ضربا. هربت منه ولحقني وألقى القبض علي. لماذا أنتحر في اللحظة الأخيرة؟ أي شجاعة في إنتحاري؟
ثم... لماذا تمنيتم أن أنتحر؟ كنتم تعلنون البراءة مني كيفما التفتم... نبذتموني كما لم تنبذوا عربيا يوما. كان لسان حالكم يقول ليلا نهارا إن هذا ليس منا... لا يشبهنا. وأصبتم بالخزي والعار حين لم أقدم على الإنتحار. لماذا لم تفرحوا لنهاية مذلة كهذه؟ أليست هذه النهاية الأحلى لرجل مثلي ليس منكم؟ جبان. خسيس. تفوو عليه؟ لماذا كنتم حتى اللحظة الأخيرة تأملون مني شيئا؟ لماذا شتمتموني علنا وراهنتم عليّ في السر؟ لا يا عرب. ليس على مثل هذا الحال تجري الأمور.
إسمعوا. أنا صدام حسين أقول لكم: كنتم تريدون انتحاري كي أجنبكم أن تنظروا في عيوني... واسمعوا... أنا لم أنتحر لسبب واحد... لأنني قصدت أن أخيب أملكم فيّ... هكذا... حتى اللحظة الأخيرة سأكون خيبة أملكم القاتلة. نهايتكم السوداء التي تهربون منها. لن أسمح لكم أن ترجموني في العلن وتطلبون مني أن اكون كبش محرقة لما تبقى من شرفكم وكرامتكم... أنا صدام حسين. أنا بوجهي العربي الساطع... بلحيتي ونظرتي الذليلة أحدق فيكم جميعا. أقول لكم إنني لم أنتحر لأنهي روايتي كما أنا أريد.
هذه هي النهاية تماما كما لا تريدونها. حدقوا في وجهي... حدقوا مليا... حدقوا مليا... لن تبصقوا بعد الآن. فقد انتصرت عليكم... انتصرت عليكم حين أذلني التيس. ألم تفهموا بعد. أنا حاضركم من دون أي غبار. أنا واقعكم. أنا صدام حسين. أنا مسخكم الأخير. أنا صدام حسين. أنا انتصرت عليكم. في اللحظة الأخيرة صنعت من وجهي مرآة لكم وحولتكم كلكم إلى أشباهي... كلكم صدام حسين، فأين ستفرون مني ومنكم... أنا انتصرت... أنا صدام حسين.
لنمرح...