الموت الكثير والأسئلة المزدهرة

بلال شرارة

جريدة السفير (لبنان)

السبت، 3 كانون ثاني «يناير» 2004

     رغم كل شيء عاد (هيثم بوصي) الى بلدته بنت جبيل. 

عاد جثة هامدة لا بأس. المهم انه عاد، وانه في طريق عودته من مطار بيروت الدولي الى صف الهوى والسوق، وطريق العين الصغيرة والعين الكبيرة وساحة البركة وطريق الدورة، لم يصادف حاجزا معاديا. لا حاجز تفتيش لحديا او إسرائيليا، ولا حاجزا طيارا للواء غولاني ولا لجهاز ال504. 

كانت كل تلك الحواجز قد اندحرت تماما وانكسرت اعلامها على رؤوس التلال، ولم يبق منها سوى آثار أشلاء هزيمتها أمام صمود الناس الطيبين مزارعي التبغ والكندرجية، وكذلك الذين ينتظرون بريد الغربة وهو يحمل لهم الاشواق وبعض الدراهم. 

كانت رياح المقاومة بكل سلاحها البسيط والمتواضع قد كنست كل ما أتت به زوابع الاحتلال البغيض، وكانت بنت جبيل متأهبة تماما لتحمل على اكتافها أبناءها العائدين من الغربة، المجبولين بالشوق اليها: هيثم نور بوصي وأحمد علي شراره ومحمود عبد الأمير بيضون. 

وكانت مارون الرأس على موعد مع ابنها الغائب لقمان علوية، وعيناتا على موعد مع علي خنافر وكان جبل عامل كما ساحات الوطن الأخرى من البقاع الى الشمال يعبر بأحزانه عن سعادة شقائه. 

لم يكن أحمد علي شراره قد تعرف بعد الى بنت جبيل، لم يلتقيا من قبل، ولد في المنفى ونشأ وترعرع، وعندما بلغ سن السفر حضر الى مطار بيروت حيث دمغ بخاتم “صنع في لبنان”، ركب الطائرة دون وداع رسمي او شعبي كمثل الذي استقبلت به جثته، ومضى محلقا يشق طريقه الى حيث اكلته الغربة. 

كانت جدته أم توفيق قد قضت نحبها قبل سنوات بعيدة، إلا ان الدار كانت تحتفظ ببركتها وبصدى دعائها، تنتظر بأن يأتي أحد ليفتح الباب حتى ترتاح الى نفسها و.. عاد أحمد. 

عاد أحمد علي شراره جثة لا بأس، ولكنه عاد ولم يعترض أحد طريق عودته، ولم تحتج جثته ولا جثثنا الى تصريح دخول. 

كان الجنوب في تلك اللحظة مغسولا بالمطر البديع، وكان يلتمع كلما شقت نسمة ضوء طريقها اليه عبر الغيوم، وكان المكان مزدهرا بالأسئلة التي تنتظر الكثير من الاجابات: 

لماذا تأخر الكثير من الناس في العودة الى ملاعب طفولتهم وذكرياتهم؟ 

لماذا تبدو بنت جبيل كأرملة متروكة؟ 

لماذا تبدو البلدة كئيبة كسيحة على هذا النحو رغم فرح التحرير؟ 

لماذا لا زال برج البكاء مستحكما بمناخ المرارة على مساحة ما تبقى من الناس؟ 

الى متى ستبقى الأحزان عامرة في ديارنا؟ 

لماذا انعدمت الاعراس وصياح التين وأصوات الدلعونا في حاكورة نصف الضيعة وساحة السرايا؟ 

لماذا نتحايل على بعضنا في الكلام ونغش في امتحانات ثقتنا بأنفسنا وببعضنا؟ 

لماذا لا تزال الغيبة والخيبة والغيمة هي ملاذ الشكوى المرة من كوابيسنا؟ 

ربما نحتاج جميعا، المقيمين في بنت جبيل قبل المغتربين عنها الى أنحاء الوطن والمنتشرين في اصقاع العالم الى الفرص: 
فرص العمل. 
فرص الانتماء. 
فرص التعبير. 

فرص المقاومة كما للعدو الذي لا زال يتربص بنا، كذلك مقاومة التردد الرسمي في تعويض بنت جبيل حرمانها الطويل، ورد الاعتبار إليها بسبب معاقبتها على تمردها وانتفاضاتها ومقاومتها التي كانت منذ ان كانت. 

وبعد وبعد، 

فإننا نستحق ان نجتمع لنتصارح بأننا لسنا والإسى توأمين، بل اننا والضوء والنشيد توأم الحياة الكثيرة التي تنتظرنا. 

ويبقى ان بنت جبيل التي حملت بعض أطفالها بأسنانها الى الزرارية والخرايب وجويا والنبطية وكل أمكنة الجنازات التي أودت بها (قاطرة ومقطورة) الرحلة الجوية من بنين في حفلة الموت الجماعي، تقدم لأخوتها مدن وبلدات وقرى ودساكر الوطن العزاء الشديد، لعله يكون خاتمة لاحزاننا، ولعلنا نسلك الطريق الى حرية الفرح وفرح الحرية بالتحرير.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic