
إدمون صعب |
|
تسابق المنجمون في لبنان على تأكيد صحة توقعاتهم بالنسبة الى المصائب التي كانت تنتظر بلدهم في السنة المنقضية والتي خُتمت بفاجعة الطائرة التي تحطمت في كوتونو وازهقت ارواح قرابة 145 شخصاً ممن دفعهم بؤس حال حكامهم الى اقاصي الارض بحثاً عن لقمة العيش التي فشل هؤلاء في توفيرها لهم.
وقد لا يكون اللبنانيون في حاجة الى منجّمين هذه السنة لمعرفة ما ستكونه احوالهم، فالمكتوب يُقرأ من عنوانه.
فهم قبل فاجعة الطائرة كانوا في هلع شديد على الهجرة المتسارعة التي تكاد تفرغ الوطن من خيرة ابنائه، ولا احد يهتم او يسأل حقاً: لماذا يهاجر الناس ويغادرون الوطن أفواجاً، أفواجاً، من كل الطوائف والمذاهب والملل؟
وهل اصعب على الانسان من اقتلاع نفسه من جذوره، والرحيل عن الارض التي احتضنته، والضرع التي غذته، والسماء التي ظللته، الى حيث الغربة تبتلع كل شيء، حتى الذاكرة؟
وليس اكثر من النظريات في الاجوبة الزائفة: البحث عن آفاق جديدة. الريادة. الغريزة. التاريخ الطويل لشعب مهاجر باكثريته من اجل اعالة من يبقى من اهله في البلد... وصولاً الى الصراعات السياسية، والاضطهاد والنفي، القسري والاختياري، من النوع الذي وصفه رينه عجوري احد صحافيي اللغة الفرنسية البارزين في الخمسينات، ان كل لبناني يهاجر يمثّل "لا" معارضة للنظام، تسافر هي، فيرتاح هو.
وهذه الـ"لا" التي لم تتوقف عن المغادرة، قد اراحت النظام وأهله، كما سهّلت للخارج وضع يده على مقدرات البلد واقامة حكم يناسبه ويخدم أغراضه، على كل المستويات، الامر الذي همّش فئات كثيرة من كل الطوائف وألقى بجماعات جديدة في الفقر ممن انحدروا من الطبقة المتوسطة التي دفعت ثمن الحروب العبثية التي أودت بأكثر من 150 ألفا من اللبنانيين يشكّلون ركاب الف طائرة من طراز طائرة كوتونو. وقد أتاح المهمّشون الذين ما لبثوا ان هاجروا، لأهل النظام نهب ثروة الوطن، وزرع الفساد الذي حصده البلد طائرة مشلّعة على شاطئ افريقي متوحش، وقد تناثرت اجزاؤها بين اليابسة وقعر البحر، ومعها مجموعة "لاءات" ونفوس طاهرة وبريئة، وباحثون عن حياة كريمة لم تتوافر لهم في بلدهم، فغادروه على عجل ليعودوا اليه، وعلى عجل كذلك... في نعوش!
ولعل اغرب ما في حادث كوتونو، الروايات التي احاطت بالطائرة وخصوصاً لجهة الظن انها قد تكون تلك التي خُطفت في انغولا العام الماضي ولم تعد بعد الى اصحابها، وهي تشبه في تحطّمها وتمزقها وتناثر اجزائها، واختناق ركابها، وضياع مقتنياتهم وما يحملون، فضلاً عما تعرضوا له من اعمال نهب بعد الوفاة من اللصوص وقطّاع الطرق في ذلك المكان المقفر من الشاطئ، دون ان يجدوا من يحميهم او يسأل عنهم، بل يرأف بحالهم ويحفظ للموت حرمته - تشبه الوطن الذي غادره ركاب الطائرة، بعدما خُطف وتشلّع وسُلب ونُهب، وصُودرت ارادته.
وطائرة كوتونو التي انهارت تحت ثقل حطّم أول ما حطّم جناحيها، هي الصورة المأسوية للوطن الذي هرب منه أهله بعد تحطيم جناحيه، ليتجسدوا فيه لعنة على من دفعهم الى الهجرة.
وستبقى صورة الطائرة، الصورة الحقيقية للوطن الذي يقذف بأبنائه الى المجهول لأنه لم يوفر لهم العمل الكريم والشريف الذي هو أبسط واجبات أي حكم في العالم، بما فيه حكم دولة بنين التي أوجدت أعمالا لأبنائها، ثم فتحت ذراعيها لأبنائنا الى درجة أنها تغاضت عن تحويلهم طائرة الى ما يشبه بوسطة على أحد خطوط النقل الداخلي في قراهم وبلداتهم، سواء في الجنوب أو الشمال او جبل لبنان، في ليلة عيد حيث يتراكض الركاب ويتزاحمون، ويتراصفون راكبا بجانب راكب "ملزوزين" الى درجة توحي امكان انفجار الحافلة أو تدهورها عند أول منعطف.
وهكذا حصل في كوتونو حيث لم يصدّق ركاب الطائرة أنهم سيصلون الى بيروت ويجدون أهلهم في انتظارهم في المطار فيعانقونهم ويذرفون الدمع من شدة الفرح.
إلا ان الفاجعة، رغم مأسويتها وقساوتها، قد سلطت الضوء على الحال التي يعيشها الوطن المسلوب الارادة والمحروم من أبنائه ومن اقامة حكم وطني تشارك فيه جميع الفئات ويضع في مقدم أولوياته توفير العمل لأبنائه مما يغنيهم عن الهجرة، وجذب رساميل أهل البلاد، قبل الاجانب، برهانا على تعلقهم ببلدهم.
وربما أيقظ المخدرين من اللبنانيين أكثر ما حجبه منظر الكارثة وتداعياتها، وخصوصا مشهد الجرحى المتروكين على الشاطئ والجزء الغارق من الطائرة في الماء والضحايا داخله دون منقذ، فضلا عن سحب التيارات المائية عددا من الجثث الى الشواطئ البعيدة وتشوهها - هو اصرار المغتربين الذين صعدوا الى الطائرة، متجاوزين طاقتها على استيعاب الركاب والامتعة والمواد المشحونة... على السفر الى لبنان، بعضهم لمشاركة ذويهم في أفراح الميلاد ورأس السنة، وبعضهم الآخر لتفقّد أقرباء لهم وتمضية عطلة رأس السنة في القرى التي هاجروا منها واشتاقوا اليها... فوصلوها في أكفان!
إن طائرة كوتونو ينبغي ان تقطع الصمت الذي فُرض على السياسيين اللبنانيين والذي من شأنه ان يبقي بلدهم طائرة مخطوفة، لا هوية لها ولا قرار، تتقاذفها أمواج محيط مشتت لأبنائهم الذين قد لا يعودون الى الوطن، لا في طائرات منفجرة من ثقل الحمولة بالناس والبضائع، ولا في سواها فيبقون حيث هم ما دام وطنهم تحت الوصاية، ولا يحكمه أبناؤه، ولا يسهر أحد على مستقبله وهناء عيش أهله.
وان أخشى ما نخشاه هو ان تتكرر الكارثة لدى تقرير التعويضات فتنكشف المأساة الحقيقية: مغامرة بأرواح الناس ومتاجرة بها في طائرة الموت وخارجها!
أما كفانا تلذذا بالحديث عن الهجرة، والتستر على أسبابها؟