عام الحروب والاستسلامات الوقائية

بول شاوول

جريدة المستقبل (لبنان)

السبت، 3 كانون ثاني «يناير» 2004
Paul Shaoul - بول شاوول
بول شاوول

     ثُمّ خُتم العام 2003 على حروب وكوارث ودماء وفواجع ومآس ومعاناة وفقر وظلم واستبداد تماماً، كما ختمت أعوام فائتة وربما ستختم أعوام مقبلة.

عام يحمل كل الأعوام. وقائع تحمل كل الاحتمالات. بل وكل السيناريوات التي نفذت، والبروفات التي سوف تلعب. المؤدون معروفون. والأمكنة معروفة. والكواليس مكشوفة. والإضاءة على منتصفاتها، وان ناست هنا، لتنتقل الى خشبات أخرى. فرق جوّالة من قارة الى قارة. ومن مدينة الى مدينة. ومن شعب الى شعب. والماسترو والمخرج والمؤلف والمؤدي يكاد يكون معروفاً: هو الذي تَنَكّب مهمة جعل العالم أكثر أماناً، ليكون فعلياً أكثر تشوشاً ودموية وظلماً واستغلالاً.

من أفغانستان (ما زال يحكمها أمراء الحرب على شماعة كرازياي)، الى الهند وباكستان (كشمير)، الى العراق (لم يصبح لا أكثر ديمقراطية على الطريقة الأميركية، ولا على الطريقة الطائفية، ولا على الكانتونية، ولا على الطريقة الفدرالية، ولا على الطريقة العنصرية)، الى فلسطين التي ما زالت تقاوم بالأجساد الحية، وبالحجارة، وبأطفالها وشيوخها ضد الاحتلال المتوحش الذي لا يتورع عن الاغتيالات و"ضم الأراضي" عبر المستوطنات والجدار العرقي وتهويد الأرض الفلسطينية، ولا نظن أن وثيقة جنيف ستفعل فعلها وسط هذه الصراعات التي لا ترحم، الى سوريا التي وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل في سلّم اعتداءاتها لتحول مساراتها، وتقبل ما يفرضه الصهاينة في الجولان وفي فلسطين وفي العراق، الى كوريا الشمالية التي ربما تخبئ لها الامبراطورية المرتجلة ما خبأته للعراق، فإلى السعودية التي أفلتت أميركا مخزونها من التآمر والضغط عليها، عقاباً على مواقفها الأخيرة من حرب التحالف على بلاد العراق، الى بؤر كثيرة وعديدة لن تنجو في العام المقبل لا من الحروب ولا من المآسي ولا من التحولات القسرية.

عام 2004 قد يكون نسخة معدلة ومطوّرة وموسعة لعام 2003 وللأعوام السابقة، بعد 11 أيلول. فضحاياه أنفسهم بالأسماء والأمكنة والذرائع. والجلاّدون أنفسهم أيضاً بالأسماء والأمكنة والذرائع. بل وقد يكون العالم كله، أو معظمه، بؤراً مشتعلة تحت شعار "بعد صدام سيكون العالم أفضل". رحل الدكتاتور وصار العالم أسوأ، وها هم يبحثون عن صدّام آخر لصنع حروب أخرى، و"ديمقراطيات" أخرى على طريقة بوش في الوقت الذي تراجعت فيه الديمقراطية في بلاد العم سام وتكاد تتحول دولة بوليسية، توتاليتارية، قمعية، تمارس على سكانها ومواطنيها ما كانت تمارسه الأنظمة الشمولية أيام الستالينية واللينينية والبينوشية. فهل هي الديمقراطية الجديدة التي تسعى الإدارة الأميركية المتخلّفة المجنونة الفاشية الى بنائها داخل بلدها وتصدّرها الى الخارج بالنار والحديد والتفوّق العسكري والتكنولوجي. وهل هو الوجه الإيديولوجي من العولمة، بعدما تعرّفنا على الوجه الاستعماري والاستغلالي، ومصادرة ثروات البلدان، واستفراد السوق العالمية، وتعميق الهوة بين الشمال والجنوب، وإعلان الانتصار النهائي للدولة "الصالحة" على الدول المارقة. أي انتصار "ملائكة القتل" على "الشياطين" والأبالسة؟ إذ لم يعرف العالم، منذ الامبراطورية الرومانية، والامبراطوريات الفرنسية والبرتغالية والبريطانية والعثمانية، مثل هذه التجزئة الثنائية التي تقسم العالم الى نصفين: الشر والخير، العتمة والضوء، الملاك والشيطان، الضحايا والجلادين، المستغلين والمستغَلين، الموتى والأحياء، شعوب الله المختارة، وشعوبه المنبوذة... هذه المانوية التي شرّعتها نظريات ذرائعية كصراع الحضارات ونهاية التاريخ، ليست سوى غطاء وتمويه لمحاولات الهيمنة الأميركية وتفوق "العرق الأبيض" الصهيوني والأميركي، بل وليست سوى قشرة لتبرير إضفاء سمة "إلهية" و"دينية" على دور أميركا الذي يقدم نفسه كـ"منقذ" للعالم من الفساد والشرور. هذا ما كرره بوش ورامسفيلد وتشيني وآخرون. كأن أميركا هي "الديانة" الجديدة المخلّصة. بل كأن الإدارة الأميركية هي "المسيح" الجديد برسله ورسالته لإنقاذ البشرية من "نفسها"، لكن بمنطق القوة والفوضى والإكراه والطغيان.

ونظن أن هذا "الجنون" الميتافيزيقي والفيزيقي سيكمل بطريقة أشرس على امتداد العام الجديد. وقد بدأت بعض "بشائره" و"بوادره" وتنبؤاته، من خلال خضوع بعض الدول العربية وغير العربية لهذه "الرؤى" والنبؤات "الإلهية" الأميركية بل وكأن الحروب الاستباقية التي شنّتها "الامبراطورية" على بعض الأمم والشعوب وتهدد بها من تشاء، قد فعلت فعلها، والى حد، لا على صعيد الناس، بل على صعيد الأنظمة، لا سيما من حمتها الامبراطورية وغذتها واستخدمتها في صراعاتها، سواء في الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي ومشتقاته، أو في هذه الحرب الساخنة التي تتفرّد الامبراطورية بها، دون سواها من الأمم والدول.

فإزاء "الحروب الاستباقية" ونموذجها الأحدث العراق، (وقبله أفغانستان)، واعتقال رئيس النظام صدام حسين الذي حكم بالحديد والنار بموافقة الولايات المتحدة ودعمها ورعايتها على امتداد عقود، نرى نوعاً جديداً من "الاستسلامات" الوقائية سواء بشكل موارب أو بشكل ظاهر وسافر عند بعض الأنظمة العربية وغير العربية.

لكن الخطورة لا تكمن في استسلامات وقائية "سياسية" أو مادية ـ اقتصادية (تشريع الثروات العربية للنهب الأميركي) فحسب، بل في سلم استسلامات وقائية تصيب البنية الثقافية والفكرية والتربوية، التي تؤسس على سيادة، أو سلطة هذا النظام أو ذاك، أو تاريخ شعوبهم.

فلنقل اختزالاً، أنه الى جانب "الطلب" الأميركي بإخضاع الشعوب إخضاعاً سياسياً مباشراً لإملاءاتها وخططها، هناك الطلب الآخر: إخضاع الموروث الثقافي العربي وإنجازاته المتقدمة وظواهره الأخرى أيضاً للأهداف والتوجهات الأميركية. فالثقافة لم تعد بالنسبة للأميركيين خارج لعبة الاستيعاب: الفكر، الدين، المسرح، التربية، الشعر، السينما... تريد أن تنضم القطاعات بشقيها: السائد والهامشي، التاريخي والحديث، القابل والرافض، الى هيمنتها. وهو في النهاية، مطلب يتضمن في تضاعيفه نوعاً من الانقلابية، التي قد تجرّ، في حال حدوثها، (وقد بدأت تحدث) صراعات وحروباً أهلية ودموية، بسمتها الانقلابية والقسرية. فالديمقراطية المفروضة، وأياً كان فارضها، هي دكتاتورية مقنّعة. بمعنى آخر، وكما يجري في عراق ما بعد صدام، (والحال أسوأ حالياً)، تريد أميركا من خلال كل ذلك، أنظمة جديدة تحميها وتحمي إسرائيل، من كل سلاح ثقافي (أو ديني أو تعليمي أو إبداعي)، معاد لها ولدولة بني صهيون. وعلى الأنظمة العربية أن تسلّم تسليماً وقائياً كل مخزونها الثقافي لأجهزة المخابرات الأميركية والإسرائيلية "لتُنَقّي" هذه الثقافة من كل "شائبة" تشكل نقداً أو اعتراضاً لكل ما ترتكبه اسرائيل وأميركا من اعتداءات وتجاوزات ومجازر... بل وعلى الأنظمة العربية ـ الاسلامية، "تطهير" حتى الكتب الدينية المنزلة والموضوعة، من كل ما يمس باليهودية نفسها، وباسرائيل والصهيونية، فالتاريخ "الديني" يجب أن تعاود كتابته كتابة سياسية معاصرة محكومة بموازين القوة، ولا بأس إن عُدّلت هذه "الآية" أو حتى هذه السورة، لأنها "تُسيء" إلى "شعب الله المختار". فهذا "يقوي" الوشائج الحضارية والثقافية لخدمة السلام في المنطقة! كأنما هناك "جادنوف" أميركي يمنع ويحظر ما في الموروث والابداع والثقافة العربية من مساس بالمقدسين اليهودي ـ الصهيوني، والأميركي الامبراطوري، ولو أدى ذلك إلى المساس بالمقدسات الاسلامية والمسيحية، وبجوهر الفكر العربي والابداعي، فالدين والحضارة والآداب والفنون يجب أن تخضع لمجهر الديمقراطيتين: الصهيونية (وهي ديموقراطية قُطّاع الطرق واللصوص)، والأميركية (وهي ديموقراطية استنبات الدكتاتوريات والطغاة) والنتيجة: إما حروب أهلية وفقهية وتفسيرية وسياسية وقبلية، وإما سلام قسري محكوم بديموقراطيات محكومة بتسلط الأميركان:

ولا نريد هنا أن يُفهم من كلامنا اننا ضد الديموقراطية الأميركية على امتداد تاريخها، أو أننا ضد الثقافة الأميركية في المطلق. لكن ما نشير إليه هنا هو تحوّل مظاهر هذه الديموقراطية وأحوالها ومضامينها من ديموقراطية "جمهورية" إلى ديموقراطية امبراطورية بوليسية خصوصاً في تعاملها مع الخارج (ولا نستثني توجهاتها الداخلية السلبية)، كما نشير إلى أن الثقافة الأميركية الهامشية مع كبار مبدعيها في السينما والمسرح والشعر والرواية والفنون، هي ثقافة مضادة لكثير من جوانب النظام الأميركي الرأسمالي وحالياً الليبرالي "المتوحش". وقد حوربت هذه الثقافة المضادة بالمكارثية محاربة شرسة تشبه محاربة السوفيات للثقافة المضادة للستالينية ـ اللينينية، والشمولية والقمعية، تماماً كما باتت تحارب اليوم ومن قبل الطغمة المحافظة حالياً اتجاهات هذه الثقافة التي تشكل الضمير الحي للشعب الأميركي وتطلعاته الانسانية. فهذه الثقافة المضادة بقاماتها العالية تأثرنا بها عميقاً وفي مختلف المجالات. وهل علينا أن نذكر من كبارها أورسون ويلز وشابلن وبراندو وكوبولا وسكورسيزي وفوكنر وهمنغواي وأرثر ميلر، وتينيسي ويليامز وجيم موريسون، وتود هيوز وفيليب روث وحركات البيت، والمسرح المفتوح، ومسرح الهابينيز... وسواهم، لكي نستذكر أهمية تلك الثقافة النقدية الشاهقة التي شاركت وبقوة في صناعة القرن العشرين؟

إذاً، على العرب والمسلمين أن يحاربوا كعبيد من أجل أميركا وانتخاباتها الرئاسية، ولوبياتها الصهيونية، ويمينها المتطرّف والعنصري، "الارهاب" المتمثل بمعارضة الاحتلال في فلسطين ومقاومته، وكذلك القيام بمبادرات تدل على نيتهم "الصادقة" (أي العرب خصوصاً) في التحوّل نحو الديموقراطية، بما في ذلك تعديل سياساتهم الثقافية والدينية توصلاً إلى "الأمل" المنشود. وها نحن نرى أن العديد من الأنظمة عندنا يثبت حسن النية والطوية والمرونة، بإعلانه مباشرة إصلاحات جذرية أو غير جذرية، تتصل بحقوق الانسان، والحرية وقبول السلام بالشروط المفروضة، وليسلم الأميركان مفاتيح ترسانته لأسلحة الدمار الشامل (حتى ولو لم يكن يملكها)، وبعدها تسليم مفاتيح النفط، (وربما سلمت) وبعدها تسليم مفاتيح الثقافة (وقد بوشر بذلك)، وهكذا تبقى اسرائيل الوحيدة المتفوقة بأسلحتها التدميرية والنووية، وبحرية التحرّك، والعدوان، أمام شعوب عزلاء تحكمها أنظمة باتت فرائس بين براثن أعدائها.

إذا كان عام 2003 عاماً من تلك الأعوام السابقة، فإن 2004 سيكون "عام الأعوام".

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

 

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic