ادارة النفايات الصلبة هي موضوع الساعة. فالكل يعيش الدوامة المرعبة بكل المقاييس، حيث يتخبط فيها المسؤولون بحثا عن حلول جذرية للنفايات المنزلية التي تصل الى ما يقارب الـ1.460.000 طن سنويا على اساس انتاج يومي يصل الى 3750 طنا او ما يعادل 0.93 كلغ لكل شخص لبناني في اليوم الواحد، وهو معدل مرتفع نسبيا مقارنة مع العالم العربي الذي يراوح فيه انتاج الشخص من 0.50 كلغ في اليوم الى 0.80 كلغ كحد اقصى.
لقد ارتفعت جبال النفايات من برج حمود الى النورماندي الى صيدا وصولا الى مطمر الناعمة الذي تحول من حل لمشكلة نفايات بيروت الكبرى وبعض الجبل الى مشكلة حقيقية. والمبالغ الطائلة التي ارهقت البلد منذ 1990 والتي فاقت الملياري دولار لمعالجة موضوع النفايات، كشفت عمق الازمة. نظرة علمية تبسيطية لواقع هذه النفايات توضح الآتي:
1- 90 في المئة من النفايات الصلبة هي نفايات منزلية.
2- تركيبة هذه النفايات وفق المرصد اللبناني للبيئة والتنمية: من 51 في المئة الى 63 في المئة مواد عضوية (بيروت الكبرى/الوطن)، ومن 17 في المئة الى 18 في المئة ورق وكرتون، ومن 7 في المئة الى 9 في المئة مواد بلاستيكية، ومن 5 في المئة الى 10 في المئة زجاج، ومن 3 في المئة الى 4 في المئة نسيج، ومن 3 في المئة الى 4 في المئة معادن، و5 في المئة ردميات، و2 في المئة الى 3 في المئة نفايات اخرى.
لا بد عند معالجة هذا الموضوع على الصعيد الحكومي من ذكر مفصلين اساسيين:
1- اقامة المشروع البيئي لادارة النفايات الصلبة.
2- خطة الطوارئ لادارة النفايات الصلبة في منطقة بيروت الكبرى.
في الموضوع الاول، قدّم البنك الدولي قرضا بقيمة 55 مليون دولار لانشاء نحو 12 مطمرا صحيا واغلاق المكبات العشوائية واعادة تأهيلها، اضافة الى بناء محطتي تسبيخ في صيدا وزحلة، ومحرقة واحدة لنفايات المستشفيات.
في عام 1998 انشئت وحدة لتنسيق المشروع تضم ممثلين عن وزارة الداخلية والبلديات لتأمين المساعدة التقنية الى مجلس الانماء والاعمار في اثناء التنفيذ. وفي السنة التالية تمّ تعليق المشروع بعد معارضة الرأي العام له. والخطة كانت في صدد انشاء 12 مطمرا في كل من زحلة وبعلبك والهرمل والبقاع الغربي وراشيا والكورة وجبيل وطرابلس وعكار وصور والنبطية وصيدا، علما انه تم انشاء مطمر زحلة فقط.
في الموضوع الثاني، تبنى مجلس الانماء والاعمار عام 1991 بالتعاون مع وزارة البيئة خطة الطوارئ لادارة النفايات الصلبة في منطقة بيروت الكبرى وتضمنت الآتي:
- معملان لفرز النفايات الصلبة (العمروسية والكرنتينا).
- مصنع لتسبيخ المواد العضوية المفرزة (الكورال).
- مخزن لفرز العوادم القابلة للتدوير وفرمها (في محاذاة مكب برج حمود).
- مطمر صحي للتخلص من النفايات الصلبة المفرزة على شكل نفايات موضبة في بالات (الناعمة).
- مطمر للتخلص من العوادم والردميات (بصاليم).
وسقطت الخطتان، والسبب الرئيسي وفق اعتقادي يعود الى سوء الادارة والفساد المستشريين. وهنا استطيع الاختصار الشديد ذاكرا بعض الاسباب:
1- كانت الخطة الاساسية في منطقة بيروت الكبرى تقضي بطمر زهاء مليوني طن نفايات في مطمر الناعمة خلال السنوات العشر المقبلة، اي بحدود 200 الف طن سنويا ومليوني طن في مطمر آخر في بصاليم الغي لاسباب بيئية. ولم تلحظ الخطة اي بديل وكانت بداية للانهيار.
2- كانت الخطة تلحظ توسيع الكورال لتسبيخ 850 طناً يومياً بدلاً من 350 طناً ولم يتم ذلك، وكانت النتيجة ارسال جزء كبير من المواد العضوية الى مطمر الناعمة خلافاً للخطة.
3- لحظت الخطة استعادة 9.41% من المواد القابلة للتدوير والتي كانت تصل الى محطتي الكرنتينا والعمروسية للفرز، وهذا الرقم بقي بعيداً عن الرقم الصحيح مما يعني أن مزيداً من المواد القابلة للتدوير أُرسل الى مطمر الناعمة.
وكانت النتيجة - الفضيحة: مطمر الناعمة بات متخماً بالنفايات خلال سنتين ونصف سنة بدلاً من الصمود عشر سنين.
وفشل المطمر انعكس على المطامر الاخرى في خطة الـ12 مطمراً، لأنه دمّر ثقة الناس بالمطامر وشكل نموذجاً لا يحتذى ويرعب اي منطقة قد تؤويه. ومهما كانت تحفظاتنا كبيرة على مسألة حل مشكلة النفايات عبر المطامر الصحية واغلاق المكبات، يبقى سوء الادارة هو السبب الحقيقي الذي شكل صدمة للرأي العام، لأن المطمر لو نجح لشكل بداية لاقامة مطامر اخرى وساهم في الوصول الى حل مقبول.
واتحفتنا اللجنة الوزارية التي انعقدت اخيراً وجاءت قراراتها باختصار: "لكل قضاء مطمره والنفايات الاخرى للحرق...". قبل كل شيء ايام الحرق ولّت الى الابد في البعد البيئي، فقد تركت اليابان وفرنسا هذه الحلول الى غير رجعة بسبب ما تخلفه من آثار مدمرة على البيئة وتلويث للهواء بالديوكسين والغازات السامة الاخرى والامراض السرطانية.
لكل قضاء مطمره مسألة فيها نظر. وكأن هذا الملف صورة عن التقسيمات الادارية في البعدين السياسي والمناطقي. من الممكن الاخذ بجزء من هذا الاقتراح اذا صحت الشروط الفنية والتقنية لاقامة المطمر، ولكن لنفرض ان منطقة وقضاء بأكملهما غير قابلين فنياً لاستقبال مطمر، فهل هذا يعني: "عنزة لو طارت!".
من خلال ما ذكرنا آنفاً، يتبين لنا عقم هذه الحلول طالما ان الادارة غير كفية، فثمة حلول اخرى اعتمدها عدد من الدول المتقدمة وصولاً الى الافضل. والحل المثالي بكل المقاييس هو فرز النفايات من المصدر أي من المنزل والمصنع والمدرسة والاماكن التي تنتج النفايات. وعند تبني حل الفرز من المصدر كمية 3750 طناً تسقط الى 10% اي 375 طناً يومياً من العوادم، وذلك بعد تسبيخ زهاء 63% منها وانتاجه سماداً واعادة تدوير نحو 27%، البقية عوادم لا تضر بالبيئة والطبيعة. ونحن على يقين ان هذا الاسلوب الجديد لادارة النفايات الصلبة يجمع بين الطرق التقليدية والتكنولوجيات الحديثة، لكن نجاح ادارة هذه النفايات يحتاج الى مشاركة فاعلة من كل فرد منا. فعند تقليص كمية النفايات المنتجة واعتماد طرق الانتاج الانظف واعادة التصنيع، تخف الحاجة الى عمليات كثيفة لمعالجة النفايات والتخلّص منها.
والمفارقة الاساسية التي يجب ان يتنبه لها الجميع، هي المزايا والافضلية للفرز من المصدر بدل الفرز في منشآت كالعمروسية والكرنتينا، لان النفايات الصلبة عندما تكون مختلطة بعضها ببعض وتصل الى محطة الفرز تكون قد دخلت حالة التفكك وبدأت تتسرب منها روائح كريهة اضافة الى السوائل التي تفسد نوعية هذه المواد مما يبعدها عن مهمتها الاساسية اي اعادة تدويرها ويبعد المصانع عن شرائها، بينما الفرز من المنزل والمصنع والمدرسة وغيرها يتخطى هذه الصعوبات وينعكس نظافة وبعداً عن كل مساوئ منشآت الفرز.
لن اخوض في التفاصيل المملة والتي اصبحت جزءاً من الملف الفاسد للبلد، فالصفقات "حدّث بلا حرج"، وحين يرد في مجلس الوزراء قرار الغاء التعاقد مع سوكومي وسوكلين ومنحهما التعويضات الضرورية، ولم يرف جفن احد للسؤال عن هذه التعويضات اي نحو 200 مليون دولار، في الوقت الذي تتراجع الدولة عن تنفيذ مشاريع اجتماعية اساسية.
واخيراً الملف المالي مرعب، فمن خلال تجربة خطة الطوارئ كانت التكاليف على الشكل الآتي: الفرز 18 دولاراً للطن، الترزيم 12 دولاراً، التوضيب 9 دولارات، النقل الى مصنع كورال 4 دولارات، التسبيخ 18 دولارا، والطمر 35.25 دولاراً.
مفارقة يجب ان تشكل صدمة لكل لبناني، فمعالجة كل طن نفايات في هذا الوطن الاخضر تصل الى زهاء مئة دولار... بدلاً من ان يتحلل الى مواد قابلة للتدوير واعادة الاستعمال وسماداً، متيحاً المجال امام فرص للعمل في اعادة تصنيعه.
أما الخطة العملية التي يطرحها برنامج الحملة التي اطلقتها اخيراً 76 جمعية بيئية واهلية فتختصر كل المسافات، ولعل الذين في مراكز القرار يسمعون فيتعظون!
* المهندس محمود الاحمدية رئيس "جمعية طبيعة بلا حدود"