ان الذي كان ممرا يربط السماء بالارض ومسكوناً اساساً بخلاص الانسان، اي عيسى المسيح، لم يقم عموماً بتشريع ما لحياة الانسان، لا بل نادى وصرخ ملء حنجرته بأن الرب اعطى الانسان وصيتين اثنتين: احب الرب الهك من كل قلبك وبكل نفسك وبكل عقلك، هذه هي الوصية الاولى والعظمى. والوصية الثانية احب قريبك كما تحب نفسك. على هاتين الوصيتين تقوم الشريعة كلها وتعاليم الانبياء بحسب القديس متى 40-22:34 هذا الذي كرس حيزا كبيرا من رسالته للشك بالموروث التشريعي، ناقدا التمسك الاعمى بالشريعة ومحاربا غلو المشرعين الموسويين، صائحاً بوجوههم وعلى الدوام "الأعمى لا يقود اعمى". كم تغنّي به، كم تكلم وفاض حبا به خاتم الانبياء والرسل محمد بن عبدالله! ذاك الذي هو من "روح الله" لم يكن مشرعا ولكن الم يكن حبيبا لمحمد" لم يكن النبي الاكرم متقبلا ومحترما وحسب، بل ايضا رحوما وعطوفا على اتباع المسيح: "... لتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وانهم لا يستكبرون "سورة المائدة .83 ثم انهم "اذا سمعوا ما انزل الى الرسول ترى اعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا..." السورة نفسها .83
صحيح ان "النصارى" واليهود تجمعهما اسلاميا صفة "اهل الكتاب" الا ان النص القرآني اعلاه والسيرة النبوية يدلاننا على احتمال وجود نوع من التمييز الضمني والمستتر بين اهل الكتاب عند النبي، وهذا التمييز ببلاغته الكامنة كان يترجم عنده سلوكياً وفكرياً بنظام منطقي محكم بواسطته كان محمد يبين لليهود، يحاججهم ويواجههم ككتلة واحدة متماسكة، ككيان جماعي محدد، حيث لا فصل بين الاتباع او بينهم وبين هويتهم. بينما "الاصول السموية" للمسيح وهالته العظيمة الشأن عند النبي كانت تحضه على التعامل مع المسيحيين كأفراد وليس كجماعة، وبالتالي بقيت المحاججة والمواجهة دون المس بالرمز المشترك واثره الروحي العام وبالرسالة المشتركة، اي بقيت في دائرة تفاصيل التمايز الكياني، او بعيدة عن التعميم، او قريبة من الظرفي. تعزيزا لهذه الفرضية نلجأ من جديد الى الآية 83 من سورة المائدة، لكي نجد انفسنا امام موازاة فعلية parallelisme بين النظرة الى المسيحيين والنظرة الى غير المسيحيين عندما تبدأ الآية: "لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين اشركوا ولتجدن اقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى..." هذه الموازاة وهذا التمايز نجدهما في اكثر من مكان في القرآن (راجع سورة البقرة الآيات 101 - 146 - ،253 او سورة عمران الآيات 23 - 69 - 75).
ان بلاغة المنطق المحمدي في كمونه هذا، هو من العمق والغنى بحيث تتمظهر قوته من خلال حدسية مميزة واستباق تاريخي فريد "لساعة" التساكن، والتجاور اي التفاعل بين الديانتين والحضارتين المسيحية والمسلمة. هذه البلاغة الكامنة لم تجد في ما بعد، ويا للاسف، عند المسلمين من يفلسفها، من ينحت لها بنيانا فكريا تواصليا، او يسبر غورها فكريا وعمليا. فاذا بها تُهجر مع الوقت وخاصة منذ مرحلة "الصحوات" الاصلاحية المتوالية. هذا الهجر لما هو تواصلي مشترك، انساني - روحي، وخاصة مع عقيدة المسيح، نجده يتعزز مع العامل التاريخي لغياب الآخر او تغييبه عن العمليات التحليلية والادراكية في الانظمة الفكرية الاسلامية المختلفة. بمعنى ادق منذ شهاب الدين احمد القرافي المتوفي عام 1285 وكتابه المثير للاهتمام "الاجوبة الفاخرة عن الاسئلة الفاجرة" في الرد على اهل الكتاب، والمسيحية، كفكرة روحية، كتنوع ثقافي اثني، كغنى مفاهيمي وقيمي لم تجد مسلما واحدا ينظر اليها تمحيصاً في التقاطعات العقائدية الممكنة ويبحث منهجيا لفهم التمايز المفاهيمي او الادراكي لعلاقة الخالق بالمخلوق او على الاقل طرحها كموضوع فكري للاستيعاب تتطلبه ضرورات التفاعل الوجودي.
بالرغم من اشتداد الصخب في صراع القوى، وقعقعة التفاعل بين الشرق والغرب، تتعامل الانظمة الفكرية الاسلامية المعاصرة مع المسيحية - التي هي عقيدة عميقة وكنائس متنوعة، وحضارة مترامية الاثر والتأثير - بمفارقة تكوينية مميزة لبنيتها العقلية ذاتها: من جهة تعتبر هذه الانظمة نفسها في علاقة "حرب مواقع"، علاقة "غزو ثقافي - تحرر"، ومن جهة ثانية تأخذ المسيحية برمتها كمسألة لا تستحق الاهتمام. اما الاكثر احباطاً فهو ان هذه اللامبالاة الفكرية الاسلامية العامة لم تجد لها ردا ايجابياً عند "الاصلاحيين الشيعة"، وهم الذين يعتبرون انفسهم ضحية عدم الاعتراف او اللامبالاة بهم كتيار فكري من صميم الاسلام، فاذا بهم يعيدون انتاج هـذه المـفـارقـة التـكـوينية للاسلام المعاصر.
من هنا يجب التوقف عند النزيف الديموغرافي الذي يحصل لمسيحيي الشرق، وعلى وجعهم الوجودي. ما هو الخطاب الموضوعي والقيمي الذي يجب ايصاله لهم؟ ليس ثمة خطاب واضح ابداً. كونهم شرقيين ما هو دورهم المتوجب في حوار الحضارات او صراعه؟ هل يتخلون عن ايمانهم او عن تاريخيهم وارضهم حسب صراع الحضارات ام يجب الدفاع عن شخصيتهم الاســـاسية والذود عنها من قبلهم ومن قبل المسلمين كونها تقاطعا روحيا، اثنيا، ثقافيا كما يتطلبه حوار الحضارات؟
في الحالتين، الانظمة الفكرية الاسلامية المعاصرة عاجزة بوعيها عن تحديد ما تريده من دور للمسيحي الشرقي واسيرة بلاوعيها لجموح الرغبات المتناقضة تجاهه، مما يدفعها، اولا، علائقياً، الى لامبالاة كلية بماضيه، بحاضره وبمستقبله، وثانيا، الى الوقوف "الحنيني" على اطلال بعض المفاهيم المبتورة دون اية انجازات آنية او مستقبلية. مثلا: "الاسلام هو دين محبة وتسامح"، او "ليس في الاسلام اضطهاد". نعم لا يوجد عاقل على هذه الارض ينكر هذا الارث المحمدي الكريم. ولكن الاسلام اليومي والمعاش هو ايضا تمييز: تمييز بين الرجل والمرأة، تمييز بين التوحيدي وغير التوحيدي، تمييز بين المسلم والمسيحي.
ان القلق والكآبة والانطواء التي اصابت شخصية المسيحيين الشرقيين وخاصة في هذه الحقبة من التاريخ، ما هي الا تعبير امين وموضوعي عن انسداد الافق للتجليات الاسلامية الكونية وعن العجز عن ابداع المفاهيم ذات الاثر التحفيزي للتقريب بين البشر.
في نهاية الامر صحيح اعتبار الاضطهاد كقهر وجودي يصيب غريزة البقاء والشعور بالامن وهنا الاسلام لم يكن مهددا، بل بقي نقي السمعة، الا ان التمييز بين البشر هو قلق ووجع ايضا يمتهنان الذات ويجعلانها محكومة بعقدة دونية تصحّر طاقات الحب وتزهر فوهات القطيعة خاصة بين فكرين لا تجمعهما طيات الدهور فقط بل ايضا اختلاجات المعاش، وهج التشابه وجماليات التمايز.
* الدكتور محمد نعمة مدير جمعية عنف ومواطنية – باريس