في وداع الحزب الشيوعي اللبناني

بول شاوول

جريدة المستقبل (لبنان)

السبت، 10 كانون ثاني «يناير» 2004
Paul Shaoul - بول شاوول
بول شاوول

     لماذا لم يتبقَّ لنا سوى انتظار الأسوأ فَنُطرّي سوءَه، تخفيفاً للأسى وللخيبة.

بل، ولماذا لم يتبقَّ لنا سوى العجز عن دفع سلسلة الانكسارات والنكسات السياسية والاجتماعية والفكرية والسياسية والاجتماعية والفكرية، لا سيما الحزبية والنقابية والثقافية وخصوصاً التغييرية منها، في فضاء كنّا، ومن باب الرجاء، نَتَنَسّمُ فيه ولو التماعاً لأمل، ولو إيماءة إلى بصيص؟

نقول هذا لأن ما جرى قبل عملية الانتخابات الأخيرة في الحزب الشيوعي وأثناءها وبعدها، يفوق كل تصوّر. حزب محمل بتجارب تمتد إلى قرابة ثمانين عاماً يتداعى كالكرتون بطريقة دراماتيكية لكي لا أقول ميلودرامية على نمط الأفلام الهندية ولا تجد في صفوفه مَنْ "يتطوع" لإنقاذه أو لإنقاذ ماء الوجه، لكثرة ما تراكمت عليه، من صراعات أنانية، وشروخ وانقسامات وتقلبات وانقلابات وأخطاء ومن طموحات صغيرة، ومن أفكار مئوية وأكثر حتى باتت عبئاَ اضافياً إلى ارثه. بل كأنّ كل مؤتمر عُقد له لا سيما السابع والثامن والأخير، لم يكن سوى اضافة عناصر جديدة لتأزيم ازماته بدلاً من حلها، ومناسبة لتصفية الحسابات التاريخية وغير التاريخية ومحطة لتقليص دور ناسه وملتزميه وقواعده.

وهنا نتساءل، وبعدما اطلعنا على وقائع هذه الانتخابات التي "فاز" بها أمين عام جديد أغمي عليه فور اعلان النتيجة وسقط ارضاً، وعالجوه وعاجلوه بالماء الزهر، وربما بالصلوات والأدعيات والتعاويذ لكي يصحو من صدمة لا نعرف حتى الآن اذا كانت ايجابية أو سلبية، نتساءل: هل تحول الحزب مجرد جهاز فوقي طافٍ على قواعد مناطقية وقبلية (وحتى طائفية بكل اسف) رجراجة وزئبقية لا نعرف من أفكاره وممارساته سوى استعداداته لانتخابات "تقرر" من سيتولى "السلطة" ومن سيخرج محملاً بالاتهامات والوشايات واللعنات.

كنّا ننتظر من هذا الحزب الثمانيني ان يقدم الينا "أفكاره" الاصلاحية الجديدة، وتصوراته لبناء أطر تتجاوز اطره القديمة واستقراءته لواقع ما بعد الحرب، وللقضايا التي تعصف بالبلد وبالعالم العربي وكل العالم، وللمشكلات الاجتماعية والطبقية، (بما انه ما زال حزباً طبقياً وأي طبقة)، والطائفية (بما انه خاض كحزب علماني وأكثر من علماني حرباً طائفية توقع عبرها، ربما، الوصول إلى نظام علماني!)، والتربوية والتعليمية (بما انه خاض في الستينات والسبعينات معركة الجامعة اللبنانية وساهم في تأسيس الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية) والزراعية (بما انه قدم في السبعينات أيضاً برنامجاً زراعياً في احد مؤتمراته والعمالية (بما انه حزب العمال).

كنّا ننتظر منه أن يُشرّح لنا حال الديموقراطية في لبنان، وما هي خياراته ازاء محاولات عسكرة المؤسسات والنظام نفسه، وموقع المجتمع ككل من هذه المسألة. وكنّا ننتظر منه أيضاً أن يُحدد لنا مكانه بالنسبة إلى الحريات العامة وماذا فعل بعد الحرب، لصونها وتطوير مفاهيمها وممارساتها. وكنّا ننتظر من هذا الحزب "الطليعي" ان يشرح لنا ماذا يريد اليوم من الجامعة الوطنية، وما رأيه في تفريعها تفريعاً مذهبياً وطائفياً ومناطقياً وقبلياً، وما هو وضعها الأكاديمي، ومطالب طلابها، واساتذتها، وما هي أحوال ابنيتها ومكتباتها ومختبراتها ومستوى اساتذتها وكيفية ادخالهم الملاك وشروط تفرغهم. وأين صارت استقلاليتها، ومن يهيمن عليها: أي قوى، أي طوائف، أي اجهزة، أي جهات، وماذا فعل كحزب طليعي لمحاولة تحسين ظروفها ومحاربة الأمراض والأوبئة وظواهر الجهل والتجهيل والتخلف والغيبيات والعصبيات التي تسودها؟ وكان يمكن أن يحدد لنا، ومن باب شموليته، ما موقعه من مشروع المدينة الجامعية، وهي الصيغة الحديثة لمطلب الحركة الطالبية في السبعينات تحت عنوان "المبنى الجامعي الموحد". وكنّا نتوقع منه أن يعرض لنا، حال القضاء في لبنان، هل هو مستقل من باب فصل السلطات، أم أنه مسيطر عليه، أم انه مسيس، (أو نزيه)، وهل يُسخر القوانين لتصفية الحسابات، أو لتمويه التجاوزات والجرائم. كنّا نريد منه أن يقدم لنا جرداً بكل هذه الأمور ويمُدنا باقتراحات أو بحلول سواء كانت قريبة أو بعيدة، ضمن أولويات وسلالم ودرجات.

وكنّا ننتظر من هذا الحزب المفترض انه ثوروي و"سيروري" وتقدمي، ومتجاوز، ان يُعيد النظر ببنيته، وافكاره إعادة نقدية وعقلانية لا بمعنى الخروج على "الثوابت" (الماركسية على الأقل)، ولا بمعنى التحلل من "التاريخ" وحركته او حركاته، وإنما بمعنى" استشفاف التحولات الكبرى التي طرأت على فكرة التغيير نفسه وفكرة اليسار وفكرة الماركسية بمضامينها واحتمالاتها بحيث تكون محاولة لاستيعاب المستجدات التي حدثت بعد الحرب والظواهر الطائفية الراسخة أي ان يجرب ربط الحزب بالواقع بكل تناقضاته واختلافاته وبكل التغييرات في العالم من مسألة العولمة (ولا يكفي أن نكيل لها الشتائم) ومسألة اشكال التطور التكنولوجي والمعلوماتي (ولا يكفي التحذير من هيمنة الغرب والامبريالات عليها)، وعلاقتها بالثقافة والعقلانية وحتى بالغيبوبة العربية...

كل ذلك لم يظهر على شاشات الحزب، أو ظُهّر كظلال مموهة بقيت على هشاشتها، في كواليس الاهتمام وفي الصفوف الخلفية من هواجسه لا شيء جدياً من كل هذه الأسئلة لا أجوبة ناقصة، ولا كاملة، ولا مرحلية ولا مستقبلية ولا تفصيلية ولا شمولية. لا شيء حرّكه في هذا العصف الذي يجتاح المجتمع والنظام وما يدور حولنا وخلفنا.

غريبٌ في وسط غريب. قبيلة مغلقة على قبلية مغلقة. غيبوية فكرية تقابلها صحوة سلطوية ضيقة. وعلينا ان نفهم، ومن ضمن المفاهيم الثورية العشيرية التي تفتقت في الصراع وفي الانتخابات ما جدوى ان يكون في لبنان حزب شيوعي لم يعد شيوعياً، وحزب يساري لم يعد يسارياً، وحزب تغييري تجمد في لحظات زمنية ماضوية، واطمأن في قيلولاته التاريخية. ما جدوى حزب بلا أفكار. ربما نسي حتى أفكاره "العريقة" ولم "يأنس" إلى أفكار جديدة طازجة، أو حوّل افكاره العريقة إلى شعارات ونبرات تصويتية ولغطاً لفظياً محاولاً بهذه "التمويهات" الغاء أي دور جماهيري، او ايديولوجي، أو فكري فاعل، تمهيداً لتقديم نفسه "اضحية" مقابل الانخراط في لعبة النظام والبنى المتداولة فيه، و"المكاسب" الموعودة، بل وكأنه يئس من كونه حزباً غير طائفي أو غير قبلي، أو غير مناطقي، فهرع إلى منطق هذه الظواهر، لتألفه العلاقات المسيطرة ويُصبح جزءاً من آلياتها ومشتقاتها.

بمعنى آخر يبدو أن هذا الحزب قد تخلى عن دوره التاريخي، مقابل "دور" جغرافي محدود، ترسمه "واقعية" مبشرة لا تسلم من التواطؤ والركون والاحلام المجهضة وهنا نجد انفسنا متسائلين: لماذا ما زال يُصر من تبقى من قياداته التاريخية وغير التاريخية أولاً، على استبقاء هذا الحزب الذي أوصلوه إلى هذه الحالة المزرية، ثانياً، على استبقاء اسمه "الشيوعي" ما دامت أفكاره، قد نفدت صلاحياتها وصارت عبئاً عليه، وعلى التطلعات التغييرية الشبابية والجديدة، ثالثاً، لماذا لا ينشئون حزباً جديداً، يحمل مواصفات ما توصلوا إليه من انتماء إلى السائد ، رابعاً، لماذا لا يحولونه جمعية خيرية أو اجتماعية أو كشفية شبيهة بالصليب الأحمر أو كاريتاس؟

بكلمة أخرى: انتهى الحزب الشيوعي كفكرة ودور وموقع. فقد تمايزه، وألقه، وطليعيته، ومبرر وجوده.

لكن كنّا نتمنى الا ينتهي او يعلن نهايته، بهذه الطريقة في انتخابات لم يُستبق فيها اثر له ولا لتاريخه ولا لنضالاته السابقة، ولا لأفكاره ولا لأحلامه.

نهاية تعيسة ميلودرامية وكوميدية معاً، على شاشة يشتد سوادها، وتتكثف قتامتها، وتخفّ قاماتها وظلالها.

وهذا مؤلم لنا. نحن الذين رافقنا من بُعد. ومن خارج الحزب، ومن هاجس التغيير، تواريخه وكفاحه ودوره الكبير في صوغ واقع آخر، يجافي ما ترسب في مجتمعاتنا من تخلف وطائفية وتحنط وجمود.

فوداعاً أيها الحزب الثوري، وداعاً أيها الحزب الشيوعي.

... والتاريخ لا يتوقف.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

 

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic