كأنه الدخول في العدم، في مدينة شوّهتها عجقة الناس ولقمة العيش العسيرة. هناك، بعيدا من نبض العاصمة بيروت، بل بعيدا من الحياة، جزء من مدينة يدعى حي السلّم، او ما يطلق عليه في سجلات الدولة: العمروسية. هذا الحيّ الذي لم يُحسب على خريطة هذا الوطن، كأن سكانه ليسوا ببشر أو أنهم مخلوقات فضائية دخيلة على هذا العالم.
نشأ حي السلم في الحرب، في ظروف خوف وهرب من القصف والدمار، وطلبا للقمة العيش. فكان ان تهافت اهالي الجنوب (المحتل سابقا) واهالي البقاع على العيش في ضواحي بيروت. اي انهم ارغموا على العيش في حي السلم لان الدولة لم تقدم اي خيارات اخرى. فنشأت "مدينة" طحلبية بعيدة من نور الشمس تدعى حي السلم، حيث تسابق الناس على بناء المنازل، مما جعل البناء عشوائيا بسبب غياب الرقابة والتنظيم.
هؤلاء الناس الذين تركوا سراويلهم وكوفياتهم معلقة على جدران بيوتهم ونزلوا طالبين المدينة، عرّتهم المدينة من لباسهم القروي وحمّلتهم هموم الدنيا وعبء المادة ولم تحمّلهم المدنيّة. اقفلت المدى امامهم بالاسمنت وقتلت الطموح الا برغيف العيش، بينما في الضيعة المدى اخضر فسيح والعمل بسيط والطموح ابسط...
دخلتُ حي السلم لأشهد هذا العالم الفقير والمهمّش طبقيا. دخلته لاعرف الذنب الذي اقترفه هذا الشعب ليُحرم الحياة ونعمة الامل. دخلته ولم تفارقني الدهشة لكل ما رأيت من مظاهر التخلف واحزمة البؤس والبناء المشوّه والحياة العسيرة والوجوه المكفهرّة...
مشاهد بؤس

بيوت متلاصقة |
المباني مكدّسة فوق بعضها البعض، رغم ان علوّها لا يزيد على الطبقات الثلاث. لكن المسافة بين المبنى والآخر تقلّ عن المتر الواحد او تنعدم في بعض الاحياء. والبناء الخارجي معظمه غير مطليّ ويعاني التشقق والاهتراء، عدا عن ضيق الغرف التي لا تشهد نور الشمس والسقف الذي ينعم على أهله بالحرارة العالية صيفا والمطر الغزير شتاء، هذا مع انعدام الخدمات الصحية والمياه النظيفة. وبسبب غياب البنى التحتية تصل مياه الشفة ملوثة، مما يؤدي الى امراض كثيرة، ويعمد الاهالي الى شراء الماء يوميا.
اما الكهرباء التي يشكو منها جميع اللبنانيين بسبب انقطاعها الدائم وسياسة التقنين، فهي ايضا مصدر معاناة اهالي حي السلم، وخصوصا لمالكي البيوت غير المرخّصة، اذ يمنع مدّ الكهرباء الى بيوتهم مما جعلهم يسرقون الامدادات من البيوت المجاورة. لكن كالعادة لدى الدولة الحلول الملائمة، فعمدت الى وضع عدادات في هذه البيوت لتستفيد من كونها مستهلكة.
اما حال الشوارع فحدث ولا حرج. حالها مزرية، موحلة وعائمة بالماء والروائح الكريهة. كما انها ضيقة وذات حفر وتتسع لمرور سيارة واحدة، علما ان حي السلم بمعظمه اسواق شعبية ودائمة الاكتظاظ بالسكان. فلا البلدية ولا الدولة تقومان بتعبيد الشوارع، وان فعلتا فإنهما تختاران "أتعس" نوعية زفت، الذي لا يصمد اكثر من شهرين. اما الاحزاب المحلية فهي القائمة على تقديم مثل هذه الخدمات. فموقف سيارات حي السلم قامت بتزفيته مؤسسة "جهاد البناء".
مع ذلك، لا يخلو حي السلم من "المشاهد الجمالية" التي هي من ابتكار الانسان. فتشابك الاسلاك الكهربائية الكثيفة شكّل عريشة تتدلى منها الاسلاك المكشوفة والمعطلة، او صنع خيمة حجبت نور الشمس عن الشوارع واخفت زرقة السماء عن العيون. اما الاشجار فهي نادرة جدا، علما ان حي السلم كان سابقا عبارة عن بساتين من الحامض والليمون والزيتون... وحتى الاشجار تغيّرت معالمها. فالغبار والتلوث جعلا لاخضرارها لونا باهتا يميل الى الرمادي.

الشارع - النهر! |
هذا عدا عن نهر الغدير الذي يشكل خطرا في فصل الشتاء بسبب ارتفاع منسوب المياه فيه وفيضه على الشوارع واختراقه المنازل مما يوقع اضرارا مادية كبيرة، وكذلك الجسر المبني عليه الذي يربط بين حي وآخر هدم بسبب الفيضانات ونداء السكان لبناء جسر آخر لا زال يعلو، ولكن لا من مغيث. اما في الصيف فالنهر هامد يتلقى خيرات الناس من نفايات، ويفتح صدره للتلوث والجراثيم في انتظار من ينقذ مياهه من التلوث... والايجابي في حي السلّم: السوق الشعبية حيث تتوافر كل متطلبات الناس بأرخص الاسعار. فاختيار بعض النازحين السكن في حي السلم في الآونة الاخيرة كان سببه الوضع الاقتصادي المتردّي وتوافر كل مستلزمات الحياة من مأكل وملبس في هذا السوق. وتتنوع في السوق المحال وواجهاتها آخذة الطابع الفوضوي. فسوق الخضر الى جانب محل المجوهرات والافران والمسالخ والملبوسات... فتتشوّه صورة السوق الحضارية، وتأبى الا تعكس الوضع الاقتصادي المتدني للشعب. وتمتزج الصيحات مع اختلاف المحال من "يللا بطاطا"، "يللا باذنجان" الى "قـرّب عالطيـب الفـروج بـ4000 ليرة" الى امتزاج الـروائح ببعضها بعضا.
وللتجار ايضا معاناتهم في حي السلم. فهم يشكون كجميع الناس من الكهرباء والمياه والشوارع والروائح الكريهة. ويعانون ارتفاع الايجارات. فالمحلّ يصل ايجاره الى 800 دولار اميركي وما فوق، بينما المسكن ايجاره في حدود الـ50 دولارا اميركيا. كما يشكو التجّار من المضاربات الاجنبية لبضائعهم، بسبب غياب سياسـة حمايـة الاسـواق، كما الحال في لبنان عموما.
اهمال الدولة
لكن ما سبب اهمال الدولة عموما والبلدية خصوصا؟ يخضع حيّ السلم جغرافيا لبلدية الشويفات. يبلغ عدد سكانه حوالى 250 الف نسمة. وقد عرفت السلطة كيف تستغل هذا الامر. ففرضت ضرائبها عليهم من دون تقديم اي خدمات وضمانات في المقابل. يقول محمد البالغ من العمر 54 عاما والمقيم في حي العرب، "ان البلدية لا تقدم خدمات لحي السلم، لان اكثر من 85 في المئة من سكانها ليسوا اعضاء ناخبين في البلدية، فهم خليط من اهل بعلبك والجنوب. لذا تعتبر البلدية انها لا تستفيد من انتخاب السكان ومشاركتهم السياسية، فلا واجب عليها تجاه هذه المنطقة. لكن اول ما يلفت انتباهها قيام محل جديد فتسرع "لشفط الضرائب". ويضيف محمد ان انتخابهم في مناطق نفوذهم لا يعود عليهم بالمنفعة "فنوابهم هناك لا يسألـون عنهم في حـي السلـم، فما نفـع انتخابنـا في منطقـة لا نقيم فيها؟".
وتشدّد نداء على ما يقوله محمد لتزيد ان الفساد يبدأ من قانون الانتخاب، "فالانسان الذي يولد ويعيش ويموت في حي السلم لا ينتخب في حي السلم لان نفوسه في منطقة اخرى، وهنا يكمن الظلم". لذا يتساءل قاطنو حي السلم عن سبب اختيار الشويفات لتكون بلدية مسؤولة عن حي السلم، علما ان عدد سكان حي السلم يفوق الشويفات بأضعاف.
فالطرق مثلا، كما سبق وذكرنا، لا تعبّدها البلدية بل الاحزاب المحلية، ولا توجد شرطة في حي السلم. كان هناك مخفر درك قرب موقف السيارات لكن الدولة نقلته الى المريجة وليس هناك مجلس انماء لحي السلم.
مع ذلك، لا يمكن تحميل البلدية كلّ المسؤولية. فالدولة مسؤولة عن البلدية، وهي تناست حي السلم. والدليل على ذلك ان مؤسسات الدولة في هذه المنطقة شبه معدومة، اذ يوجد مستوصف واحد تابع لوزارة الشؤون الاجتماعية قرب مستشفى الغدير وخدماته محدودة. وكان مقررا انشاء مستوصف آخر لكنه افتتح في المريجة. وهناك مشروع نهر الغدير المقرر تنفيذه في حي السلم لكنه لا يزال قيد التنفيذ. وتم صرف مليون دولار للبنى التحتية في حي السلم لزمت ولكن لم ينفذ اي مشروع ولم يظهر اي اثر لهذه الاموال كالعادة!
غياب القانون
لم يتغيّر أمر على حي السلم من ايام الحرب الى السلم، وبعض السكّان هناك يجدون ان ايام الحرب كانت افضل وارحم من ايامنا هذه. واذا اردنا تشبيه حي السلم بمنطقة من المناطق فانه يمكن تشبيهه بالمخيمات الفلسطينية التي يغلب عليها الاسى والفقر ومظاهر التشرد، آخذين في الاعتبار ان اهالي حي السلم هم لبنانيو الهوية، بينما المخيمات تجمع المهجرين واللاجئين الفلسطينيين. فعلى الدولة ان تدرك الفرق بين المهجر والنازح.
تشكو ام حيدر (28 عاما) غياب القانون في حي السلم. ففي المنطقة عدد لا بأس به من المجرمين والهاربين من العدالة. يذكر البعض ان الدولة لا تدخل حي السلم، وفي حال التأكد من احد المشبوهين تنسّق مع الاحزاب الموجودة في الداخل لتلقي القبض عليه. ولا يعرف الناس كيف يفسرون هذه الظاهرة المضحكة، معتبرين ان الدولة تهمل حي السلم. يقول جهاد: "ما لم يتغير في حي السلم: العلاقات الاجتماعية الناجحة القائمة على المودة وطيبة القلب وعلاقات الاخوة والصداقة. لكن الاهالي يخافون التوتر والمشاكل بين العشائر كي لا تتخلخل العلاقات".
وما لا يُفهم من الحديث مع سكان حي السلم ذلك القلق الملازم لهم. فصعـوبات الحيـاة قاسيـة، ومكتـوب على النـاس الصمـت رغـم الجـرح النازف.
في حي السلم تجد كل ما يدفعك الى الدهشة والاسى: فقر وتعتير وعوز وامراض وتلوث وبطالة وفلتان واوجه التخلف كلها. لكن الشباب يرفضون عدم مماشاة الموضة، فهم اول من يشتري "الصرعات" الجديدة ويواكب قصات الشعر الحديثة.
هذا الشعب المظلوم الذي اقترف جرم حب الحياة حكم عليه بتخدير المشاعر وحتى بإلغائها فتحول ماكينات تحركها الغرائز والحاجات. كما حكم عليه بالعيش في الفقر والحرمان، والا ينعم بحياة كريمة تؤمّن له كل وسائل الامن والطمأنينة.
ونتساءل هنا: من الملام في ما وصل اليه حي السلم الدولة ام البلدية بسبب الاهمال ام الشعب الصامت عن المطالبـة بحقـه؟ الواقع ان الجميع ملام.