يلحظ مراقب الاوضاع في العراق اليوم ومتتبعها في العشرينات من القرن الماضي ان هناك تشابها مثيراً للانتباه في سياقاتها يقترب من التطابق حينا ويبتعد ولكن من دون الخروج الى حيز المفارقة احيانا. فلو بدأت مقاربتي بينهما بلغة الخطاب الرسمي في تلك المرحلة ولغته اليوم لوجدت تماثلاً او ما يقرب منه في الادبيات والمفردات رغم فارق زمني يقارب القرن بينهما ورغم تبدل استراتيجيات العمل السياسي ومنظوماته الفكرية ومحركاته ومنطلقاته ومن ثم وسائل التعبير عنه.
وسأحاول ان اعزز ما اذهب اليه من رأي بوثائق ونصوص من تلك الحقبة التاريخية المنصرمة ليقف القارئ على مدى التقارب بين ما سيقرأوه من لغتها وادبياتها الماضية وما يسمعه يوميا من تصريحات وبيانات وخطط وهو يعايش حاضرها اليوم بادئاً بما وعدت به بريطانيا العراقيين اثناء الحرب العالمية الاولى من انها دخلت العراق محررة له لا فاتحة. وقد ورد ذلك في اكثر من تصريح وبيان. منها ما ورد في البيان الطويل المؤرخ في 9 آذار 1917 الذي وزعته قيادة الجيوش البريطانية في العراق باسم قائدها العام في العراق (الجنرال مود) وفيه ان: "الجيش البريطاني جاء محررا لا فاتحا". ومنها ما ورد في برقية الحاكم الملكي البريطاني العام في العراق (الكولونيل ولسن) الموجهة الى علماء النجف الاشرف واعيانه المؤرخة في 4 تشرين الاول 1919 من ان همّ بريطانيا من حربها هو "تحرير الشعوب التي قاست العذاب" وغير ذلك. (1)
اما ما يتعلق بالنيات والافعال في مرحلة ما بعد احتلال العراق في القرن الماضي فقد نص البيان المذاع في بغداد المؤرخ في 15 تشرين الثاني 1917 على العمل من اجل "تأسيس حكومات وادارات وطنية تستمد سلطتها من رغبة السكان الوطنيين انفسهم ومحض اختيارهم" (2) وفي مجال وضع القوانين والانظمة نص البيان المتقدم على ان هذه القوات لا ترغب في "وضع نظم خاصة لحكومات هذه الاقطار" وانها "لا هم لها الا ان تضمن سير العمل الشامل (...) وتضع حدا للتفريق الذي طالما توخاه الاتراك في سياستهم".
وفي الاعمار ورد في البيان نفسه ان هذه القوات ستساعد في "التقدم الاقتصادي" و"البناء والتعليم" وما الى ذلك. ويبدو ان هذا الخطاب الذي سمعه العراقيون عام 1917 هو نفسه الخطاب الذي سمعوه واعتادوا على سماعه من المسؤولين الاميركيين والبريطانيين وقادة قوات التحالف قبل احتلالهم العراق وبعده حتى ليكاد المرء يدهش كيف ان لغة الخطاب السياسي وادبياته اعادت انتاج نفسها بل اعادت نفسها ثانية وبقيت لائقة ومناسبة لتحقيق اهدافها بعد مرور ما يقرب من قرن عليها. وحتى ليكاد يأسى على ثبات حالنا على ما هي عليه طوال هذه المدة بحيث انهم لم يحتاجوا ولم نحتج الى تكليفهم مؤونة خطاب مختلف يتجاوز واقع حال مئة سنة خلت.
واذا عدنا الي مدى تأثير ذلك الخطاب على العراقيين بعامة وعلى مرجعية النجف الاشرف ذلك الوقت لوجدناه كبيرا فقد حرك فيهم الآمال باسترداد حريتهم المصادرة وحقوقهم المهضومة من قبل العثمانيين وانهم باتوا ينتظرون ان يطلع عليهم يوم العدل والاستقلال عاجلا. ولما طال عليهم الانتظار ولم يحقق لهم المحتل ما وعدهم به بدأوا يتململون، وزاد من تململهم وجزعهم لجوء المحتل الى اساليب الشدة والقهر من دون مراعاة لخصوصيات البلد الدينية والثقافية ومن دون التفات الى عاداته وتقاليده الاجتماعية بل حتى من دون اصغاء الى اي صوت يدعوه الى تغيير سياسته ونهجه. حينها توجهت انظار العراقيين الى النجف ومرجعيته للعمل بما يراه مناسبا مما اضطر الحاكم الملكي العام (الكولونيل ولسن) الى ان يتوجه الى النجف ويجتمع بعلمائه وزعمائه ليستطلع آراءهم حول مستقبل الحكم في العراق وحين خطب فيهم وانتهى من كلمته امامهم قام سماحة الشيخ محمد رضا الشبيبي وخاطبه بقوله: "ان العراقيين يرون من حقهم ان تتألف حكومة وطنية مستقلة استقلالاً تاما" مما اثار حفيظة الحاكم البريطاني وغضبه وبخاصة حين عرف ان رأي الجميع هو كذلك. وانهم متفقون على هذا الرأي.
واذ رأى علماء النجف الاشرف والزعماء من المحتل ما يسوءهم وتبينوا نكثه لعهوده ومماطلته وتسويفه كتبوا بيانا في 6 ايار 1920 وقّعه المراجع والاشراف والزعماء والعلماء وممثلو الرأي العام يدعون فيه الى "استقلال البلاد العراقية بحدودها الطبيعية العاري عن كل تدخل اجنبي" (3). وازاء تعنّت المحتل واستمراره على القيام بممارساته الخاطئة التي تتنافى وابسط قيم المجتمع العراقي وقواعده ومبادئه واصرار المراجع والزعماء على تنفيذ الوعود التي قطعها المحتل على نفسه من الاستقلال التام والحرية وتجنب الممارسات المسيئة لمشاعر العراقيين وتمكين الشعب من حكم نفسه بنفسه واعطاء كل ذي حق من الاكثرية والاقلية حقه، اصدر الامام الشيرازي فتواه الشهيرة بعدم جواز تسلط الاجنبي على مقدرات الامة (4) فكان لهذه الفتوى اثرها الكبير على العراقيين عموما وعلى الشيعة من اتباع اهل البيت خصوصا.
وعلى الضد من ذلك اصدر المحتل البلاغ الرسمي المؤرخ في 3/5/1920 القاضي بوضع العراق تحت الانتداب البريطاني مما أجج لهيب المقاومة فأعلن العلماء الثورة على المحتل في الصحن الشريف في النجف الاشرف صبيحة يوم الاحد في النصف من شوال 1338هـ/1920م ورفعت الاعلام الوطنية وقاد كل زعيم قومه الى الجهاد مما ادى الى جلاء جيش المحتل عن النجف وانسحابه منه الى الكوفة فبادر النجفيون الى تشكيل حكومة محلية مكونة من مجلسين مجلس اداري تنفيذي وهيئة علمية عليا برئاسة المرجع شيخ الشريعة وعضوية العديد من العلماء والاعلام كما كونوا شرطة محلية للمحافظة على الامن وهيئة خاصة لادارة شؤون الاسرى البريطانيين من خلال توصية من المرجع شيخ الشريعة بأهمية معاملتهم معاملة ممتازة وفق ما توصي به الشريعة وجهاز اعلامي فعال يترأسه الشاعر والثائر الشيخ محمد باقر الشبيبي يتولى طبع البلاغات والنداءات والوقائع اليومية واحدث اخبار مناطق العمليات وتوجيه الرأي العام في المدن العراقية كافة. (5).
ولم تتخذ المرجعية الدينية قرارها بالثورة والجهاد الا بعد ان استنفدت الطرق السلمية جميعها والا بعد ان صبرت حتى نفذ الصبر. يقول المرجع شيخ الشريعة في احدى رسائله المؤرخة في 10/1/1338 هـ الموجهة الى وكيله في الناصرية الشيخ عبد الحسين مطر طالبا منه قراءتها على من يثق به من شيوخ العشائر ورجال الدين ما نصه: "ان مبدأ هذه الحرب مطالبة العراقيين بحقوقهم المشروعة واستنجاز ما وعدتهم الحكومة البريطانية سالكين للطرق السلمية فقابلتهم الحكومة بالضغط والغلظة والاهانة وتبعيد الإجلاء فانجروا الى الحرب الحاضرة دفاعا عن انفسهم واعراضهم بعدما علموا ان الصبر على افاعيل الحكومة ونواياها فوق الطاقة" (6). فتأججت الثورة في العديد من الاماكن مما اقض مضاجع المحتل وحوّل لياليه وايامه الى جحيم. وحين رأى الحاكم البريطاني العام تصاعد وتائر الثورة في صفوف العراقيين وجّه رسالة الى المرجع شيخ الشريعة تتضمن الوعد والوعيد وتدعو الى اجراء مفاوضات بين الطرفين لوضع حد للقتال. وقد قامت قوات الاحتلال بطبع هذه الرسالة باعداد كبيرة والقائها من الطائرات على الثوار كما نشرتها في سائر الصحف العراقية مما كان له تأثير على بعض الثوار قابلته المرجعية الدينية بالرفض الحازم (...).
وقد اجاب المرجع الديني شيخ الشريعة على رسالة الحاكم البريطاني العام برسالة لخصت موقفه وموقف المرجعية في النجف من احداث تلك الفترة (...).
واستمر التجاذب بين الطرفين وتأزم اكثر بخصوص انتخابات المجلس التأسيسي بعد رفض مطالب الوطنيين والمرجعية الدينية في النجف فقامت على اثر ذلك تظاهرة كبرى في النجف يوم الغدير اعقبها اجتماع حاشد في دار المرجع السيد ابي الحسن الاصفهاني في 12/8/1922 للتأكيد على ضرورة الاستجابة لمطالب المرجعية وحين لم يستجب لتلك المطالب قررت المرجعية مقاطعة الانتخابات واصدرت الهيئة العلمية في النجف فتوى جاء فيها "لا يجوز الانتخاب ومن انتخب خرج من ربقة الاسلام; (7) مما ادى الى فشل الانتخابات في العديد من مدن العراق واستقالة اللجان الانتخابية في مناطق عدة منه.
واليوم وبعد مرور اكثر من تسعة اشهر على دخول قوات التحالف العراق ما زالت مرجعية النجف الاشرف الى الآن تحبذ كما حبّذت قبل ثورة العشرين سلوك الطرق السلمية مطالبة على لسان مرجعها العام السيد السيستاني (دام ظله) بانتخابات عامة لاختيار اعضاء المجلس الوطني الموقت وبانتخابات عامة لاختيار مجلس كتابة الدستور يعقبه استفتاء عام عليه غير ناسية حقوقها المشروعة المنتهكة منذ ان سلمت القوات البريطانية مقاليد الحكم في العراق عام 1920 لصنائعها وما جرته تلك السياسة من ويلات على العراق والعراقيين منذ ذلك الوقت وحتى سقوط النظام المقبور عام 2003 غير غائبة عنها دعوة قادة تلك القوات الجماهير الشعبية الى الانتفاضة عام 1991 ثم حين أشعر الاميركيين بعض الحكام العرب لأسباب معروفة بخطورة ما ستؤول اليه الحال فكت القوات الاميركية الحصار عن الجيش الصدامي مما مكّنه تحت سمع وبصر قواتها من ضرب الانتفاضة الشعبية بالسميّات القاتلة وصواريخ ارض ارض والمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ وغيرها من الاسلحة الثقيلة وما ادى اليه ذلك القصف من ازهاق ارواح عشرات الآلاف من ابنائها وضرب عتباتها المقدسة بالصواريخ ودكّ مدنها بالمدفعية الثقيلة واعتقال مراجعها وزرع العشرات من المقابر الجماعية هنا وهناك. واليوم يأمل المنصفون ان تجد مطالب الأكثرية المقموعة والعراقيين المقهورين اذناً صاغية وهي تنهج للآن نهج المقاومة السلمية لتحقيق حقوقها المسلوبة سابقاً ولاحقا وحقوق الشعب العراقي المنتهكة حتى بعد سقوط النظام الصدامي وهو ما يأمله ويتطلع اليه الخيّرون من ابناء هذا البلد رجاء ان لا يعيد التاريخ نفسه.
(لندن)
مصـادر:
(1). ماضي النجف وحاضرها، جعفر محبوبة: 1/352
(2). المصدر السابق: 1/253
(3). الشيعة والدولة القومية في العراق، حسن العلوي: 119
(4). انظر: ماضي النجف وحاضرها، محبوبة 1/359
(5). انظر: ماضي النجف وحاضرها، محبوبة 1/365
(6). لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث/ د. الوردي: 5/279
(7). انظر: الحركة الوطنية في العراق 1921م - 1933م.د. عبد الامير العكام: 80-82