الحاجة إلى المقاومة قائمة كجدواها وملف الأسرى لم يقفل

 ابراهيم الأمين
جريدة السفير (لبنان)
الثلاثاء، 27 كانون ثاني «يناير» 2004

     ثمة كلام كثير سوف يقال خلال الأيام القليلة المقبلة، حول ما جرى وما سوف يجري بشأن عملية تبادل الأسرى بين إسرائيل و”حزب الله”. وثمة موجة أولى من التقييم الحار، الذي يحمل في طياته الكثير من العواطف. حتى تلك التي يحاول رافضون بالفطرة أن يبتلعوها في لحظة إنسانية لا يقوى كثيرون على مواجهتها بالانتقاد. والى جانب السؤال حول حقيقة المرحلة الثانية من الصفقة التي لا تزال تفاصيل كثيرة منها قيد الكتمان. فان القضية المركزية هي التي تتعلق بما يفترضه البعض ب”مرحلة التراجع التدريجي” ل”حزب الله”. وهو ما يقصد به عادة فقدان الحزب مبررات استمراره بالمقاومة. 

واذا كان في اسرائيل من اعتبر الصفقة نجاحا اضافيا ل”حزب الله” وعنصرا مؤثرا ايجابا على مكانته بين العرب عموما، وبين الفلسطينيين خصوصا، فان بين المعلقين الاسرائيليين من اشار الى ان حسم ملف المفقودين والاسرى وبعد الانسحاب من الجنوب عام 2000 جعل الحزب من دون هدف. وان مهمته سوف تكون صعبة في اختيار هدف يحظى بشرعية بين اللبنانيين او عند غيرهم. 

وهذا التقدير هو نفسه عند آخرين، ومنهم فريق من اللبنانيين الذين يكثرون من الاسئلة في الحوارات الضيقة، ليس حول اهمية ما حصل، بل حول ما اذا كانت عملية التبادل هي المهمة الاخيرة للحزب. وبالتالي يجري ربط او ارفاق السؤال بكمية من الاسئلة والاستنتاجات المبكرة التي يقول موجزها، ان المقاومة انجزت مشكورة هذه الخطوة، وانها ستعيش ازمة العنوان في المرحلة المقبلة. ومن هو حسن النية بين هؤلاء، يقول، بان على الدولة اللبنانية ان تبادر الى تكريم هذه المقاومة تحت عنوان “الوداع المشرف” لها، ثم يسترسل هؤلاء في الحديث عن إلقاء السلاح وعن “اللبننة” الكاملة، وعن اشياء كثيرة ليس اقلها “ارسال الجيش الى الجنوب” واقفال جبهة مزارع شبعا. 

وإذا كان الكلام عن ضرورة حفظ المقاومة بعدما أكدت مرة جديدة جدواها في مواجهة الاحتلال ونتائجه، فان المعارضين ينسبون هذه المواقف الى زوار عنجر، وهم يشيرون بذلك الى أنهم من الفريق الحليف لسوريا، أو الذي يتلقى تعليماته من سوريا، على اعتبار انه يوجد في عنجر المقر الخاص بالمسؤول السياسي الأمني السوري في لبنان. 

لكن هؤلاء، يتجاهلون إنهم من زوار عوكر، حيث يعاني السفير الاميركي فنسنت باتل الآن من “أزمة هواء” بعدما عالجته صفقة التبادل برد ما كان يتوقعه عندما شن هجوما على “حزب الله” اثر تصديه لخرق اسرائيلي قبل أيام عند الحدود. مع انه ليس من النوع الذي يفترض ان هناك خطأ في مواقفه. وثمة من حاول التدقيق معه فكان جوابه انه لم يقم بشيء جديد. وانه كرر مواقف إدارة بلاده من هذه القوة. ولم ينس باتل أن يكرر تعليماته إلى حراسه للقيام بتصرف جديد على الطريقة الاميركية، كان ضحيته هذه المرة احد الزملاء في منطقة عاليه. 

وحسب ما هو مفترض، فان قيادة “حزب الله” التي امتنعت حتى الان عن الدخول في تعليقات او تحليلات حول ما حصل، سوف تقول الكلام الكثير حول هذا الامر خلال الايام القليلة التي تلي عملية التبادل. وهناك ما يكفي من التفسيرات التي تشير الى دقة وصعوبة هذه الجولة الطويلة من التفاوض، والاسباب التي ادت الى هذه النتيجة، علما ان احدا لا يعيش حرج عدم تحقيق مكاسب كبيرة. وثمة من يملك الجرأة والقدرة على قول كل ما يلزم في معرض الاجابة على اسئلة تحمل ضمنها اتهامات للحزب بانه تخلى عن عناوين كان قد رسمها لمسار التفاوض خلال المرحلة السابقة. ولا سيما البند الخاص بعميد الاسرى اللبنانيين سمير القنطار الذي سبق للامين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله ان قال في احدى خطبه، ما فهم ان اطلاق القنطار شرط نهائي وان لا صفقة من دونه. وثمة من سوف يقول الان ان الصفقة تمت وان التبادل تم وان القنطار لا يزال داخل السجن. 

بالطبع ثمة اجابات لدى “حزب الله” حول هذه النقطة. وثمة كلام يقال وغيره لا يقال، خصوصا وان الجميع يعرف ان المفاوضات لم تنته بعد. وان المرحلة الثانية من هذه الصفقة تشمل عملية تفاوض صعبة ودقيقة واكثر تعقيدا من الاولى، وان ما هو مفترض انجازه في هذه المرحلة يتطلب حذرا يضاهي ما عمل به سابقا. الامر الذي يجب ان يقنع كثيرين بان “التحفظ” من جانب الحزب لن يكون امرا قابلا للتجاوز، ولو ان السيد نصرالله في اجواء هذه التساؤلات وحاجة البعض الى اجابات. وما تم ابلاغه الى عائلة القنطار من قبل قيادة الحزب، يعطي فكرة عن اتجاهات المرحلة الثانية وان لا يقدم الضمانات كاملة. 

لكن وفي أي حال، فان ما هو متعلق بهذا الامر يعني امرا من نوع مختلف. وهو ان ملف الاسرى والمعتقلين لم يقفل، وان من يستعجل “تسريح” المقاومة لرغبة او لغاية، فهو يتجاهل ان ما خص هذا البند لم يحل بصورة تامة بعد. وان اسرائيل الراغبة بتكريس سياسة “نزع الذرائع” لم تصل فيها الى نهايتها، ولو ارادت ذلك، لما ابقت على القنطار اقله في سجونها، وهي تعلم ان الحزب واجهزته المعنية كافة وضعوا في حالة استنفار خاص، ولاجل العمل على عنوان مركزي هو : حرية القنطار ومن تبقى من معتقلين في السجون الاسرائيلية. 

وعليه، فان من يرغب بفتح نقاش غير واقعي حول مستقبل المقاومة، او من يفترض ان ملف الاسرى اقفل نهائيا، يكون في هذه اللحظات طرفا في موقع الخصومة مع الجمهور الواسع والممتد على طول العالم العربي وعرضه والذي ينظر الى هذه الخطوة على انها انجاز اضافي يعمد الناس الى وضعه في سياق “إيذاء اسرائيل”. 

اما بشأن الخطوات الاخرى، فان لا شيء يمكن توقعه خارج المتوقع، ولو ان الدائرة التي دخلت فيها المفاوضات الان باتت من النوع الذي لا يمكن لطرف لوحده اغلاقه لمجرد انه يريد ذلك. ومثلما امتلكت اسرائيل طويلا اوراق قوة اتاحت لها احتجاز وخطف مواطنين عرب من دون مساءلة، فان هناك من بات قريبا من هذا الموقع، ولو انه يحتاج الى عون بالصبر والدعم لا بالمشاغبة ان لم يكن بما هو اسوأ.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic