عملية التبادل إنجاز لـ”حزب الله”. لا ضرورة لهذا القدر من ضبط النفس الذي يمارسه البعض مانعاً نفسه من التعبير عن الراحة. ولأن العملية إنجاز، فهي أيضاً مؤشر إلى ما يمكن انتزاعه في زمن التراجع. قد لا توقف التدهور وليست مدعوة إلى ذلك. حسبها أن تدل على نهج وتنتصر له. وحسبها أن تضيف حجة جديدة، بعد تحرير الجنوب، إلى الرأي القائل بأنه لا مجال لنجاح تفاوض، مهما كان فرعياً، إلا بامتلاك عناصر ضغط وقوة. فلولا أن “حزب الله” يملك ما يعطيه لما كان أخذ ما أخذ. لم تكن إسرائيل في وارد إطلاق أسرى، ولا تقديم خرائط ألغام، ولا الإفراج عن جثامين مقاومين، ولا تحرير معتقلين عرب نستهم حكوماتهم، لم تكن في وارد هذا، وفوقه لم تكن تنوي عقد مباحثات غير مباشرة مع “الإرهاب”، لولا أنها استشعرت قدراً من الضغط.
“الإنجاز” الفعلي، إذاً، هو إعادة الاعتبار لهذه البديهية القائلة بأن من لا يملك قدرة، ولا يملك بدائل، لا يمكنه الحصول ولو على بعض حقوقه.
هذا أولاً. ثانياً أمكن عزل التبادل عمّا سواه. لا شروط من طرف على الآخر إلا في ما يتعلق بالصفقة نفسها. ويعني ذلك أنه أثناء إتمامها وبعد الانتهاء منها سيكون “حزب الله”، عند إسرائيل، “الإرهاب”، وتكون إسرائيل، عند “حزب الله” العدو. غير أن العزل استتبع لغة محددة. إن من استمع إلى السيد حسن نصر الله راوياً وشارحاً لاحظ، من دون شك، غياب أي عنصر أيديولوجي في تقدير الموقف، وموازين القوى، والممكن وغير الممكن في ظرف محدد. كان يحدد معالم “الصفقة” نازعاً عن الكلمة معناها السلبي المغروس في الذهن العربي. هذا الذهن الذي يعتبر أن أي “تسوية” شتيمة بغض النظر عمّا إذا كانت عادلة حسب نسبة القوى، وغير نابذة لتحصيل حقوق لاحقة. ربما لا يحب السيد نصر الله هذا النوع من المدح. ولكنه كان عقلانياً جداً وهو يشرح كيف أنه يصعب الحصول على ما هو أكثر من العدو (علماً بأن هذا “الأكثر” حق) طالما أن أوراق المساومة هي على ما هي عليه. هذا أسلوب تفاوضي يمكنه أن يكون مفيداً لحزب الله ولخصومه ولحلفائه.
ثالثاً، تدل عملية التبادل على نجاح الصيغة التعايشية اللبنانية. ليست تلك الصيغة الزجلية عن المسلمين والمسيحيين... فهذه غير ناجحة. وإنما الصيغة التعايشية بين الدولة والمقاومة. نحن أمام دليل آخر على حسن تقسيم العمل بحيث تعطي الدولة أفضل ما عندها، التغطية، وتعطي المقاومة أفضل ما عندها، الفعالية. ولا بد من قول ذلك استباقاً للأصوات التي ستعلو مستنكرة حلول الثانية محل الأولى. فهذه الأصوات، إذا افترضنا حسن النوايا، لا تعترض على تراجع في دور الدولة بل على الوجهة الحالية لهذا الدور. وهي تنتمي إلى مدرسة فكرية وسياسية تقول إن السبيل الأمثل، لا بل الوحيد، لاتقاء غضب “السيد الأميركي” هو في تنفيذ مطالبه وتقديم ذلك بصفته إنجاحاً لصيغة تعايشية ينقصها الحوار من أجل استبدال غلبة بغلبة.
لعملية التبادل بُعد فلسطيني مؤكد. ويجب أن يسجَّل للحزب انتزاعه حق التدخل في هذا المجال، لا بل تأكيده على هذا الحق. يثبت ذلك أن في لبنان من لا زال يدافع عن تراث الارتباط بالقضية الوطنية الفلسطينية، والقضايا القومية عموماً. لا بل يحصل هذا الارتباط في سياق النجاح في إدراج المصالح اللبنانية والفلسطينية في وجهة واحدة... ومن دون كلفة بالغة. يؤكد البُعد الفلسطيني للعملية، وبهذا الشكل، أن دعاة فك الارتباط على خطأ كما دعاة العدمية، وأن الفلسطينيين يحتاجون إلى من يرفد مقاومتهم للاحتلال خاصة عندما يمتنع أرييل شارون عن أي تنازل ولو من أجل دعم خط “الاعتدال”، وعندما يبدو مشروعه لإبادة الشعب الفلسطيني سياسياً عنصر تهديد للمنطقة كلها.
ولكن سيبقى أن آلاف الفلسطينيين في السجون، وأن في وسع إسرائيل اعتقال المئات بدل المئات الذين ستطلق سراحهم. يمكن استخدام حقائق من هذا النوع من أجل تقديم الأمور في صيغة تحمّل “حزب الله” ما لا طاقة له عليه، وما لا يدّعيه لنفسه، وما هو مسؤولية عربية إسلامية دولية مشتركة. وهكذا بدل أن نكون أمام المساعدة في تحرير أربعمئة أسير نصبح أمام المسؤولية عن “أسر” الآلاف. هذا ظلم يتضمن قدراً كبيراً من مجافاة الحقيقة. غير أن لا شيء يمنع، في وضعنا العربي الراهن، من السقوط في هذا الفخ.
بالمقابل ثمة محذور آخر. لقد سبق ل”حزب الله” أن ارتكب خطأ يحاول هذه المرة تجنبه: بروز نبرة تشاوفية بعض الشيء في إعطاء دروس إلى الفلسطينيين. لقد شهدنا انزلاقاً من هذا النوع بعد تحرير الجنوب. والواضح، هذه المرة، أن جهداً يبذل للامتناع عن ذلك. لا بل توحي لهجة السيد نصر الله بنوع من الشعور بالذنب المقرون بتقدير عال للكفاحية الفلسطينية، وللقدرة الهائلة على تحمّل ظروف في منتهى الصعوبة. إن هذا أبسط الإيمان. فالموضوع موضوع أسرى وعددهم المرتفع في الأرض المحتلة دليل إضافي على التعبئة الفلسطينية والاندفاعة الاستثنائية والمستمرة للمقاومة.
عندما تحدث السيد نصر الله عن “المرحلة الثانية”، وفي ذهنه سمير القنطار طبعاً، لم يفعل سوى رفع سقف التوقعات الفلسطينية. قد لا يكون دقيقاً الحديث عن صفقة واحدة وتنفيذ على مراحل. فالأصح الكلام عن جولة ثانية من التفاوض يتحدد مضمونها عند بداية اتضاح أوراق الضغط. وإذا صدقت التوقعات والتكهنات بأن المرحلة الثانية هي “الأهم” فإن ذلك يوجب إدارة سياسية لها تتجاوز بعض سلبيات ما جرى حتى الآن.
لعل أبرز السلبيات انقطاع الصلة، ولو غير المباشرة، مع السلطة الوطنية الفلسطينية التي لا يجوز، اليوم، المساهمة في عزلها. إن أي إضعاف للقوى التي تمثلها هو إضعاف في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل وليس في مواجهة قوى أكثر جذرية، وأكثر قدرة على قيادة الشعب الفلسطيني نحو مطالبه (برغم تعديلات طفيفة طارئة على خطاب هذه القوى).
إن المرحلة القادمة على الفلسطينيين صعبة. فإسرائيل ماضية في الجدار وما يعنيه، والولايات المتحدة ماضية في التجاهل، وثمة أسس موضوعية لائتلاف وطني فلسطيني يقلل من الخسائر. ولا وظيفة، للمرحلة الثانية، إذا حصلت، إلا تعزيز هذه الأسس ومد الشعب الفلسطيني بإنجاز يجعله أقدر على اجتياز الحقبة القاسية والحرجة.
المعروف أن قاعدة القوى المشتركة في تقدم المفاوضات اتسعت. وحصل ذلك رداً على ظروف مستجدة ضاغطة أكثر فأكثر. ومن هنا ضرورة الاهتمام بتحويل الوساطة الألمانية إلى نوع من “التورط الإيجابي” والسعي، إذا أمكن، لإقحام دول أوروبية أخرى. فالاحتمال الراجح هو أن يزداد الاتحاد الأوروبي انشغالاً بقضايا التوسيع. والمؤكد أن تركيبته الجديدة ستجعله أكثر ابتعاداً، بالمعنى السياسي، عن المواقف العربية. والطارئ هو أن بريطانيا شرعت تلوّح بزيادة الاقتراب من الولايات المتحدة في ما يخص الموضوع الفلسطيني. لهذه الأسباب ولغيرها يفترض الاعتناء بمنع الهوة من الاتساع... هذه مهمة أخرى تفوق طاقة “حزب الله” وحده وإن كان يُستحسن أن يزج طاقته في الوجهة الصائبة.
... قد لا يجد فنسنت باتل ضرورة لاقتراح من هذا النوع طالما أن المنظمة المعنية به “أجنبية” أصلاً!
*
رئيس تحرير جريدة السفير