نصرالله حارب إسرائيل بـ «سلاحها» النفسي

ابرهيم بيرم
صحيفة الرأي العام (الكويت)
الأربعاء، 28 كانون ثاني «يناير» 2004

     لم تكن البسمة العريضة المميزة التي ارتسمت على وجه الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله، وهو يعرض للصحافيين آلية صفقة تبادل الاسرى مع اسرائيل ويشرح ظروف اتمامها، هي البشارة الوحيدة لجهة المكسب الكبير الذي سجله حزبه في هذا الميدان الصعب، على عدوه اللدود, فالاسرائيليون انفسهم اقروا بخسارتهم قبله، واسهبوا عبر وسائل اعلامهم في تبيان ما سيجنيه الحزب من ارباح مادية ومعنوية في هذه الصفقة، ستترك بلا شك اصداءها الايجابية في ارجاء العالم العربي، خصوصاً عندما ستنقل كاميرات التلفزة مشهد الاسرى اللبنانيين والفلسطينيين والعرب وهم خارجون من السجون الاسرائيلية، وقد امضى معظمهم في غياهبها اكثر من عقد، من دون حدوث ما يجبر اسرائيل على اطلاقهم.

ولا غرابة في كل ذلك، فالسيد نصرالله عرف مند توليه سدة المسؤولية الاولى في «حزب الله» قبل نحو 12 عاماً، كيف يجيد «اللعبة» مع الاسرائيليين، وادرك بوعي وحكمة مكامن ضعفهم, واكثر من ذلك ، عرف ان يتصدى للضغوط الثقيلة الوطأة عليه، ويبقى في واجهة الحدث الاقليمي، بعدما راهن كثيرون على تقلص صورته واضمحلال موقعه تدريجاً، ولا سيما بعدما سعت اسرائيل الى سحب اكبر الذرائع من يديه بانسحابها من الجنوب في مايو 2000، ثم بتنامي الضغوط الاميركية عليه وعلى المعادلة التي يختبئ في طياتها، بعد الغزو الاميركي للعراق.
 

العامل النفسي

     في مداولاته الخاصة، يتحدث نصرالله بكثير من الاسهاب عن العامل النفسي الذي تستغله اسرائيل لتسجيل انتصاراتها على العرب والمسلمين، وفي المقابل يركز على ضرورة استخدام هذا العامل وتوظيفه في معركة المواجهة مع هذا الكيان المدجج حتى اسنانه بالاسلحة المدمرة والقوة المفرطة، والمباح له بفعل الحماية الاميركية المطلقة اللجوء اليها ساعة يشاء وفي اي مكان يرغب.

وعلى هذه المعادلة المبسطة، يبني السيد الكثير من فعله، ويتجاوز المعادلات الصعبة والوقائع التي تبدو احياناً عنيدة ومستحيلة, وعلى مقتضيات هذه المعادلة، بنى كل تفاصيل «لعبته» مع اسرائيل في موضوع المفاوضات معها لاتمام صفقة التبادل.

سلاحه من الاساس بسيط: ميدان مواجهة ضيق لا يتجاوز مساحته 40 كيلومتراً، هي مساحة مزارع شبعا، التي انتزع بشق النفس شرعية المواجهة فيها، ثم اضاف اليها الاسرى الثلاثة، فالعقيد المتقاعد الحنان تننباوم, وبهذه الذخيرة المحدودة قياساً بامكانات اسرائيل وقدراتها اللا محدودة، بدأ المواجهة الفعلية الصعبة: اشتباكات محدودة زمنياً في المزارع غايتها كما قال شخصياً اكثر من مرة: «التذكير بوجود الاحتلال الاسرائيلي لجزء من الاراضي اللبنانية، ومحور اشتباك اخر هو قضية الاسرى، الموجودين في قبضته, فمدى ثلاثة اعوام متتالية، جعل نصرالله قضية هؤلاء الاسرى جبهة اشتباك وتشابك حامية مع الاسرائيليين، وتحديداً في كل مرة كان ارييل شارون يحاول ان يجمد القضية او يواريها عن الانظار، إبعاداً منه لتأثير الحزب وتحاشياً للمواجهة معه.

وعليه، كان نصرالله يبادر الى اثارة الرأي العام الاسرائيلي بتوجيه نداء لعائلات الاسرى عنده، مناشداً اياهم التحرك لان «زعيمهم» يتجاهل القضية عمداً، ولا يجيب عن طلبات الحزب باتمام صفقة التبادل, وعندما كان الاسرائيليون يردون على هجمة نصرالله عليهم بالزعم ان الاسرى الثلاثة صاروا في عداد الاموات، كان يرد باجابات مبهمة لا تقطع الشك باليقين، فلا يؤكد المزاعم الاسرائيلية ولا يصدر عنه ما يثبت العكس، وجل ما قاله لهذه الجهة: «اذا كنتم تريدون التعامل مع القضية على اساس انها جثث فليكن، ولكل شيء ثمنه».

وفي مرحلة لاحقة يستخدم اسلوباً آخر، فيفتح الباب على مواجهة ميدانية اذ يعلن انه على استعداد لخطف مزيد من الجنود الاسرائيليين اذا كان العدد الحالي الموجود لديه لا يكفي, ولان اسرائيل اعتادت على اخذ كلام هذا الرجل وتصريحاته بجدية، والتعامل معه من باب انه يفي دائماً بما يعد به، دخلت معه في تفاوض غير مباشر، بعدما انتقى هو الوسيط الالماني من جملة عروض بالوساطة اتته من اكثر من جهة, والامر في هذا المجال، محسوب بدقة ايضاً عنده.

في البداية رفع سقف شروطه الى حدها الاقصى:
ـ اطلاق جميع الاسرى اللبنانيين.
ـ اطلاق جميع الاسرى الفلسطينيين والعرب.
ـ كشف مصير جميع المفقودين اللبنانيين والعرب او اعطاء معلومات عنهم.
ـ اعطاء خرائط عن مواقع الالغام التي زرعها الاسرائيليون وعملاؤهم من ميليشيا انطوان لحد (جيش لبنان الجنوبي) في الاراضي اللبنانية.
 

المستحيل؟

     انذاك قيل ان الرجل يطلب المستحيل، وانه مع هذه الشروط والمطالب التي يضعها لا يريد اتمام الصفقة، خصوصاً ان اسرائيل لن تسمح له بمد يده الى الشأن الفلسطيني والعربي، لذا قد تقبل بالتفاوض معه على مطالبه اللبنانية.

لكنه صمد على شروطه ومطالبه، وهذه الخاتمة تظهر ان اسرائيل نزلت عند غالبية شروطه خصوصاً ما يتصل منها بالجانب غير اللبناني, وابعد من ذلك، استطاع ان يحقق نصراً عاجلاً ولكنه مهد الاجواء وترك الابواب مفتوحة لنصر آجل، مستفيداً من رفض اسرائيل اطلاق عميد الاسرى العرب سمير القنطار, وبمعنى آخر، ووفق مصادر «حزب الله» وتقديراته، لم تكن ثمار الحدث الاخير فقط قبول اسرائيل بالدخول في تفاوض مع حزب تعتبره ارهابياً وتسعى ليل نهار لسحقه وتغييبه عن الواجهة، والاقرار بعقد صفقة معه تستجيب فيها غالبية مطالبه في لحظة من اكثر اللحظات حراجة بالنسبة الى العرب والمسلمين، وفي مرحلة تبدو فيها اسرائيل سيدة الموقف، مطلقة اليد، بل ان الانتصار الاكبر هو ان نصرالله يبرز ورقة جديدة في اللعبة لا يستهان بها، بعد ما قيل لكثيرين انه يفقد اقوى اوراقه باتمام الصفقة، انها ورقة الطيار الاسرائيلي المفقود في لبنان منذ العام 1986 رون اراد، والتي ربطتها اسرائيل ولاسباب داخلية بورقة الافراج عن سمير القنطار.

واستطراداً، كانت اسرائيل تضمر في عدم اطلاقها القنطار، انقاص قيمة النصر الذي يحققه اتمام الصفقة للحزب، والتخفيف من هالته ووهجه، فإذا بنصر الله يعلن على الملأ انه قادر على اللعب بورقة جديدة، وفي امكانه مواصلة الكباش مع اسرائيل, وقد بعث لمن يعنيهم الامر برسالة واضحة، عندما قال ان اراد في لبنان، فهو يعطي اشارة انه بات يملك ورقة جديدة، واسرائيل بطبيعة الحال لا يمكنها تجاهل الامر، وبالتالي لا يمكنها الا التعاطي بجدية معه والنزول الى ساحة الاخذ والعطاء مع السيد، وهو بطبيعة الحال لم يترك الفرصة تمر، اذ هيأ الاجواء لمواجهة جديدة ولاثارة جديدة عندما طلب من اي عربي له اسير او مفقود ان يراجع الحزب، ليكون الامر حاضراً على مائدة المفاوضات المقبلة مع اسرائيل.

وهكذا، ظهر السيد نصرالله بعد غياب استمر نحو ثلاثة اسابيع وكان مدار تساؤلات، ليؤكد حضوره في المعادلة الاقليمية مجدداً وليربح معركة مع اسرائيل باعتراف الاسرائيليين انفسهم ، ولكن ليربط معها نزاعاً آخر، او يفتح معها معركة جديدة عنوانها هذه المرة اراد ـ القنطار، خصوصاً ان ثمة من كان يسأل بالحاح في الاوساط في بيروت عن الاوراق التي لدى «حزب الله» ليلعبها مع اسرائيل، بعدما سقطت منه ورقة الاسرى التي استنفذها حتى نهايتها طوال اعوام ثلاثة.

في اوساط الحزب مقولة مفادها ان السيد نصرالله محكوم دوماً بالبحث عن اوراق لمواجهة اسرائيل، خصوصاً عندما يصبح ميدان المواجهة العسكرية معها صعباً بفعل الضغوط الكبيرة عليه، وبمعنى آخر ها هو يخرج «من كمّه» ورقة اخرى، سيحقق معها لا شك حضوراً في مجال المواجهة مع اسرائيل, والرجل في هذا الميدان بات بصيراً في معرفة ما تضمره اسرائيل من سياسة قوامها نزع الذرائع والاوراق من يدها، لذلك كان سريعاً في الاجابة عن معلومات شاعت في الاونة الاخيرة عن امكان انسحاب القوات الاسرائيلية من مزارع شبعا، فقدم معادلة جديدة فحواها انه لن ينسحب من مجال المواجهة معها, هذا الجواب القاطع وجد مجاله الحيوي في اعلان نصرالله انه يقبض على ورقة جديدة موجعة لاسرائيل، او على الاقل مقلقة لها، لا يمكن ان تضرب الصفح عنها او تتجاهلها، والى ان يحين وقت انتهاء مفعول هذه الورقة، فالسيد نصرالله يترك المجال مفتوحاً امام كل الخيارات بما فيها خيار اسر مزيد من الجنود الاسرائيليين، وثمة طبعاً خيارات ما دامت ارادة المواجهة صامدة داخل الحزب الذي يقوده نصرالله ببراعة قل نظيرها.

أرسل المقال

أرسل المقال إلى صديق: 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic